تأشيرات مُفوضة وسيادة مُهتزّة: المواطن المغربي عالق في كواليس نظام معتم

0
147

في قلب التحولات الرقمية التي تعلنها الدبلوماسية المغربية، يطفو ملف التأشيرات كأحد أكثر المجالات حساسية، ليس فقط لارتباطه بحرية التنقل، بل لكونه يكشف عن مفارقة عميقة بين السيادة كخطاب، والتفويض كواقع. فحين تؤكد وزارة الشؤون الخارجية، بقيادة ناصر بوريطة، أن تدبير التأشيرات “أمر سيادي صرف”، فإنها في الآن ذاته تعترف ضمنياً بتفويض جزء من هذا الاختصاص لشركات خاصة، في صيغة تطرح أكثر من سؤال حول حدود السيادة في زمن العولمة الإدارية.

هذا التفويض، الذي أصبح ممارسة شائعة لدى عدد من السفارات والقنصليات المعتمدة في المغرب، لا يمر دون كلفة رمزية ومادية على المواطن. فبدل أن يكون الولوج إلى التأشيرة مسطرة قنصلية واضحة ومؤطرة، يتحول إلى مسار متعدد الوسطاء، حيث تتقاطع المنصات الرقمية مع مكاتب الخدمات، وتتشابك المواعيد مع السماسرة. هنا، لا يتعلق الأمر فقط بتعقيد إداري، بل بإعادة إنتاج لا مساواة جديدة، يصبح فيها “الولوج إلى الموعد” امتيازاً بحد ذاته.

تصريحات ناصر بوريطة تعكس وعياً رسمياً بهذه الاختلالات، خاصة حين يشير إلى “ثغرات رقمية” تستغلها بعض الجهات الوسيطة، وإلى ضرورة “تعزيز الرقابة الإلكترونية”. غير أن هذا الوعي، رغم أهميته، يظل محكوماً بحدود السيادة الدبلوماسية، إذ لا يمكن للمغرب—بحكم قواعد العلاقات الدولية—أن يفرض بشكل مباشر على بعثات أجنبية تغيير نماذجها التدبيرية، ما يجعل دوره أقرب إلى “الوسيط الضاغط” منه إلى “الفاعل الحاسم”.

في العمق، يكشف هذا الوضع عن انتقال تدريجي من نموذج “القنصلية-الدولة” إلى نموذج “القنصلية-المقاولة”، حيث يتم تفويض المهام اللوجستية—وأحياناً التواصلية—لشركات خاصة. هذا التحول، وإن كان يهدف إلى تحسين النجاعة وتقليص الضغط، إلا أنه يفتح الباب أمام منطق السوق داخل مجال يفترض أنه محكوم بمنطق الحق. فالمواطن لا يتعامل فقط مع إدارة، بل مع سلسلة من الفاعلين الذين قد لا يخضعون لنفس معايير المساءلة والشفافية.

الأثر المباشر لهذا النموذج يظهر في زمن الانتظار، وفي احتفاظ القنصليات بجوازات السفر لمدد توصف أحياناً بغير المعقولة. ورغم تبرير ذلك بخصوصية كل ملف وظروف المعالجة، فإن التجربة اليومية للمواطنين تكشف عن شعور متزايد بعدم اليقين، بل أحياناً بالإهانة الرمزية، حين يصبح جواز السفر—رمز السيادة الوطنية—رهينة مسطرة غامضة.

في المقابل، يلوح في الأفق مشروع أوروبي قد يعيد تشكيل هذا المشهد. فإعلان المفوضية الأوروبية عن استراتيجية موحدة للتأشيرات، تقوم على الانتقال نحو نظام رقمي شامل في أفق 2028، يحمل وعوداً بتقليص زمن الانتظار وتمكين طالبي التأشيرة من الاحتفاظ بجوازاتهم. غير أن هذا التحول، بدوره، يطرح تحديات جديدة: هل سيقضي فعلاً على دور الوسطاء، أم سيعيد إنتاجهم في شكل رقمي أكثر تعقيداً؟

ما بين خطاب السيادة ومنطق التفويض، وما بين الرقمنة كحل والرقمنة كمصدر جديد للاختلال، يجد المواطن المغربي نفسه في موقع هش، محكوماً بتوازنات لا يتحكم فيها بالكامل. وهنا، يتجاوز ملف التأشيرات كونه مسألة إدارية ليصبح مرآة لعلاقة غير متكافئة بين الشمال والجنوب، حيث تظل حرية التنقل امتيازاً تفاوضياً أكثر منها حقاً كونياً.

إن التحدي الحقيقي، كما توحي به هذه المعطيات، لا يكمن فقط في تحسين المساطر أو تسريع الإجراءات، بل في إعادة طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن حماية كرامة المواطن داخل مسار إداري عابر للحدود، تتحكم فيه اعتبارات سيادية، ومصالح اقتصادية، وتوازنات جيوسياسية معقدة؟ هنا، تتحول الدبلوماسية من مجرد تدبير للعلاقات بين الدول، إلى رهان يومي على صون كرامة الأفراد.