في سياق التحولات التي يعرفها الاقتصاد المغربي نحو تنويع موارده خارج القطاعات التقليدية، يبرز قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية كأحد أكثر الرهانات الجديدة إثارة للانتباه، ليس فقط من زاوية رمزيته الثقافية، بل من حيث قدرته المتنامية على خلق الثروة وفرص الشغل وإعادة تشكيل جزء من الاقتصاد غير المادي.
وفق تقرير صادر عن مؤسسة التمويل الدولية (IFC) بتنسيق مع مؤسسات وطنية من بينها المندوبية السامية للتخطيط، فإن هذا القطاع لم يعد مجرد فضاء للإنتاج الفني أو الإبداعي، بل تحول إلى منظومة اقتصادية متكاملة تشمل السينما والموسيقى والحرف التقليدية والتصميم والأزياء والألعاب الرقمية والفنون البصرية، مع قدرة استثمارية ومالية باتت تقاس بمعايير الاقتصاد الكلي.
التقرير يذهب إلى معطى لافت: كل دولار يُستثمر في هذا القطاع يمكن أن يولّد عائداً يصل إلى 2.5 دولار، وهو رقم يعكس طبيعة الاقتصاد الإبداعي القائم على التراكم الرمزي والابتكار أكثر من اعتماده على رأس المال الثقيل. غير أن هذا المؤشر، رغم جاذبيته، يظل مشروطاً ببيئة استثمارية وتنظيمية قادرة على تحويل الإبداع إلى قيمة سوقية قابلة للاستدامة.
على مستوى المساهمة في الاقتصاد الوطني، تشير معطيات التقرير إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية تساهم بنحو 2.4% من الناتج الداخلي الخام، وهو مستوى يضعها في خانة القطاعات ذات الوزن الماكرو-اقتصادي المعتبر، خصوصاً إذا ما قورنت بقطاعات تقليدية كثيفة التشغيل. كما سجل القطاع إيرادات تقارب 43 مليار درهم سنة 2023، محققاً نمواً لافتاً بلغ 18% مقارنة بسنة 2022، وهو ما يعكس دينامية متسارعة بعد سنوات من الطابع الهامشي لهذا المجال.
لكن الرقم الأكثر حساسية في النقاش العمومي يتعلق بالتشغيل. فحسب التقرير ذاته، يوفر هذا القطاع أكثر من 116 ألف فرصة عمل، منها حوالي 78 ألف وظيفة مباشرة. وبناءً على هذا المعطى، فإن سؤال “هل يتجاوز 100 ألف منصب شغل؟” يجد جوابه في المعطيات الرسمية نفسها: نعم، القطاع تخطى هذا العتبة بالفعل، بل أصبح يقترب من موقع قطاعي موازٍ لقطاعات خدماتية أساسية مثل الصحة والخدمات المالية من حيث حجم التشغيل النسبي.
غير أن قراءة هذه الأرقام خارج سياقها قد تعطي انطباعاً مبالغاً فيه عن نضج القطاع. فالتقرير نفسه يشير إلى أن كل مليون درهم مستثمر يولد حوالي 3.7 فرص عمل، وهو رقم يكشف من جهة عن كثافة تشغيلية مهمة، لكنه من جهة أخرى يعكس أيضاً طبيعة هذه الوظائف التي تتراوح بين الرسمي وغير الرسمي، وبين الدائم والمؤقت، وبين الإبداعي والهش في بعض الحالات.
من زاوية أعمق، يكشف التقرير عن مفارقة بنيوية: قطاع يملك إمكانات نمو عالية، لكنه يعاني في المقابل من اختناقات هيكلية على مستوى التمويل. إذ لا يتجاوز نصيب الصناعات الثقافية والإبداعية 0.5% فقط من إجمالي التمويلات الموجهة للمقاولات، ما يدفع أغلب الفاعلين إلى الاعتماد على التمويل الذاتي، ويحد من قدرة المقاولات الصغيرة والناشئة على التوسع أو التحول إلى مؤسسات مستدامة.
هذه الوضعية تفتح النقاش حول طبيعة الاقتصاد الثقافي في المغرب: هل هو قطاع صاعد فعلاً أم مجرد اقتصاد إبداعي غير مُمَأسس بالكامل بعد؟ فوجود أكثر من 9500 مقاولة في المجال، مع حضور نسائي يصل إلى 34% من اليد العاملة، يعكس حيوية اجتماعية واضحة، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن تشتت في البنية الإنتاجية وغياب منظومة تمويلية متخصصة.
الأكثر دلالة في التقرير هو التحذير من “الإمكانات غير المستغلة”، حيث يشير إلى ضعف المهارات المالية لدى الفاعلين، وغياب أدوات التقييم الاقتصادي الدقيقة، إضافة إلى محدودية البيانات وتشتتها، ما يجعل قياس الوزن الحقيقي لهذا القطاع أمراً معقداً على المستوى الإحصائي والمقارن دولياً.
هنا بالضبط تتشكل الإشكالية الكبرى: فبين خطاب الأرقام الواعدة من جهة، وواقع البنية غير المهيكلة من جهة أخرى، يقف الاقتصاد الثقافي المغربي في منطقة انتقالية حساسة، حيث يتحول من قطاع إبداعي إلى قطاع اقتصادي فعلي، دون أن يستكمل بعد شروط هذا التحول.
في المحصلة، لا تبدو الصناعات الثقافية والإبداعية مجرد قصة نجاح رقمي، بل مشروع اقتصادي قيد التشكل، تتقاطع فيه الثقافة مع التشغيل والاستثمار والهوية. غير أن استدامته ستظل رهينة بمدى قدرة السياسات العمومية والمؤسسات المالية على تحويل هذا الزخم الإبداعي إلى منظومة إنتاج حقيقية، بدل إبقائه ضمن حدود اقتصاد واعد لكنه غير مكتمل التمأسس بعد.