استبعاد صحراويين من تسوية المهاجرين في إسبانيا: مرسوم يعيد رسم حدود القانون والهجرة والدبلوماسية في ملف الصحراء

0
118

في خطوة جديدة تعكس تعقيدات ملف الهجرة داخل أوروبا وتشابكاته السياسية والقانونية، أقرت الحكومة الإسبانية مرسوماً استثنائياً يهدف إلى تسوية الوضع القانوني لمئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين المقيمين على أراضيها. غير أن هذا الإجراء، الذي رُوّج له باعتباره فرصة واسعة للإدماج القانوني، حمل في طياته استثناءً لافتاً لفئة من المقيمين القادمين من الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، ممن يُصنفون كـ“عديمي الجنسية”، وهو ما فتح نقاشاً سياسياً وإعلامياً واسعاً حول خلفيات القرار وحدود تأثيره.

وبحسب معطيات أوردتها وسائل إعلام إسبانية، فإن النص النهائي للمرسوم، الذي صادق عليه مجلس الوزراء الإسباني، استبعد بشكل صريح الأشخاص الذين لا يتوفرون على جنسية معترف بها، وهي وضعية قانونية تنطبق على عدد من المقيمين المنحدرين من الصحراء، والذين يعيشون في إسبانيا منذ سنوات طويلة. ويترتب عن هذا الاستبعاد حرمان هذه الفئة من الاستفادة من مسار التسوية الجماعية، رغم شمولها في صيغ أولية سابقة للمشروع.

وتشير المصادر ذاتها إلى أن المسودات الأولى للمرسوم كانت أكثر اتساعاً في تعريف الفئات المستفيدة، قبل أن يتم تعديلها في الصيغة النهائية، بناءً على توصيات قانونية صادرة عن مجلس الدولة الإسباني، الذي اعتبر أن وضع “عديمي الجنسية” يخضع لإطار قانوني مختلف، ولا يمكن إدماجه تلقائياً ضمن آليات التسوية الجماعية الموجهة لباقي المهاجرين غير النظاميين.

من جانبها، تبرر الحكومة الإسبانية هذا التوجه بكون الفئات المعنية يمكنها سلوك مسارات قانونية بديلة للحصول على وضع قانوني مستقر، عبر إجراءات خاصة بطلبات الحماية أو تنظيم الإقامة وفق القوانين المعمول بها، معتبرة أن هذا التمييز لا يحمل طابعاً إقصائياً بقدر ما يعكس اختلافاً في الوضعيات القانونية التي ينظمها التشريع الإسباني.

غير أن هذا التفسير لم يُنهِ الجدل، بل ساهم في تعميقه، إذ نقلت تقارير إعلامية في شبه الجزيرة الإيبيرية أن عدداً من الجمعيات الحقوقية، إلى جانب جهات داعمة للصحراويين المؤيدين لجبهة البوليساريو، اعتبرت القرار تمييزياً من حيث المضمون، لأنه يضع هذه الفئة في وضع قانوني هش، ويحدّ من فرص اندماجها الاجتماعي والمهني داخل إسبانيا، رغم إقامتها الطويلة.

وفي السياق نفسه، أوردت صحيفة “The Objective” أن جبهة البوليساريو عبّرت عن رفضها لهذا المرسوم، معتبرة أنه يعمّق ما وصفته بـ“الوضعية غير المستقرة قانونياً” للصحراويين الموالين لها، ويحول دون استفادتهم من الحقوق المرتبطة بالإقامة والعمل، وهو ما يفاقم، بحسب رأيها، حالة الغموض القانوني التي يعيشها جزء من هؤلاء داخل التراب الإسباني.

كما لم تستبعد بعض الجمعيات الحقوقية اللجوء إلى المساطر القضائية للطعن في القرار، معتبرة أن استثناء فئة محددة من إجراء تسوية شامل يثير تساؤلات حول مدى احترام مبدأ المساواة أمام القانون، خصوصاً في ظل الطبيعة الاستثنائية لهذا النوع من المراسيم. وفي المقابل، ذهبت بعض القراءات السياسية داخل إسبانيا إلى ربط هذا القرار بسياق العلاقات الدبلوماسية المتنامية بين مدريد والرباط، وما رافقها من تحولات في مقاربة ملف الصحراء.

ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه العلاقات الإسبانية المغربية مرحلة إعادة تموضع واضحة، عقب إعلان مدريد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي للنزاع، وهو ما انعكس تدريجياً على عدد من المواقف والإجراءات المرتبطة بتدبير ملفات الهجرة والوضع القانوني لمواطني الأقاليم الجنوبية.

وفي ظل هذا السياق المتشابك، ترى أطراف داعمة لجبهة البوليساريو أن الإجراءات الإسبانية الجديدة لا يمكن فصلها عن التحولات الدبلوماسية الجارية بين البلدين، معتبرة أنها تعكس توجهاً سياسياً أوسع نحو إعادة صياغة التعاطي مع ملف الصحراء وفق مقاربة مغربية، بينما تؤكد الرباط في المقابل أن سكان الأقاليم الجنوبية مواطنون مغاربة بكامل الحقوق والواجبات، وأن أي معالجة قانونية لوضعهم في الخارج يجب أن تتم في إطار هذا التعريف السيادي.

وبين التفسيرات القانونية والقراءات السياسية، يظل القرار الإسباني مفتوحاً على مزيد من الجدل، سواء على مستوى الداخل الإسباني أو في علاقته بتوازنات ملف الصحراء، الذي لا يزال أحد أكثر الملفات حساسية في شمال إفريقيا وحوض المتوسط.