“بين غلاء ينهك القدرة الشرائية وسياسات تُغذّي الفوارق: النقابات تضع النموذج الاقتصادي في قفص الاتهام الاجتماعي”

0
142

في سياق اجتماعي يتسم بتصاعد التوترات المعيشية واتساع فجوة الثقة بين الفاعلين الاجتماعيين والسياسات العمومية، أعادت نقابة “الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب” طرح ملف القدرة الشرائية في قلب النقاش العمومي، من خلال نداء فاتح ماي 2026، الذي حمل قراءة نقدية حادة للوضع الاجتماعي والاقتصادي، واعتبر أن الطبقة الشغيلة تجد نفسها اليوم أمام واقع يتسم باستمرار موجات الغلاء وتراجع القدرة على التكيف مع تكاليف المعيشة.

النقابة ربطت هذا الوضع بما وصفته باختيارات اقتصادية تميل إلى تغليب منطق السوق والتوازنات المالية على حساب البعد الاجتماعي، معتبرة أن هذا التوجه ساهم في إعادة تشكيل البنية الاجتماعية بشكل ضاغط، انعكس بشكل خاص على الطبقة المتوسطة والفئات الهشة التي وجدت نفسها، بحسب نفس التصور النقابي، في موقع التآكل التدريجي لقدرتها الشرائية ومكانتها الاجتماعية.

وفي صلب المطالب الاجتماعية، دعت النقابة إلى مراجعة شاملة لمنظومة الأجور والمعاشات، من خلال إقرار زيادات فورية وملموسة، مع تفعيل آلية “السلم المتحرك للأجور والأسعار”، باعتبارها أداة مؤسساتية من شأنها ربط الدخل بتقلبات السوق، بما يحد من أثر التضخم على الفئات العاملة. كما شددت على ضرورة إعادة النظر في الضريبة على الدخل، عبر مراجعة الشرائح وتوسيع الإعفاءات، بما يخفف الضغط الضريبي عن الأجراء الذين يخضعون للاقتطاع من المنبع.

اقتصادياً، لم يقتصر خطاب النقابة على ملف الأجور، بل امتد إلى الدعوة إلى تقنين هوامش الأرباح في بعض القطاعات الحساسة، وتسقيف أسعار المحروقات والمواد الأساسية، في تصور يقوم على حماية الأمن الغذائي وتقليص آثار تقلبات السوق على الحياة اليومية للمواطنين. هذا الطرح يعكس توجهاً نقابياً يعتبر أن التدخل العمومي في السوق لم يعد مجرد خيار تقني، بل ضرورة اجتماعية لضمان الحد الأدنى من التوازن.

وعلى المستوى المؤسساتي، عبرت النقابة عن رفضها لأي إصلاحات “مقياسية” محتملة لأنظمة التقاعد إذا لم تنبثق عن حوار وطني شامل، يحافظ على الحقوق المكتسبة المرتبطة بسن التقاعد والمعاشات والمساهمات. كما سجلت موقفاً رافضاً لأي مقاربة تشريعية تعتبرها محاولة للحد من حق الإضراب أو تقليص أثره، معتبرة أن هذا الحق يشكل جزءاً من البنية الدستورية للعمل النقابي، وليس مجرد أداة ظرفية للاحتجاج.

وفي بعد آخر من خطابها، دعت النقابة إلى تعزيز جهاز تفتيش الشغل، ومنحه الإمكانيات القانونية واللوجستيكية اللازمة لتفعيل مقتضيات مدونة الشغل، خصوصاً في ما يتعلق بشروط السلامة والصحة المهنية. ويأتي هذا التنبيه في سياق تصاعد حوادث الشغل داخل بعض الوحدات الإنتاجية والضيعات الفلاحية، وهو ما يعيد إلى الواجهة إشكالية احترام المعايير الاجتماعية داخل سوق العمل.

سياسياً واجتماعياً، تربط النقابة بين الاستقرار الاجتماعي ومدى الاستجابة للمطالب المعيشية، في قراءة تعتبر أن التوازن الاجتماعي ليس نتيجة تلقائية للنمو الاقتصادي، بل حصيلة سياسات عمومية قادرة على إعادة توزيع الثروة وتقليص الفوارق. وهو تصور يعكس رؤية تعتبر أن أي توتر اجتماعي محتمل يجد جذوره في الاختلالات المعيشية أكثر مما يرتبط فقط بالظرفية الاقتصادية.

أما على المستوى القيمي والسياسي العام، فقد جددت النقابة تأكيدها على مركزية القضية الفلسطينية في وجدان الشغيلة المغربية، معتبرة أنها تظل قضية وطنية بامتياز، مع رفضها لكل أشكال التطبيع مع إسرائيل، في موقف يربط بين البعد الاجتماعي والامتداد القومي والإنساني للقضايا السياسية الكبرى.

وبين لغة المطالب الاجتماعية، وانتقاد الخيارات الاقتصادية، وتثبيت المواقف المبدئية، يقدم هذا النداء النقابي صورة عن مرحلة اجتماعية تتسم بتعقيد متزايد في العلاقة بين الفاعل النقابي والسياسات العمومية، حيث لم يعد النقاش مقتصراً على تحسين شروط العمل فقط، بل امتد ليشمل طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه وحدود قدرته على إنتاج العدالة الاجتماعية.