الحوار الاجتماعي في المغرب: من وعود أخنوش الاجتماعية إلى امتحان الحقيقة بين الأجور والقدرة الشرائية في نهاية الولاية الحكومية

0
141

«قدّمت الحكومة دورة أبريل 2026 من الحوار الاجتماعي باعتبارها محطة لتقييم حصيلة ولاية حكومية كاملة، في سياق يؤكد فيه رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن هذا الورش تحوّل إلى خيار سياسي دائم وليس مجرد آلية ظرفية للتدبير الاجتماعي.» رئيس الحكومة عزيز أخنوش قدّم هذه الدورة باعتبارها خاتمة مسار امتد لولاية حكومية كاملة، سعت خلالها السلطة التنفيذية إلى إعادة تعريف العلاقة مع النقابات والشركاء الاجتماعيين، من منطق التدبير الظرفي إلى منطق التعاقد المؤسساتي القائم على الالتزام والنتيجة.

هذا التقديم لم يكن خطابًا تقنيًا صرفًا، بل محاولة لتأطير تجربة اجتماعية في سياقها الأوسع: جائحة عالمية أربكت التوازنات، سنوات جفاف أثقلت الاقتصاد الفلاحي، موجات تضخم ضغطت على الأسر، واضطرابات في الأسواق الدولية أعادت ترتيب أولويات الدولة. في هذا المناخ، قدّمت الحكومة الحوار الاجتماعي كأداة لتخفيف الصدمة الاجتماعية، وكجسر لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومكونات الشغل.

لكن خلف هذا السرد الرسمي الذي يربط بين “الالتزام والنتيجة”، يظهر الحوار الاجتماعي كمسار متعدد الطبقات، لا يُقرأ فقط من خلال الأرقام المعلنة، بل أيضًا من خلال أثره الفعلي في بنية الدخل، وإيقاع الحياة اليومية، وإعادة توزيع الأعباء داخل المجتمع.

من لحظة الأزمة إلى هندسة “الدولة الاجتماعية”

منذ انطلاق الولاية الحكومية، تم تقديم الحوار الاجتماعي كاختيار سياسي وليس مجرد آلية تقنية. هذا التحول في الخطاب ترافق مع محاولة إدماج البعد الاجتماعي في صلب القرار الاقتصادي، في سياق سُمي رسميًا بـ”بناء الدولة الاجتماعية”.

الاتفاق الاجتماعي المؤرخ في 30 أبريل 2022 شكّل، وفق المعطيات الحكومية، نقطة الانطلاق الفعلية لهذه المقاربة. فقد تم الانتقال من تجميد نسبي في الملفات الاجتماعية إلى حزمة إجراءات مست مباشرة منظومة الأجور في القطاع العام، عبر رفع الحد الأدنى للأجر الصافي، وإعادة هيكلة بعض السلالم الإدارية، وتحسين الترقيات والتعويضات العائلية.

في القطاع الخاص، تم الدفع نحو زيادات تدريجية في الحد الأدنى للأجور، مع تفاوت بين القطاعات الصناعية والفلاحية، في محاولة لتقليص الفجوة بين الإنتاجية والأجر، رغم استمرار النقاش حول مدى كفاية هذه الزيادات في مواجهة كلفة المعيشة.

كما حملت التعديلات المرتبطة بالتقاعد بُعدًا اجتماعيًا واضحًا، عبر تخفيض عتبة الاستفادة من المعاش، وإقرار تحسينات نسبية في بعض المعاشات، وهي خطوات تم تقديمها كتصحيح لتراكمات سابقة داخل منظومة الحماية الاجتماعية.

2024: انتقال من الوعود إلى “التثبيت المالي” للإصلاح

مع اتفاق 29 أبريل 2024، دخل الحوار الاجتماعي مرحلة أكثر ارتباطًا بالقدرة المالية للدولة. الزيادة العامة في أجور جزء من موظفي القطاع العام، وإعادة تعديل الضريبة على الدخل، شكّلا محور هذا التحول.

غير أن الأهم في هذه المرحلة لم يكن فقط حجم الزيادات، بل إعادة هندسة العلاقة بين الأجر والضريبة، بما يسمح، وفق المنطق الحكومي، بتحسين صافي الدخل دون تعقيد إداري مباشر. هذا التحول يعكس انتقال الحوار الاجتماعي من منطق “الرفع المباشر للأجور” إلى منطق “إعادة توزيع العبء الجبائي”.

في المقابل، توسعت المقاربة القطاعية، خصوصًا في التعليم والصحة، حيث تم إدخال تحسينات على مسارات الأجور والتعويضات، مع إعادة النظر في بعض الأنظمة الأساسية. هذا التوجه يعكس محاولة لتفكيك الاحتقان المهني داخل قطاعات تعتبر الأكثر حساسية اجتماعيًا.

الأرقام كمرآة للسياسة الاجتماعية

الخطاب الحكومي قدّم الأرقام كدليل على “نجاعة الإصلاح”: ملايين المستفيدين، مليارات الدراهم المرصودة، وبرامج دعم مباشر للأسر والفئات الهشة. غير أن هذه الأرقام، رغم دلالتها، تظل جزءًا من سردية أوسع تتعلق بكيفية إعادة توزيع الموارد داخل اقتصاد يواجه تحديات بنيوية.

فبين دعم النقل، ودعم الكهرباء، وبرامج الدعم الاجتماعي المباشر، يبدو أن الدولة انتقلت إلى نموذج تدخل اجتماعي واسع، يهدف إلى امتصاص آثار التضخم وحماية القدرة الشرائية، مع محاولة الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية.

لكن هذا النموذج يطرح في المقابل سؤال الاستدامة: إلى أي حد يمكن للحوار الاجتماعي أن يستمر كآلية لضخ الموارد دون ضغط متزايد على المالية العمومية؟ وأين ينتهي الطابع الظرفي للدعم ويبدأ الإصلاح البنيوي الحقيقي لسوق الشغل والأجور؟

بين الخطاب الرسمي وانتظارات المجتمع

ما بين ما تعلنه الحكومة وما يعيشه المواطن، تتشكل مساحة رمادية عنوانها الأساسي هو الفجوة بين الإحساس بالتحسن والأثر الفعلي في الحياة اليومية. فالحوار الاجتماعي، رغم طابعه المؤسسي المتقدم، لا يزال في نظر فئات واسعة مرتبطًا بسؤال القدرة الشرائية أكثر من كونه إصلاحًا هيكليًا لمنظومة الشغل.

وفي هذا السياق، يظل التحدي الأكبر هو تحويل هذا المسار من تراكم إجراءات مالية إلى تحول اجتماعي مستدام، يُعيد تشكيل العلاقة بين الأجور والإنتاجية، وبين الحماية الاجتماعية والنمو الاقتصادي.

خاتمة مفتوحة على ما بعد الولاية

في ختام هذه الدورة، قدّمت الحكومة حصيلة تعتبرها “إيجابية” في ما يخص الوفاء بالالتزامات. غير أن الاعتراف بوجود ملفات ما تزال مفتوحة يعكس أن الحوار الاجتماعي لم يصل بعد إلى نقطة الاكتمال، بل إلى مرحلة إعادة التموضع.

فبين من يعتبره ورشًا لإعادة بناء التوازن الاجتماعي، ومن يراه مسارًا تفاوضيًا مستمرًا لم يُحسم بعد، يبقى الحوار الاجتماعي في المغرب تجربة تتطور داخل الزمن السياسي، أكثر مما تُغلق داخل ولاية حكومية واحدة.