تتحرك الحكومة المغربية من جديد في ملف دعم قطاع النقل الطرقي، عبر الإعلان عن حصة إضافية من الدعم الموجّه لمهنيي القطاع، مع رفع قيمته بنسبة 25 في المائة، في محاولة لاحتواء تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات. القرار، الذي يأتي امتدادًا لبرامج دعم سابقة، يعكس استمرار مقاربة “التدخل المباشر” لتخفيف الضغط عن فئات النقل، لكنه في المقابل يعيد فتح سؤال أعمق حول حدود هذا النموذج وجدواه على المدى المتوسط.
الوزارة أوضحت أن هذه الحصة الجديدة تُحتسب بناءً على استهلاك الوقود خلال فترة محددة، ما يجعل الدعم مرتبطًا بشكل مباشر بتقلبات السوق، وليس ببنية إصلاحية دائمة. غير أن هذا التوجه، ورغم طابعه التخفيفي، لا يبدو كافيًا لتهدئة التوتر المتصاعد داخل القطاع، حيث تتوالى شكاوى المهنيين من تآكل المداخيل وارتفاع كلفة التشغيل اليومية.
في قلب هذا المشهد، يبرز صوت مهنيي سيارات الأجرة الذين يصفون الوضع بـ”الخانق”. فحسب تصريحات عدد من ممثليهم، لم تعد الزيادة في الدعم قادرة على موازنة الارتفاع المستمر في أسعار الوقود والصيانة، خاصة مع ما يعتبرونه “هامش ربح يتآكل تدريجياً”. بعض التقديرات المهنية تشير إلى أن الكلفة اليومية ارتفعت بشكل ملموس، ما يضع السائقين أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في العمل أو مواجهة عجز فعلي في التغطية اليومية للمصاريف.
هذا التوتر لا يتعلق فقط بالأرقام، بل أيضاً ببنية توزيع الدعم نفسها. فالمهنيون يثيرون إشكال “عدم تكافؤ الفرص” بين أصناف النقل، معتبرين أن الفوارق بين سيارات الأجرة الكبيرة والصغيرة، أو بين النقل الحضري ونقل البضائع، تعيد إنتاج اختلالات داخل القطاع بدل معالجتها. وهو ما يجعل الدعم، في نظرهم، إجراءً جزئياً لا يلامس جذور الأزمة.
من جانب آخر، يذهب ممثلو قطاع نقل البضائع أبعد من ذلك، مطالبين برفع الدعم إلى مستويات أكبر وربطه بإعادة هيكلة سوق المحروقات، بما في ذلك الدعوة إلى تسقيف الأسعار وتحديد هوامش أرباح شركات التوزيع. كما تُطرح من جديد فكرة إعادة تشغيل مصفاة “لاسامير” كمدخل استراتيجي لتقليص التبعية للأسواق الخارجية، وهو مطلب يحمل بعداً اقتصادياً وسيادياً في آن واحد.
اللافت في هذا النقاش أن جوهره لا يقتصر على الدعم فقط، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بطريقة تدبير سوق الطاقة في المغرب. فبين دعم مباشر للمحروقات، وضبط للأسعار، وإصلاح بنيوي محتمل، تتوزع الرؤى دون حسم واضح في نموذج التدخل الأنسب.
عند المقارنة مع تجارب دولية، يظهر أن العديد من الدول الأوروبية لم تعتمد فقط على دعم مباشر للسائقين، بل لجأت إلى حزم متكاملة تشمل تخفيض الضرائب على الوقود مؤقتاً، أو دعم النقل العمومي بشكل مباشر لتخفيف الضغط على النقل الفردي. في فرنسا مثلاً، تم اعتماد “خصومات عند المضخة” لفترات محددة بدل دعم الفئات المهنية بشكل مباشر، بينما اتجهت ألمانيا إلى دعم واسع للنقل العمومي ضمن سياسة تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة. هذه النماذج تعكس انتقالاً من منطق الدعم الظرفي إلى منطق إدارة الطلب على الطاقة بشكل شامل.
في الحالة المغربية، يبدو أن المقاربة الحالية ما تزال تشتغل بمنطق “الإطفاء السريع للأزمات” أكثر من بناء منظومة متماسكة. فالدعم، رغم أهميته الاجتماعية، يظل مرتبطاً بالتقلبات وليس ببنية سوق قادرة على امتصاص الصدمات. وهو ما يجعل المهنيين في حالة انتظار دائم، بين كل حصة دعم وأخرى، دون أفق واضح للاستقرار.
هكذا، يتجاوز ملف دعم النقل الطرقي كونه مجرد إجراء مالي ظرفي، ليصبح مرآة لأسئلة أوسع: كيف يُدار قطاع حيوي يمسّ يومياً حياة المواطنين؟ وأي نموذج طاقي واقتصادي يمكن أن يوازن بين القدرة الشرائية، واستقرار المهنيين، وضغط السوق العالمي؟
في النهاية، يبدو أن الإشكال لم يعد في “حجم الدعم” فقط، بل في طبيعة النموذج نفسه: هل هو سياسة إسعاف مستمر، أم بداية تفكير في إصلاح أعمق يعيد ترتيب علاقة الدولة بسوق الطاقة والنقل؟