في قلب الجدل البرلماني حول “حصيلة الحكومة”، لا تبدو المسألة مجرد اختلاف سياسي عابر بين أغلبية ومعارضة، بل تكشف عن صراع سرديات: سردية رسمية تسعى إلى تثبيت منجزات في إطار ماكرو-اقتصادي، وسردية معارضة تحاول تفكيك هذه الصورة انطلاقاً من سؤال واحد بسيط ومباشر: ماذا تغيّر فعلياً في حياة المواطن؟
من داخل المؤسسة التشريعية، لم يكن تدخل رئيس الفريق الاشتراكي عبد الرحيم شهيد مجرد رد سياسي، بل كان مساءلة للغة نفسها التي تؤطر العلاقة بين الحكومة ومعارضيها. حين تُختزل المعارضة في “مزايدات” و”شعارات” و”سجالات عقيمة”، فإن ذلك يكشف—وفق هذا الطرح—عن ضيق في أفق التدبير الديمقراطي، حيث يتحول النقاش من تقييم السياسات إلى تصنيف الخصوم. هنا، يصبح “المعجم الإقصائي” مؤشراً على خلل أعمق: صعوبة استيعاب التعددية باعتبارها رافعة للتصحيح لا تهديداً للاستقرار.
غير أن جوهر النقد لا يقف عند حدود اللغة، بل يتجاوزها إلى مضمون الحصيلة نفسها. فالمعارضة، بمختلف تلويناتها، تلتقي عند نقطة مركزية: غياب الأثر الملموس للأرقام المعلنة. إدريس السنتيسي، باسم الفريق الحركي، يطرح الإشكال بصيغة عملية: هل انخفضت كلفة المعيشة؟ هل تحسنت القدرة الشرائية؟ هل وُفرت فرص الشغل؟ هذه الأسئلة لا تبحث عن مؤشرات نمو أو نسب استثمار، بل عن انعكاسها المباشر على الحياة اليومية، حيث يشعر المواطن بأن الأرقام لا تُترجم إلى واقع.
في هذا السياق، يتحول الدعم الاجتماعي—الذي تقدمه الحكومة كإنجاز—إلى موضوع جدل بحد ذاته. فبدل أن يُقاس بحجمه المالي، يُقاس بفعاليته وعدالته. الانتقادات المرتبطة بمعايير الاستهداف، خصوصاً ما وُصف بـ”العتبة الإقصائية”، تكشف عن مفارقة بنيوية: سياسات اجتماعية قد تُقصي الأكثر هشاشة بسبب تفاصيل تقنية، ما يعيد طرح سؤال العدالة الاجتماعية ليس كشعار، بل كآلية تنفيذ دقيقة.
أما على مستوى الوعود الكبرى، فتزداد الهوة بين الالتزام والتنفيذ وضوحاً. من خلق مليون منصب شغل إلى إخراج مليون أسرة من الفقر، ومن إصلاح التعليم إلى رفع نسبة نشاط النساء، تبدو هذه الأهداف—وفق المعارضة—وكأنها بقيت في مستوى الإعلان السياسي دون أن تجد طريقها إلى التحقق. هنا، يتحول الزمن الحكومي إلى عنصر حاسم: فاقتراب نهاية الولاية دون نتائج ملموسة يطرح شبهة “تسريع الحصيلة” كفعل تواصلي أكثر منه تقييماً موضوعياً.
في المقابل، لا تنفي بعض مكونات المعارضة وجود جوانب إيجابية، كما أشار رشيد حموني، لكنها تعتبرها محدودة ولا ترقى إلى مستوى التحديات. الأهم في طرحه هو الاستناد إلى ثلاث مرجعيات: البرنامج الحكومي باعتباره تعاقداً سياسياً، تقارير المؤسسات المستقلة كمرآة محايدة، ثم الواقع الاجتماعي باعتباره الحكم النهائي. هذا الأخير، بحسب نفس القراءة، “لا يكذب”: ارتفاع الأسعار، تفاقم البطالة، توسع الاحتجاجات، كلها مؤشرات على فجوة متزايدة بين السياسات العمومية وانتظارات المجتمع.
وتزداد حدة هذا التقييم حين يُطرح سؤال “الملكية السياسية” للإنجازات. فالمعارضة ترفض—منهجياً—نسب أوراش كبرى وإصلاحات هيكلية إلى الحكومة الحالية، معتبرة أنها نتاج مسار تراكمي طويل تقوده الدولة بمختلف مؤسساتها، خاصة في عهد الملك محمد السادس. هذا الطرح يعيد ترتيب المسؤوليات: ما هو استراتيجي يظل خارج الحساب الحزبي، وما هو حكومي يُقاس بقدرته على التدبير والتنزيل.
شوكي يدافع عن تماسك الحكومة… لكن هل تصمد سردية الإنجاز أمام اختبار ثقة المواطنين؟


