في سياق سياسي يتسم بتجاذبات متزايدة حول تقييم الأداء الحكومي، برزت مداخلة محمد شوكي داخل مجلس النواب كخطاب يسعى إلى إعادة تأطير النقاش العمومي خارج ثنائية التمجيد والتبخيس، نحو قراءة تعتبر التجربة الحكومية الحالية امتداداً لمسار استراتيجي أوسع، تتقاطع فيه المرجعية السياسية مع الرؤية الملكية والتحديات البنيوية التي تواجه البلاد. فالرجل لا يدافع فقط عن حصيلة حكومة، بل يؤسس لرواية سياسية متكاملة تُقدّم ما تحقق باعتباره جزءاً من دينامية إصلاحية طويلة النفس، تتجاوز منطق الظرفية وتستند إلى تماسك الأغلبية ووضوح اختياراتها.
هذا الطرح يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل يمكن فعلاً فصل تقييم السياسات العمومية عن آثارها المباشرة على حياة المواطنين؟ إذ بينما يؤكد شوكي أن قوة الحكومة تكمن في وضوح مرجعيتها وقدرتها على الجمع بين الأبعاد السيادية والديمقراطية والتنموية، يظل الرأي العام منشغلاً بمدى انعكاس هذه الاختيارات على القدرة الشرائية، وفرص الشغل، وجودة الخدمات الأساسية. هنا يظهر التوتر الكامن بين الخطاب الاستراتيجي الذي يشتغل على المدى الطويل، وانتظارات اجتماعية ضاغطة تتطلب أجوبة آنية وملموسة.
وفي دفاعه عن الحصيلة، يدعو شوكي إلى تجاوز القراءة التجزيئية التي تختزل الأداء الحكومي في مؤشرات قطاعية أو حسابات حزبية ضيقة، معتبراً أن الإصلاح مسار تراكمي لا يمكن فهمه إلا ضمن رؤية شمولية. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته النظرية، يثير إشكالية عملية تتعلق بمدى قدرة المواطن على استيعاب هذا “التراكم” في ظل واقع يومي تحكمه تحديات معيشية متزايدة. فحين يصبح الخطاب السياسي متمحوراً حول الكليات، قد يفقد جزءاً من صلته بالجزئيات التي تشكل جوهر التجربة اليومية للمواطنين.
من جهة أخرى، يوجه شوكي نقداً ضمنياً للمعارضة، متهماً إياها برفع منسوب النقد دون تقديم بدائل واضحة، وهو اتهام يعكس بدوره أزمة أعمق في بنية النقاش السياسي، حيث يغلب الطابع التفاعلي ورد الفعل على إنتاج تصورات استراتيجية بديلة. لكن هذا النقد لا يعفي الأغلبية من مسؤولية إقناع الرأي العام بجدوى اختياراتها، ليس فقط عبر الخطاب، بل من خلال نتائج قابلة للقياس في مجالات حساسة مثل التشغيل ومحاربة الغلاء وتقليص الفوارق الاجتماعية.
وفي محور آخر، يربط شوكي نجاح التجربة الحكومية بتماسك الأغلبية، معتبراً أن الانسجام الداخلي شكل عاملاً حاسماً في ضمان استمرارية القرار ونجاعة التنفيذ. غير أن هذا التماسك، الذي يُقدَّم كعنصر قوة، قد يُقرأ أيضاً من زاوية أخرى كعامل يحد من حيوية النقاش داخل مكونات الحكومة نفسها، خاصة إذا تحول إلى توافق مفرط يُضعف آليات النقد الذاتي والتصحيح الداخلي.
اقتصادياً، يراهن الخطاب الحكومي، كما يعكسه تدخل شوكي، على مفهوم “السيادة الاقتصادية” كخيط ناظم للسياسات العمومية، من خلال التركيز على الأمن الطاقي والمائي والغذائي، وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة وتحلية المياه. هذا التوجه يعكس وعياً بتحولات السياق الدولي، لكنه يطرح في المقابل تساؤلات حول كلفة هذه الخيارات، ومدى قدرتها على تحقيق توازن بين الاستثمار في المستقبل والاستجابة لحاجيات الحاضر.
أما الإشارة إلى تنظيم كأس العالم 2030 كدليل على الاعتراف الدولي بمتانة النموذج المغربي، فتندرج ضمن توظيف الرمزية الكبرى للأحداث الدولية في تعزيز شرعية السياسات العمومية. غير أن هذا الطرح يظل بدوره رهيناً بمدى قدرة هذه التظاهرات على خلق أثر اقتصادي واجتماعي فعلي ومستدام، يتجاوز البعد الاحتفالي إلى تحقيق تنمية حقيقية في المجالات والبنيات التحتية.
في المحصلة، يكشف خطاب شوكي عن محاولة واضحة لإعادة بناء السردية الحكومية على أساس الاستمرارية والإصلاح المتدرج، وربط الحاضر بالمستقبل ضمن رؤية متماسكة. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في صياغة هذه السردية، بل في قدرتها على الصمود أمام اختبار الواقع، حيث لا تُقاس السياسات بمدى انسجامها النظري، بل بقدرتها على تحسين حياة المواطنين، وتقليص الفجوة بين الوعود والنتائج.
وبين خطاب يراهن على الزمن الطويل، وانتظارات اجتماعية تضغط في الزمن القصير، يظل السؤال مفتوحاً: هل تنجح هذه المقاربة في ترسيخ الثقة، أم أن فجوة الإدراك بين ما يُقال وما يُعاش ستظل العائق الأكبر أمام أي سردية حكومية مهما بلغت درجة تماسكها؟