مع اشتداد الضغط على القدرة الشرائية للمغاربة، وتحول سعر لتر الوقود إلى مؤشر يومي على تآكل الدخل، تبرز مفارقة سياسية-مؤسساتية لافتة: مبادرة مواطنة تهدف إلى تسقيف أسعار المحروقات تجد نفسها معلّقة داخل بوابة رقمية أُنشئت أساساً لتيسير هذا الحق. وبين خطاب دستوري يكرّس توسيع المشاركة، وواقع تقني يعرقل تفعيله، تتسع فجوة الأسئلة حول الثقة، والنجاعة، وحدود الديمقراطية التشاركية في المغرب.
من حيث الظاهر، تبدو القضية تقنية بحتة. لجنة “المبادرة المواطنة لتسقيف أسعار المحروقات” تؤكد أن العريضة الوطنية التي أطلقتها لا تزال متوقفة بسبب عدم تفعيل مرحلة جمع التوقيعات عبر المنصة الرسمية البوابة الوطنية للمشاركة المواطنة. في المقابل، تردّ الجهة الحكومية المشرفة بأن الأمر يتعلق فقط بتحديثات تقنية تهدف إلى تحسين الأداء وضمان الأمان الرقمي، دون أي مساس بالحق الدستوري في تقديم العرائض. غير أن هذا التفسير، رغم وجاهته التقنية، لا يلغي الأثر السياسي والاجتماعي المباشر: تعطيل أداة من أدوات التعبير في لحظة حساسة اقتصادياً.
لكن خلف هذا “العطب المانع”، تتكشف طبقة أعمق من الإشكال. فالعريضة لا تتعلق بملف هامشي، بل بواحد من أكثر الملفات استنزافاً لجيوب المواطنين: أسعار المحروقات، التي ترتبط بشكل مباشر بأسعار النقل، والمواد الغذائية، وسلاسل الإنتاج بأكملها. ومن هنا، فإن أي تأخير في تفعيل آلية الترافع حولها لا يُقرأ فقط كخلل تقني، بل كتعطيل غير مباشر لنقاش عمومي حول العدالة الطاقية والضريبية.
تستند المبادرة إلى مطلبين مركزيين: تسقيف الأسعار، واعتماد “ضريبة متحركة” تخفف من تقلبات السوق الدولية على المستهلك المحلي. وهي فكرة تجد صداها في تجارب دولية اعتمدت آليات ضريبية مرنة لضبط الأسعار في أوقات الأزمات. غير أن نقل هذا النقاش إلى الفضاء المؤسساتي يمر، في الحالة المغربية، عبر قنوات محددة قانوناً، أبرزها العرائض التي ينظمها القانون التنظيمي رقم 44.14، والمستندة إلى روح دستور 2011 المغربي الذي وسّع من آليات المشاركة المواطنة.
هنا تحديداً، يبرز التوتر: هل نحن أمام تعثر تقني عابر في مسار رقمنة المشاركة، أم أمام مؤشر على هشاشة البنية التنفيذية للديمقراطية التشاركية؟ فالمصدر الحكومي يشدد على أن المنصة راكمت “تجارب ناجحة”، من بينها عرائض طلاب كليات الطب والصيدلة، ما يعني أن الأداة في حد ذاتها قابلة للاشتغال. لكن توقيت هذا التعثر، المتزامن مع مبادرة تمس ملفاً اجتماعياً حساساً، يفتح الباب أمام تأويلات تتجاوز البعد التقني.
في العمق، تكشف هذه الواقعة عن معضلة أوسع: الانتقال من “إقرار الحقوق” إلى “ضمان فعاليتها”. فالدساتير يمكن أن تضمن الحق في المشاركة، لكن ترجمته العملية تظل رهينة بجاهزية الأدوات، وحياديتها، وسرعة استجابتها. وعندما تتعطل هذه الأدوات، حتى لأسباب تقنية، فإن الكلفة لا تكون تقنية فقط، بل تمتد إلى رصيد الثقة بين المواطن والمؤسسة.
اللجنة، من جهتها، بدأت التفكير في بدائل، من بينها العودة إلى التوقيع الورقي وتعبئة منسقين ميدانيين. وهو خيار يعيد النقاش إلى نقطة مفصلية: هل الرقمنة، التي كان يفترض أن تختصر الزمن وتوسّع المشاركة، قد تتحول—عند تعثرها—إلى عائق إضافي؟ أم أن هذا التعثر سيُسرّع من تطوير المنصة وتعزيز موثوقيتها مستقبلاً؟
في المحصلة، لا يتعلق الأمر فقط بعريضة متوقفة، بل باختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة التوازن بين الإصلاحات التقنية والرهانات الاجتماعية. فحين يصبح “العطب الإلكتروني” عاملاً مؤثراً في مسار مطلب اجتماعي ملح، فإن السؤال لم يعد تقنياً: كيف نصلح المنصة؟ بل سياسياً بامتياز: كيف نضمن ألا تتحول أدوات المشاركة إلى حلقات ضعيفة في سلسلة الثقة العمومية؟