حكومة رجال الأعمال بين التصدير والأسواق الداخلية: وقف التصدير يُخفض أسعار الخضر ويكشف معركة المصالح في أسواق الجملة

0
145

في سياق اقتصادي يتسم بتقلبات حادة في أسعار المواد الغذائية الأساسية، تعود أسواق الجملة للخضر والفواكه في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي، بعد تسجيل تراجع ملحوظ في أسعار عدد من المنتوجات، خاصة الطماطم والبصل والجزر، عقب موجة ارتفاعات سابقة أثارت جدلاً واسعاً حول أسباب الغلاء وحدود تدخل السياسات العمومية في ضبط السوق.

هذا التحول السريع في منحنى الأسعار داخل أسواق الجملة، وعلى رأسها سوق الدار البيضاء، لم يكن معزولاً عن سياقه العام، بل جاء متزامناً مع نقاش مهني حول وتيرة التصدير نحو الأسواق الخارجية، وما إذا كان لهذا العامل دور مباشر أو غير مباشر في إعادة تشكيل العرض والطلب داخل السوق الوطنية.

وفق معطيات ميدانية صادرة عن مهنيين داخل سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء، فقد تراجع سعر الطماطم من مستويات قاربت 12 درهماً للكيلوغرام إلى حوالي 8 دراهم، فيما استقر سعر البصل في حدود درهمين، والجزر في حدود درهمين ونصف تقريباً. هذا الانخفاض، بحسب نفس المصادر، اعتُبر سريع الإيقاع مقارنة بالأسابيع السابقة التي شهدت ضغطاً واضحاً على القدرة الشرائية.

مدير سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء أوضح أن هذا التراجع يرتبط بجملة من العوامل، من بينها تحسن العرض في السوق نتيجة دخول منتوجات من مناطق إنتاج داخلية مثل دكالة والوليدية، إضافة إلى تقليص وتيرة التصدير نحو بعض الأسواق الخارجية، وهو ما ساهم، بحسب رأيه، في إعادة التوازن النسبي للأسعار.

في المقابل، يقدم فاعلون في قطاع التصدير قراءة مغايرة، معتبرين أن ربط انخفاض الأسعار بعامل التصدير وحده يظل تبسيطاً مخلّاً لطبيعة السوق. فحسب ممثلين عن مهنيي التصدير، فإن الأسعار تتأثر بمنظومة أكثر تعقيداً تشمل كلفة الإنتاج، وسلاسل التوزيع، والوساطة التجارية، فضلاً عن التغيرات الموسمية في العرض والطلب.

هذا التباين في القراءات يكشف عمق الإشكال البنيوي الذي يواجه السياسة الفلاحية المغربية، حيث يتقاطع البعد الاقتصادي مع الاجتماعي والغذائي والبيئي، في ظل تصاعد النقاش حول أولويات توجيه الإنتاج الفلاحي بين السوق الداخلية والأسواق الخارجية.

وفي خلفية هذا الجدل، يبرز النقاش المرتبط بالأمنين الغذائي والمائي، باعتبارهما عنصرين مركزيين في تقييم استدامة النموذج الفلاحي. ويطرح هذا البعد إشكالية تخصيص الموارد، خاصة المياه الجوفية، التي تشكل ركيزة أساسية للإنتاج الفلاحي في عدد من المناطق، في سياق مناخي يتسم بندرة متزايدة في الموارد المائية وتقلبات مناخية متكررة.

ضمن هذا الإطار، يُعاد طرح سؤال التوازن الاستراتيجي بين التصدير والاستهلاك الداخلي، باعتباره محوراً مركزياً في النقاش العمومي والسياساتي. فبين من يعتبر أن التصدير يمثل رافعة اقتصادية أساسية لجلب العملة الصعبة ودعم الميزان التجاري، ومن يرى أن الأولوية يجب أن تُمنح لضمان وفرة واستقرار السوق الداخلية، تتبلور إشكالية أعمق تتعلق بنموذج تدبير القطاع الفلاحي نفسه.

ويُبرز النقاش العمومي الراهن إشكالية بنيوية في نموذج السياسات الفلاحية، تتعلق بالتوازن بين الانفتاح على السوق الدولية وضمان الاستقرار الداخلي. ويعكس هذا التوتر اختلافاً في ترتيب الأولويات الاقتصادية، حيث يتمحور الطرح النقدي حول مفهوم الأمن الغذائي باعتباره محدداً مركزياً في السياسات العمومية، إلى جانب الأمن المائي باعتباره شرطاً استراتيجياً لاستدامة الإنتاج الفلاحي. ضمن هذا الإطار، تُطرح مسألة تخصيص الموارد الإنتاجية كسؤال إشكالي حول قدرة النموذج الحالي على تحقيق توازن مستدام بين متطلبات التصدير وضمان استقرار الأسعار والوفرة في السوق الوطنية.

وهكذا، لا يبدو تراجع أسعار الخضر مجرد حركة ظرفية داخل أسواق الجملة، بل مؤشراً على اختلالات أعمق في بنية المنظومة الفلاحية، وعلى سؤال استراتيجي مفتوح: كيف يمكن بناء نموذج يوازن بين الانخراط في السوق العالمية وحماية الأمن الغذائي والمائي الداخلي، دون الإخلال بقدرة المواطن على الوصول إلى غذائه بأسعار مستقرة وعادلة؟