شهادة المرأة: حين تصطدم قراءات الفقه بتحولات المجتمع وثوابت أمير المؤمنين التي لا تُحرّم ما أحلّه الله ولا تُحلِّل ما حرّمه

0
132

في سياق يتقاطع فيه النقاش الفقهي مع التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي، تبرز أهمية استحضار المرجعية العليا للدولة، حيث يؤكد الخطاب الملكي في جوهره أن “لا تحريم لما أحلّه الله ولا تحليل لما حرّمه”، بما يعكس توازناً دقيقاً بين الثوابت الدينية ومقاصد الاجتهاد المنفتح على الواقع. ومن هذا المنطلق، يصبح النقاش حول شهادة المرأة، كما طرحته الكاتبة شامة اليعقوبي، أكثر من مجرد سجال فقهي تقليدي، بل سؤالاً يعيد فتح العلاقة بين النص والتأويل والواقع المتغير.

في هذا الإطار، لا يبدو طرح شامة اليعقوبي مجرد إعادة إنتاج لجدل قديم، بل محاولة لإعادة تفكيك أحد أكثر المفاهيم حساسية في منظومة الإثبات والعدالة. فالإشكال، كما تقدمه، لا يتعلق فقط بالنصوص في حد ذاتها، بل بالكيفية التي تم بها تثبيت قراءات تاريخية داخل واقع اجتماعي تغيرت بنيته جذرياً، خاصة مع حضور المرأة اليوم في مختلف مجالات القرار والمعرفة والإنتاج.

منذ البداية، تحرص اليعقوبي على تأطير أطروحتها داخل سياقها التاريخي، معتبرة أن ما يُنظر إليه اليوم كـ”حكم ثابت” كان في الأصل استجابة لواقع اجتماعي محدد، تشكلت فيه الأدوار وفق تقسيم صارم بين المجالين العام والخاص. وبذلك، فإن مقاربتها لا تسعى إلى نفي التراث، بل إلى تفكيك شروط إنتاجه، وهو ما يشكل نقطة مفصلية في خطابها.

ويكشف تحليل هذا الخطاب أنها لا تهاجم القاعدة الفقهية بقدر ما تنتقد “تجميدها” خارج سياقها. فهي تلمّح إلى أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في النص، بل في القراءة التي تحول التاريخي إلى مطلق. ومن هنا، توجه رسالتها في اتجاهين متوازيين: إلى المجتمع الذي يتبنى هذه الأحكام دون مساءلة، وإلى الفاعل الديني والمؤسساتي الذي ما يزال متحفظاً في فتح باب الاجتهاد. فالمنطق الذي تؤسس له يقوم على فكرة مركزية مفادها: إذا تغير الواقع، فإن أدوات فهمه يجب أن تتغير بالضرورة.

على مستوى أعمق، يتجاوز خطاب اليعقوبي حدود النقاش الفقهي ليصبح نقداً ضمنياً لاختلال العلاقة بين القانون والمجتمع. فهي تبرز مفارقة واضحة: امرأة تُسند إليها يومياً مهام معقدة في القضاء والطب والهندسة، لكنها قد تواجه تحفظاً عند الشهادة في بعض السياقات. وهذه المفارقة، في نظرها، ليست تفصيلاً هامشياً، بل مؤشراً على فجوة بنيوية بين التحولات الاجتماعية والإطار القانوني المؤطر لها.

كما تحمل رسالتها للمرأة المغربية بعداً تحفيزياً غير مباشر، إذ تعيد الاعتبار لمكانتها الفعلية داخل المجتمع، بعيداً عن الاختزال الذي تفرضه بعض التصورات التقليدية. لكنها في الوقت نفسه لا تحمّل المرأة مسؤولية هذا الاختلال، بل توجه النظر نحو البنية الفكرية والقانونية التي لم تواكب بعد هذا التحول. وهنا يتقاطع خطابها مع رهانات أوسع تتعلق بتمكين المرأة كرافعة للتنمية، لا كقضية معزولة عن السياق العام.

أما على مستوى المسؤولية المؤسساتية، فإن اليعقوبي تضع الفاعل الديني والقانوني أمام سؤال دقيق: هل يظل حارساً لقراءات تاريخية، أم فاعلاً في تجديد فهمها بما ينسجم مع مقاصد العدالة؟ وهو سؤال لا يُطرح بشكل مباشر، لكنه حاضر بقوة في خلفية خطابها، خاصة حين تؤكد أن الشهادة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق العدالة. وهنا يتحول النقاش من سؤال “من يشهد؟” إلى سؤال “كيف نحقق العدل؟”.

وعند ربط هذه الأطروحة بالسياقات الكبرى، يتضح أن المسألة لا تقتصر على بعدها الفقهي، بل تمس صميم مشروع التنمية. فكل إقصاء، حتى وإن كان جزئياً أو رمزياً، لفئة فاعلة من المجتمع، ينعكس على دينامية الإنتاج وعلى الثقة في المؤسسات. كما أن استمرار هذا التوتر بين خطاب حداثي يتبنى المساواة، وخطاب تقليدي يتمسك بتأويلات موروثة، يفتح الباب أمام تحديات ثقافية وسياسية متداخلة.

ومن هنا، تطرح قراءة شامة اليعقوبي مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي يصعب تجاوزها:
هل نحن أمام نصوص تحتاج إلى إعادة فهم، أم أمام واقع يفرض تأويلاً جديداً لها؟
إلى أي حد تستطيع المؤسسات الدينية والقانونية مواكبة التحولات دون الدخول في صدام مع المرجعيات؟
وهل يمكن الحديث عن عدالة مكتملة في ظل منظومة إثبات لا تعكس بدقة مكانة الفاعلين داخل المجتمع؟
ثم، من يملك الجرأة لفتح هذا النقاش خارج منطق الاستقطاب الإيديولوجي؟

في المحصلة، لا تقدم شامة اليعقوبي خطاباً صدامياً، بل دعوة هادئة في ظاهرها، عميقة في جوهرها، لإعادة التفكير في المسلمات دون هدمها، بل لإعادة وصلها بروحها الأصلية القائمة على العدل. وهي دعوة، إذا ما أُخذت بجدية، يمكن أن تشكل مدخلاً لنقاش أوسع حول التوفيق بين أصالة المرجعية وضرورات التحول.