“البوليساريو” على عتبة التحول التاريخي: من خطاب الاستقلال المطلق إلى اعتراف ضمني بواقعية الحكم الذاتي المغربي وانكسار خيار “الاستفتاء الحصري” في مواقف دبلوماسية غير مسبوقة

0
98

في سياق إقليمي ودولي يتسم بتسارع التحولات وإعادة ترتيب أولويات الفاعلين الكبار، يعود ملف الصحراء إلى واجهة الاهتمام السياسي والدبلوماسي، ليس فقط باعتباره نزاعًا ممتدًا، بل بوصفه ملفًا يعكس تحولات عميقة في ميزان الواقعية السياسية داخل المنطقة المغاربية والساحل.

فقد أوردت صحيفة “إلكونفيدنثيال” الإسبانية في تقرير صادر بتاريخ 25 أبريل 2026 مؤشرات وصفتها بـ”الملفتة” داخل جبهة “البوليساريو”، تشير إلى بداية نقاش داخلي أكثر مرونة تجاه الصيغ الممكنة لتسوية النزاع، بعيدًا عن التمسك الحصري بخيار الاستقلال الذي ظل لسنوات طويلة يمثل العنوان المركزي لخطاب الجبهة.

وبحسب التقرير ذاته، فإن هذا التحول لا يمكن فصله عن دينامية دبلوماسية متواصلة شهدتها السنوات الأخيرة، من خلال لقاءات واتصالات متعددة الأطراف، شارك فيها ممثلون عن المغرب، وجبهة البوليساريو، والجزائر، وموريتانيا، في فضاءات دبلوماسية احتضنتها عواصم مثل واشنطن ومدريد، في سياق دولي بات أكثر ميلاً إلى دعم المقاربة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها إطارًا عمليًا للحل.

وفي هذا الإطار، نقلت الصحيفة عن محمد يسلم بيسط، المسؤول عن الدبلوماسية لدى جبهة البوليساريو، والذي يشغل منصب ما يُسمى لدى الجبهة بـ”وزير خارجية الجمهورية الصحراوية”، قوله إن “الاستقلال لم يعد الخيار الوحيد المطروح”، مضيفًا أن النقاش السياسي لا يمكن أن يُختزل في ثنائية مغلقة بين الاستقلال أو الاندماج، بل يجب أن يفتح المجال أمام صيغ أخرى قابلة للنقاش، من بينها الحكم الذاتي إذا طُرح ضمن مسار سياسي توافقي يراعي إرادة السكان.

هذا التصريح، وفق قراءة الصحيفة الإسبانية، يعكس تحولًا تدريجيًا في بنية الخطاب السياسي للجبهة، التي ظلت لعقود متمسكة بخيار الاستفتاء كآلية وحيدة لتقرير المصير، قبل أن تبدأ مؤخرًا في إعادة صياغة مواقفها تحت ضغط التحولات الإقليمية وتغير موازين الدعم الدولي.

غير أن هذا التوجه لا يبدو متجانسًا داخل البنية الداخلية للجبهة، حيث تشير معطيات ميدانية إلى وجود تباينات بين تيار يميل إلى البراغماتية السياسية وإعادة قراءة الواقع الدولي، وتيار آخر أكثر تشددًا لا يزال يتمسك بخيار المواجهة، انطلاقًا من قناعة بأن المسار الأممي لم يُفضِ إلى نتائج ملموسة منذ اتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991، الذي كان يفترض أن يقود إلى استفتاء لم يتحقق.

وفي المقابل، تعكس الشهادات القادمة من مخيمات تندوف صورة اجتماعية معقدة، حيث يعيش السكان حالة امتداد طويل لوضع اللجوء، ما أنتج شعورًا متزايدًا بالانتظار والإحباط لدى فئات واسعة، خاصة الأجيال التي وُلدت داخل المخيمات دون أفق سياسي واضح. هذا البعد الإنساني يضيف طبقة جديدة لفهم تعقيدات الملف، بعيدًا عن منطق الخطاب السياسي المجرد.

كما يشير التقرير إلى أن التوازن الميداني يميل بشكل متزايد نحو تعزيز موقع المغرب، خاصة في ظل تطوير قدراته الدفاعية والتكنولوجية خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك توظيف أنظمة حديثة للمراقبة والدفاع، وهو ما يحد من هامش الخيارات العسكرية ويعزز منطق الحل السياسي القائم على الأمر الواقع الدولي.

في هذا السياق، يبرز أيضًا عنصر مهم يتمثل في ارتباط جزء كبير من الساكنة داخل الأقاليم الجنوبية للمغرب بالاستقرار المؤسسي للدولة، حيث اختار العديد من المواطنين الصحراويين البقاء داخل مدنهم وقراهم، في إطار ولاء تاريخي واستمرارية اجتماعية ضمن الدولة المغربية، وهو ما يعكس دينامية داخلية مغايرة تمامًا لصورة الانقسام المطلق التي يتم الترويج لها في بعض الخطابات السياسية.

دبلوماسيًا، يتزامن هذا الحراك مع عودة الملف إلى واجهة النقاش داخل مجلس الأمن الدولي، ضمن جلسات مغلقة خُصصت لتقييم عمل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو”، حيث استمع الأعضاء إلى إحاطات قدمها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا، إلى جانب مسؤولي البعثة، في إطار متابعة المسار السياسي وتقييم فرص الدفع نحو تسوية واقعية ومستدامة.

وبين تحولات الخطاب داخل جبهة البوليساريو، وتغير موازين الدعم الدولي، وتنامي منطق الواقعية السياسية، يبدو أن الملف يدخل مرحلة إعادة تشكيل هادئة، تنتقل فيه النقاشات من شعارات التأسيس إلى حسابات الحلول الممكنة، في ظل بيئة دولية لم تعد تمنح هامشًا واسعًا للأطروحات التقليدية، بل تميل أكثر نحو التسويات العملية القابلة للتنفيذ.