فقط في المغرب: حين تُغلق أبواب معرض الكتاب في وجه المؤرخ وتُفتح لنقاشات العبث… الثقافة بين هيبة الفضاء وحدود المسموح بالقول

0
107

في مساءٍ رباطيٍّ يُفترض أن يكون احتفاءً بالكتاب والمعنى، تحوّل المعرض الدولي للنشر والكتاب إلى مسرحٍ لمفارقةٍ قاسية: فضاءٌ يُفترض فيه أن تتعايش الأفكار، فإذا به يُنتج لحظة صدام بين المعرفة والسلطة، بين المثقف وبوابة العبور. لم يكن الحدث مجرد واقعة منع، بل كان – في عمقه – تعبيراً مكثفاً عن سؤال أوسع: ماذا يحدث حين تضيق المساحة الرمزية للنقاش داخل فضاءٍ صُمّم أصلاً ليكون مفتوحاً؟

القصة بدأت حين حاول المؤرخ والحقوقي المعطي منجب دخول المعرض. مشهدٌ وثّقته مقاطع فيديو وانتشر بسرعة، أظهر رجلاً يطالب بحقه في الولوج، قبل أن تتطور اللحظة – بحسب روايته – إلى احتجاز داخل فضاء المعرض نفسه.




تفاصيل الرواية التي قدّمها منجب تحمل عناصر صادمة: تطويق من طرف عناصر بلباس مدني، اقتياد إلى غرفة صغيرة، ضغط جسدي وعبارات مهينة، ثم منع نهائي من الدخول بعد تمزيق التذكرة. سواء تم تأكيد هذه المعطيات رسمياً أم لا، فإن وقعها الرمزي كان كافياً لإشعال نقاشٍ يتجاوز الواقعة نحو ما تمثّله.

لكن ما يمنح الحادثة عمقها ليس فقط ما جرى، بل سياق ما كان سيجري. يؤكد منجب أنه كان ينوي حضور ندوة للكاتب الطاهر بنجلون، بل والتدخل فيها بشكل سلمي للرد على اتهامات وردت في مقال سابق. هنا يتداخل الشخصي بالفكري، ويتحوّل المعرض من فضاء عرض إلى ساحة سجال غير مكتمل. فهل كان المنع إجراءً أمنياً عادياً؟ أم أنه يعكس حساسية متزايدة تجاه النقاشات التي تخرج عن السرديات المريحة؟

الأكثر إثارة أن الواقعة جاءت في لحظةٍ يُعاد فيها تشكيل معنى “الحدث الثقافي” نفسه. في نفس الفضاء، تُنظَّم ندوات حول مفاهيم عابرة أو “ترندات” رقمية ساخرة، تحوّلت من مجرد نكات إلى مواضيع نقاش، بينما يُمنع مؤرخ من الدخول. هذه المفارقة – التي التقطها رواد مواقع التواصل بسخرية لاذعة – تكشف انزياحاً في ترتيب الأولويات: من المعرفة الثقيلة إلى الخفّة الرائجة، من النقاش العميق إلى الاستهلاك الثقافي السريع.

وراء هذا التحول، تبرز أسئلة أعمق ترتبط بطبيعة الحقل الثقافي في المغرب اليوم. فالمعرض، بوصفه واجهة رسمية للثقافة، لا يعكس فقط ما يُعرض فيه من كتب، بل أيضاً ما يُسمح بحدوثه داخله. وحين يتم تقييد حضور شخصية مثيرة للجدل مثل منجب، فإن الرسالة لا تُقرأ فقط في بعدها الأمني، بل في بعدها الرمزي: حدود المسموح في النقاش العمومي، وسقف الاختلاف داخل فضاءات يفترض أنها محايدة.

قضية منجب ليست معزولة عن مساره. فهو اسم ارتبط منذ سنوات بملفات قضائية وتوترات مع السلطة، رغم استفادته من عفو ملكي سنة 2024. هذا التراكم يجعل من أي حادثة جديدة امتداداً لسردية أطول، حيث يتداخل القانوني بالسياسي، والشخصي بالمؤسساتي. وبالتالي، فإن ما وقع في المعرض لا يُقرأ فقط كحادث عرضي، بل كحلقة ضمن علاقة معقدة بين المثقف والسلطة في المغرب.

في المقابل، لا يمكن إغفال زاوية أخرى: صمت الرواية الرسمية أو غياب توضيح فوري يترك المجال مفتوحاً أمام التأويل. في زمن السرعة الرقمية، يتحول الفراغ المعلوماتي إلى مساحة خصبة للسرديات البديلة، وغالباً ما تُبنى الأحكام على ما يُتداول لا على ما يُؤكَّد. وهنا يظهر تحدٍ حقيقي: كيف يمكن للمؤسسات أن تدير مثل هذه الأزمات دون أن تتحول إلى أزمات ثقة؟

في النهاية، ما جرى في معرض الرباط يتجاوز شخص المعطي منجب أو ندوة الطاهر بنجلون. إنه يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل لا تزال الفضاءات الثقافية قادرة على احتضان الاختلاف، أم أنها أصبحت تعكس – بشكل أو بآخر – توترات المجتمع وحدوده؟ بين بابٍ يُغلق أمام مؤرخ، وقاعةٍ تُفتح لنقاشات خفيفة، تتشكل صورة مركبة لمشهد ثقافي يعيش على إيقاع مفارقة حادة: وفرة في الشكل، وقلق في الجوهر.