بعد مصافحة واشنطن وطهران.. هل تستيقظ إسرائيل على شرق أوسط لا يشبه خرائط الأمس؟

0
47
مقال تحليلي يستشرف مستقبل المشروع الإسرائيلي في الشرق الأوسط بعد التفاهم الأمريكي الإيراني في يونيو 2026، ويبحث تأثيره على الأمن الإقليمي والقضية الفلسطينية والعلاقات العربية الإسرائيلية والتوازنات الجيوسياسية الجديدة في المنطقة.
علم دولة إسرائيل - مصدر الصورة: رويترز

في الشرق الأوسط، لا توجد اتفاقات تخص طرفين فقط. كل تفاهم كبير يترك ظلاله على عواصم أخرى، وكل مصافحة تُقرأ أيضاً من زاوية الذين لم يكونوا على الطاولة. ولهذا لم يكن مفاجئاً أن يتجه جزء كبير من النقاش السياسي والاستراتيجي عقب الإعلان عن التفاهم الأمريكي الإيراني في يونيو 2026 الجاري إلى سؤال واحد: ماذا يعني هذا التطور بالنسبة لإسرائيل؟

فمنذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، شكلت العلاقة بين واشنطن وطهران أحد أهم محددات البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها إسرائيل. وخلال العقود الماضية، كانت تل أبيب تنظر إلى الضغوط الأمريكية على إيران باعتبارها ركناً أساسياً في معادلة الردع الإقليمي. لذلك فإن أي تحول في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران لا يُقرأ في إسرائيل باعتباره حدثاً دبلوماسياً عادياً، بل باعتباره تطوراً قد يؤثر في مجمل التوازنات التي تشكلت في المنطقة خلال العقود الأخيرة.

لكن قراءة مستقبل المشروع الإسرائيلي بعد هذا التفاهم تحتاج إلى قدر من الحذر. فالشرق الأوسط لا يتغير بقرار واحد، كما أن التفاهم الأمريكي الإيراني لا يعني بالضرورة تحولاً استراتيجياً كاملاً في العلاقات بين البلدين. ومع ذلك، فإن الاتفاق يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تفرض على إسرائيل إعادة تقييم حساباتها في أكثر من ملف.

من سياسة الاحتواء إلى إدارة التوازنات

تشير تقارير صادرة عن مراكز أبحاث أمريكية وأوروبية بارزة إلى أن واشنطن دخلت خلال السنوات الأخيرة مرحلة مختلفة في مقاربتها للشرق الأوسط. فالأولوية الاستراتيجية الأمريكية انتقلت تدريجياً نحو التنافس مع الصين وإدارة التحديات المرتبطة بالنظام الدولي الجديد، وهو ما دفع صناع القرار الأمريكيين إلى البحث عن وسائل لتقليل احتمالات الانفجار العسكري في الخليج والمنطقة.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التفاهم مع إيران باعتباره جزءاً من محاولة أوسع لإدارة التوترات الإقليمية وليس بالضرورة إعادة صياغة التحالفات التقليدية.

لكن هذا التوجه يثير أسئلة داخل إسرائيل. فبعض المحللين الإسرائيليين يرون أن أي تهدئة طويلة الأمد بين واشنطن وطهران قد تقلل من مستوى الضغوط المفروضة على إيران وتمنحها مساحة أكبر لإعادة ترتيب أوضاعها الاقتصادية والإقليمية. بينما يرى آخرون أن الاتفاق قد يفرض على إيران قيوداً تجعل البيئة الأمنية أكثر استقراراً وأقل خطورة.

المشروع الإسرائيلي بين الأمن والجغرافيا السياسية

عندما يتحدث الباحثون عن “المشروع الإسرائيلي” فإن المقصود ليس مفهوماً واحداً. فهناك البعد الأمني المرتبط بضمان التفوق العسكري ومنع ظهور تهديدات استراتيجية مباشرة. وهناك البعد السياسي المتعلق بمكانة إسرائيل في الإقليم وعلاقاتها مع الدول العربية. وهناك أيضاً البعد الاقتصادي المرتبط باندماج إسرائيل في شبكات التجارة والطاقة والتكنولوجيا الإقليمية.

خلال السنوات الماضية، استفادت إسرائيل من عدة تحولات مهمة، من بينها توسع العلاقات مع عدد من الدول العربية، وتراجع مركزية بعض الصراعات التقليدية، وانشغال قوى إقليمية عديدة بأزماتها الداخلية.

لكن التفاهم الأمريكي الإيراني يطرح تحدياً مختلفاً. فهو لا يتعلق فقط بمستقبل إيران، بل بمستقبل النظام الإقليمي نفسه. فإذا نجحت واشنطن وطهران في بناء تفاهمات أكثر استقراراً، فإن إسرائيل ستجد نفسها أمام بيئة سياسية مختلفة عن تلك التي اعتادت العمل ضمنها خلال السنوات الماضية.

القضية الفلسطينية تعود إلى قلب المشهد

من أبرز الملاحظات التي تتكرر في كتابات عدد من الباحثين الأمريكيين والأوروبيين أن الحرب في غزة وما تبعها من تداعيات أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي.

فبعد سنوات من التركيز على ملفات أخرى، عادت أسئلة التسوية السياسية والحقوق الفلسطينية ومستقبل الأراضي المحتلة إلى واجهة النقاشات الدبلوماسية في العواصم الغربية والعربية.

ومن هنا يرى عدد من المحللين أن مستقبل المشروع الإسرائيلي لن يتحدد فقط من خلال العلاقة مع إيران، بل أيضاً من خلال كيفية التعامل مع القضية الفلسطينية.

فاستمرار الصراع دون أفق سياسي واضح يفرض تكاليف سياسية ودبلوماسية متزايدة على إسرائيل، ويحد من قدرتها على تحقيق اندماج إقليمي كامل حتى في ظل التحولات الجيوسياسية الجارية.

ماذا تقول مراكز الدراسات الإسرائيلية؟

في إسرائيل نفسها، لا يوجد إجماع كامل حول تداعيات التفاهم الأمريكي الإيراني.

فبعض المراكز البحثية ترى أن الاتفاق قد يكون فرصة لتقليل احتمالات الحرب الإقليمية الواسعة، وهو سيناريو كانت له انعكاسات خطيرة على الأمن الإسرائيلي والاقتصاد العالمي معاً.

في المقابل، تحذر تيارات أخرى من أن أي تخفيف للضغوط على إيران قد يسمح لها بإعادة بناء قدراتها الاقتصادية وتطوير أدوات نفوذها الإقليمي بصورة أكثر فاعلية.

لكن القاسم المشترك بين معظم هذه التقديرات هو الإقرار بأن إسرائيل مطالبة بالتكيف مع واقع جديد، وأن الاعتماد الكامل على الضغوط الأمريكية التقليدية ضد إيران قد لا يكون كافياً في المرحلة المقبلة.

الخليج والشرق الأوسط الجديد

جانب آخر من الصورة يتعلق بالعلاقة بين إسرائيل والدول العربية الرئيسية.

فخلال السنوات الأخيرة، ظهرت تصورات عديدة حول إمكان بناء إطار إقليمي جديد يقوم على التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والأمني. لكن نجاح هذه التصورات ظل مرتبطاً بمدى استقرار البيئة الإقليمية وقدرة الأطراف المختلفة على إدارة خلافاتها.

وفي هذا السياق، يمكن أن يخلق التفاهم الأمريكي الإيراني فرصاً وتحديات في آن واحد.

فالاستقرار النسبي في الخليج قد يعزز فرص التعاون الاقتصادي الإقليمي، لكنه قد يدفع أيضاً بعض الدول إلى التركيز بصورة أكبر على معالجة الملفات السياسية العالقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وهذا يعني أن إسرائيل قد تجد نفسها أمام معادلة جديدة: الاستفادة من بيئة أقل توتراً من جهة، ومواجهة ضغوط أكبر بشأن التسوية السياسية من جهة أخرى.

العامل الدولي

لا يمكن تجاهل تأثير التنافس الدولي على مستقبل المشروع الإسرائيلي.

فالولايات المتحدة ما زالت الشريك الاستراتيجي الأول لإسرائيل، لكن صعود الصين وعودة روسيا إلى بعض ملفات المنطقة وازدياد أهمية القوى الآسيوية يخلق بيئة أكثر تعقيداً من السابق.

وتشير تحليلات عدد من مراكز الدراسات الغربية إلى أن الشرق الأوسط يتجه تدريجياً نحو نظام أكثر تعددية من حيث مراكز النفوذ والتأثير، وهو ما يعني أن إسرائيل ستحتاج إلى تطوير أدوات جديدة للحفاظ على مكانتها الإقليمية والدولية.

هل يتغير المشروع الإسرائيلي؟

الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن المشروع الإسرائيلي لن يتغير جذرياً بسبب التفاهم الأمريكي الإيراني وحده، لكنه سيدخل مرحلة مراجعة وإعادة تموضع.

فالتحديات التي تواجه إسرائيل اليوم تختلف عن تلك التي واجهتها قبل عقد أو عقدين. فهناك تغيرات في أولويات الولايات المتحدة، وتحولات في مواقف الرأي العام الدولي، وعودة القضية الفلسطينية إلى دائرة الاهتمام، إضافة إلى احتمال ظهور ترتيبات إقليمية جديدة إذا نجحت مسارات التهدئة الحالية.

ولهذا فإن السؤال المطروح أمام صناع القرار الإسرائيليين لا يتعلق فقط بكيفية التعامل مع إيران، بل بكيفية التعامل مع شرق أوسط يتغير بوتيرة متسارعة.

بين القلق والفرصة

في النهاية، لا يبدو أن التفاهم الأمريكي الإيراني أنهى المخاوف الإسرائيلية أو حسم مستقبل المنطقة. لكنه أطلق نقاشاً جديداً حول شكل الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.

قد تنظر إسرائيل إلى الاتفاق بوصفه مصدر قلق لأنه يمنح خصمها الرئيسي فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأولويات. وقد تنظر إليه أيضاً بوصفه فرصة لتجنب حرب إقليمية واسعة كانت ستفرض أثماناً باهظة على الجميع.

لكن المؤكد أن الشرق الأوسط الذي يتشكل بعد يونيو 2026 لن يكون نسخة مطابقة للشرق الأوسط الذي سبقه. وفي هذا المشهد الجديد، ستبقى قدرة إسرائيل على التكيف مع التحولات السياسية والأمنية والإقليمية عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل مشروعها ودورها في المنطقة خلال السنوات المقبلة.