80 مليار سنتيم شهرياً من جيوب المغاربة؟ بين أرقام يونس أفطيط وأسئلة سوق المحروقات التي لم تُحسم بعد

0
92

عاد ملف المحروقات إلى واجهة النقاش العمومي بقوة بعد الفيديو الذي نشره الصحافي يونس أفطيط، والذي قدّم فيه قراءة رقمية مفادها أن شركات توزيع المحروقات تحقق أرباحاً شهرية ضخمة من مادة الغازوال وحدها، معتبراً أن جزءاً مهماً من هذه الأرباح لا يستند إلى كلفة حقيقية، بل إلى هوامش ربح مبالغ فيها يدفع ثمنها المواطن المغربي بشكل يومي.

ما يجعل هذا النقاش يتجاوز مجرد جدل حول الأرقام هو أن المحروقات ليست سلعة عادية داخل الاقتصاد المغربي. فكل ارتفاع في سعر الغازوال لا يتوقف عند مضخة الوقود، بل ينتقل مباشرة إلى تكلفة نقل البضائع والخضر والفواكه والمواد الغذائية، ثم إلى أثمنة المنتجات والخدمات، قبل أن يستقر في النهاية داخل جيب المواطن الذي يجد نفسه يؤدي فاتورة متتالية لا تقتصر على التنقل فقط، بل تشمل مختلف تفاصيل حياته اليومية.

في الفيديو، اعتمد أفطيط على معادلة بسيطة: احتساب سعر الغازوال المكرر في الأسواق الدولية، ثم إضافة تكاليف النقل والضرائب والرسوم المختلفة، ليخلص إلى أن السعر النهائي الذي يصل به الوقود إلى محطات التوزيع يبقى أقل بكثير من السعر الذي يباع به للمستهلك. ومن هنا بنى استنتاجه القائل إن شركات المحروقات تحقق أرباحاً استثنائية قد تصل إلى عشرات المليارات من السنتيمات شهرياً.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كانت تلك الأرقام دقيقة حرفياً أم لا، بل لماذا يستمر الجدل نفسه منذ سنوات دون أن يحصل الرأي العام على أجوبة نهائية وشفافة ومقنعة؟

فمنذ تحرير أسعار المحروقات سنة 2015، انقسم النقاش المغربي إلى معسكرين متقابلين. الأول يرى أن المنافسة الحرة كان يفترض أن تؤدي إلى انخفاض الأسعار وتحسين الخدمة، بينما يعتبر الثاني أن السوق أصبحت متركزة في يد عدد محدود من الفاعلين الكبار، الأمر الذي يجعل المنافسة الحقيقية محل تساؤل دائم.

وخلال السنوات الماضية، تحول ملف المحروقات إلى أحد أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للجدل في المغرب، ليس فقط بسبب الأرباح المحتملة للشركات، بل لأن المواطنين أصبحوا يقارنون بشكل يومي بين ما يسمعونه عن انخفاض أسعار النفط عالمياً وما يلاحظونه فعلياً في محطات الوقود. ففي المخيال الشعبي ترسخت فكرة مفادها أن الأسعار ترتفع بسرعة عندما ترتفع الأسواق الدولية، لكنها تتباطأ كثيراً عندما تنخفض. وهي ملاحظة تتكرر باستمرار في النقاشات العامة وعلى منصات التواصل الاجتماعي.

في المقابل، تؤكد المعطيات الصادرة حديثاً عن مجلس المنافسة أن أسعار الغازوال والبنزين بالمغرب خلال الفترة الممتدة بين مارس ومنتصف ماي 2026 واكبت في المجمل تطورات الأسواق الدولية، مع وجود فروقات محدودة بين الأسعار المرجعية العالمية وأسعار البيع داخل محطات الوقود. وخلص المجلس إلى أن الجزء الأكبر من تغيرات الأسعار العالمية انعكس بالفعل على السوق الوطنية.

غير أن هذه الخلاصات الرسمية لم تنهِ الجدل، بل فتحت نقاشاً جديداً حول طبيعة المؤشرات المعتمدة في القياس. فحتى لو كانت الأسعار تتبع الاتجاه العام للأسواق الدولية، فإن السؤال الذي يطرحه المواطن يبقى مختلفاً: ما حجم الربح الحقيقي الذي تحققه الشركات بعد احتساب كل التكاليف؟ وهل توجد شفافية كافية تسمح للرأي العام بمعرفة البنية الحقيقية للسعر الذي يؤديه عند المضخة؟

هنا تنتقل القضية من الاقتصاد إلى الحكامة. فالمشكل بالنسبة إلى كثير من المغاربة ليس فقط في سعر اللتر الواحد، بل في غياب الوضوح الكامل حول كيفية تشكل هذا السعر. فكلما ارتفعت الأسعار عاد النقاش حول الأرباح، وحول الضرائب، وحول دور المؤسسات الرقابية، وحول مدى فعالية المنافسة داخل السوق. وعندما تغيب المعطيات المفصلة والمفهومة للعموم، تصبح الشكوك بديلاً عن الثقة.

اقتصادياً، لا يتعلق الأمر بقطاع معزول. فالغازوال يشكل عصب النقل الطرقي الذي يعتمد عليه الاقتصاد المغربي بشكل كبير. ولذلك فإن أي زيادة أو انخفاض في سعره تمتد آثارها إلى سلاسل الإنتاج والتوزيع والاستهلاك. ولهذا السبب يتحول ملف المحروقات باستمرار إلى قضية اجتماعية وسياسية، وليس مجرد نقاش تقني بين خبراء الطاقة.

أما سياسياً، فإن الجدل الذي أثاره أفطيط يعكس أزمة أعمق تتعلق بعلاقة المواطن بالأرقام الرسمية. فحين يشعر المواطن أن قدرته الشرائية تتراجع باستمرار، يصبح أكثر استعداداً لتصديق أي تفسير يربط ذلك بأرباح استثنائية أو مصالح خفية. وحين تعجز المؤسسات عن بناء جسور الثقة والتواصل الفعال، تتحول كل زيادة في الأسعار إلى مادة خصبة للشك والاحتقان.

وربما لا تكمن أهمية فيديو يونس أفطيط في الرقم الذي طرحه، سواء كان 80 مليار سنتيم أو أقل أو أكثر، بقدر ما تكمن في السؤال الذي أعاد طرحه على الرأي العام: من يراقب فعلاً سوق المحروقات؟ ومن يملك القدرة على إقناع المواطن بأن السعر الذي يؤديه يعكس فعلاً كلفة حقيقية ومنافسة عادلة؟

في النهاية، قد يكون الجدل حول أرباح شركات المحروقات مجرد وجه ظاهر لمعضلة أكبر. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على توفير السلع والخدمات، بل أيضاً بقدرتها على إقناع مواطنيها بأن قواعد السوق عادلة وأن المؤسسات الرقابية تعمل باستقلالية وفعالية. وعندما يصبح سعر لتر الغازوال موضوعاً دائماً للشك، فإن القضية لا تعود قضية وقود فقط، بل قضية ثقة بين المواطن والسوق والدولة. وهذه الثقة، بخلاف النفط، لا يمكن استيرادها من الخارج ولا تعويضها إذا نضبت.