مفتشو المالية يسجلون اختلالات خطيرة في تفويت صفقات عمومية لشركات ناشئة: حين تتحول القواعد إلى ثغرات وتتعثر الثقة في تدبير المال العام

0
117
صورة: و.م.ع

في مشهد يبدو للوهلة الأولى وكأنه مفارقة أخلاقية أكثر منه اختلالًا إداريًا عابرًا، تتقاطع الأسئلة الثقيلة حول العدالة والرقابة وتكافؤ المساءلة داخل الفضاء العمومي. تقارير تفتيشية تُنجز، ولجان افتحاص تتحرك، ومؤسسات رقابية ترفع خلاصاتها إلى الجهات المختصة، ومع ذلك يبقى الفعل في كثير من الحالات معلّقًا عند حدود “التشخيص” دون أن يعبر إلى عتبة “المحاسبة”. وفي المقابل، تتحول وقائع بسيطة، أحيانًا ذات طابع اجتماعي هش، إلى ملفات قضائية تُحرك فيها المساطر بسرعة لافتة، وكأن ميزان الفعل العمومي يميل أحيانًا نحو الصغائر ويثقل حين يتعلق الأمر بالبُنى الكبرى.

في هذا التوتر غير المعلن، تبرز قضية الصفقات العمومية بوصفها مرآة مكبّرة لاختلالات أعمق من مجرد سوء تدبير إداري. فبحسب ما تكشفه تقارير افتحاص متتالية صادرة عن المفتشية العامة للمالية، فإن عدداً من المشاريع العمومية التي أُسندت لشركات ناشئة أو حديثة التجربة، بناءً على عروض مالية منخفضة بشكل لافت، واجهت تعثرات في التنفيذ، أو انحرافات عن المعايير التقنية المتوقعة، أو تأخيرات أثّرت على سير مرافق وخدمات يفترض أن تكون ذات أولوية.

المفارقة التي تستوقف المراقب هنا ليست في وجود اختلالات، فهذا أمر قد يحدث في أي منظومة تدبير عمومي، بل في طبيعة الانتقاء ذاته: كيف تتحول “الأقل كلفة” إلى معيار قد يتجاوز أحيانًا “الأكثر أهلية”، وكيف تُهمل في بعض الحالات معايير الجدوى التقنية والقدرة التنفيذية لصالح منطق السعر الأدنى، حتى عندما يكون هذا السعر في حدود تثير الريبة المهنية لدى المختصين؟

داخل هذا السياق، تكشف المعطيات المرتبطة ببعض ملفات التدقيق عن ثغرات في مرحلة ما قبل التعاقد، تحديدًا في تقييم جدية العروض المقدمة. فغياب التحقق الدقيق من تناسق الأسعار مع الكلفة الحقيقية للمواد، واليد العاملة، ومصاريف التتبع، والخدمات التقنية المرافقة، يفتح الباب أمام عروض تبدو “جذابة” على الورق، لكنها تتحول لاحقًا إلى عبء على التنفيذ، بل إلى سبب مباشر في تعثر المشاريع أو إعادة إطلاقها من جديد.

الأكثر دلالة في هذا المسار، أن جزءًا من التقارير لا يتوقف عند حدود الخطأ التقني أو الإداري، بل يلمّح إلى وجود “أنماط متكررة” في بعض الحالات، حيث تُسجل مؤشرات على تجاوزات في مساطر الانتقاء أو في تدبير مراحل التقييم. وهي إشارات، وإن كانت لا ترقى وحدها إلى مستوى الحسم القضائي، إلا أنها تكفي لإثارة سؤال جوهري حول طبيعة الحكامة داخل سلاسل القرار المرتبطة بالمال العام.

في المقابل، تبرز أصوات من داخل منظومة الرقابة نفسها، بما فيها توصيات مرتبطة بتتبع الملفات من قبل مؤسسات من قبيل المجلس الأعلى للحسابات، تؤكد على أن الإشكال لا يتعلق فقط بمرحلة الإسناد، بل يمتد إلى ما بعد توقيع الصفقات: مرحلة التنفيذ، المراقبة، التسليم المؤقت، ثم التسليم النهائي، وهي مراحل يفترض أنها تشكل سلسلة ضمانات متكاملة، لكنها في بعض الحالات تتحول إلى حلقات رخوة تسمح بمرور اختلالات غير مرصودة في حينها.

من زاوية أوسع، تكشف هذه الوقائع عن إشكال بنيوي في فلسفة تدبير الصفقات العمومية نفسها: هل المطلوب هو تقليص الكلفة بأي ثمن؟ أم ضمان جودة الإنجاز واستدامة الخدمة العمومية؟ فحين يتحول معيار “الأرخص” إلى معيار شبه أوحد، دون إدماج صارم لمعايير الكفاءة والمخاطر، يصبح النظام نفسه قابلاً لإعادة إنتاج التعثر، حتى دون نية مسبقة في الإخلال.

على مستوى آخر أكثر حساسية، تثير بعض التقارير إشكالًا مرتبطًا بتفويت مشاريع لشركات ناشئة أو محدودة التجربة، في سياق إلغاء صفقات سابقة أو إعادة برمجتها. هنا لا يتعلق الأمر فقط بمسألة قانونية شكلية، بل بسؤال أعمق حول مدى التوازن بين تشجيع المقاولات الصغرى من جهة، وضمان القدرة الفعلية على الإنجاز من جهة أخرى. فحين تُمنح مشاريع تقنية أو بنيوية معقدة لشركات لا تتوفر على ملاءة مالية كافية أو سجل تقني مثبت، فإن هامش المخاطرة يرتفع بشكل كبير، وقد يتحول المشروع العمومي إلى تجربة غير محسوبة العواقب.

وتشير بعض المعطيات المتداولة في سياق هذه التقارير إلى وجود اختلالات مرتبطة بالوضعية المالية لبعض هذه الشركات، سواء من حيث تراكم الديون أو الإشكالات الجبائية أو ضعف السيولة، وهو ما يطرح سؤالًا دقيقًا: هل يتم التحقق بصرامة كافية من الأهلية الاقتصادية قبل منح الصفقات، أم أن بعض الملفات تمر عبر ثغرات تقييمية لا تُكتشف إلا بعد فوات الأوان؟

في الخلفية، هناك رقم ضخم يضغط على كل هذا المشهد: مئات المليارات من الدراهم الموجهة سنويًا للصفقات العمومية، في سياق دينامية تنموية متسارعة ومشاريع استراتيجية كبرى، بما فيها التحضير لاستحقاقات دولية كبرى. هذا الحجم المالي الهائل يجعل من أي خلل، مهما بدا جزئيًا، مسألة ذات أثر مضاعف، لأن خطأ واحدًا في التقدير قد يتحول إلى سلسلة من التعثرات الممتدة عبر الزمن والميزانيات.

لكن الأهم من كل ذلك، أن هذه الوقائع تضع المجتمع أمام سؤال لا يمكن تجاوزه بسهولة: كيف يمكن لمنظومة رقابية دقيقة في التشخيص، عبر تقارير وافتخاح وتحقيقات تقنية، أن تبقى في بعض الحالات عاجزة عن التحول إلى أثر زجري واضح وسريع؟ وكيف يمكن تفسير هذا الفاصل بين “معرفة الاختلال” و”معالجة الاختلال”؟

في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بالصفقات العمومية بوصفها إجراءات إدارية، بل بمدى قدرة الدولة على تحويل الرقابة إلى أداة تصحيح فعلية، لا مجرد أرشيف تشخيصي. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على إنتاج المشاريع، بل أيضًا بقدرتها على مساءلة نفسها داخل نفس اللحظة التي تُنتج فيها هذه المشاريع.

وهنا تحديدًا، تتولد المفارقة الأكثر إزعاجًا: حين تصبح المساطر صارمة في مواجهة الفئات الهشة، ومرنة في مواجهة الاختلالات الكبرى، وحين يتحول القانون إلى أداة انتقائية في التطبيق بدل أن يكون معيارًا شاملًا للمساءلة.

يبقى السؤال معلقًا، بلا إجابة نهائية: هل المشكلة في النصوص القانونية المنظمة للصفقات، أم في طريقة تنزيلها، أم في ثقافة تدبيرية أعمق تجعل من الرقابة مرحلة توصيف أكثر منها مرحلة تصحيح؟ وربما، في لحظة أكثر قسوة من التحليل، هل نحن أمام أزمة أدوات، أم أمام أزمة إرادة في تحويل المعرفة الرقابية إلى عدالة مؤسساتية فعلية؟

في النهاية، لا تكتمل الصورة عند حدود تقرير أو ملف افتحاص، بل عند قدرة المجتمع على تحويل هذه التقارير من وثائق تُقرأ إلى مسارات تُحاسب، ومن مؤشرات تُسجل إلى اختيارات تُراجع. وإلى أن يحدث ذلك، ستظل المفارقة قائمة: صرامة تُطبق في الأسفل، ومرونة تتسرب في الأعلى، بين طفل يُحاسب على لقمة، ومنظومات كاملة تُختبر ولا تُسائل.