خلاف من داخل الأغلبية حول المحروقات والقدرة الشرائية: هل بدأت التصدعات السياسية بالظهور قبل الاستحقاقات المقبلة؟

0
66

في لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها الحسابات الحزبية مع نبض الشارع المغربي، يطفو إلى السطح سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه شديد التعقيد في جوهره: كيف يمكن لنائب برلماني ينتمي إلى الحزب الذي يقود الأغلبية الحكومية أن يوجّه سهامه النقدية، بل وأن يذهب حدّ اتهام حلفائه داخل نفس التحالف السياسي؟ أهو تمرّد سياسي داخل “البيت الواحد”، أم إعادة تموضع محسوبة داخل لعبة توازنات أكبر من الأشخاص والأحزاب؟

القضية التي فجّرتها تصريحات النائب البرلماني هشام المهاجري، في سياق نقاش محتدم حول المحروقات وتسقيف الأسعار ومصير بعض الملفات الاقتصادية الثقيلة مثل شركة “لاسامير”، لا يمكن قراءتها كحادث معزول أو مجرد “زلة لسان سياسية”. بل هي جزء من مشهد أوسع يعكس اهتزازًا داخليًا في منطق تدبير الأغلبية، حيث يتحول التحالف من إطار للتوافق إلى ساحة لتبادل الاتهامات، حتى بين من يفترض أنهم في خندق واحد.

في خلفية هذا التوتر، تتقدم قضية المحروقات باعتبارها واحدة من أكثر الملفات حساسية في المغرب خلال السنوات الأخيرة. فارتفاع الأسعار لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل صار عامل ضغط اجتماعي مباشر يمس القدرة الشرائية للمواطن، ويعيد طرح سؤال العدالة الاقتصادية في ظل تحرير الأسعار. هنا، لم يتردد المهاجري في توجيه انتقادات حادة، ليس فقط لخصومه السياسيين، بل أيضًا لجزء من تدبير حكومي يتقاسمه حزبه مع شركاء آخرين داخل الأغلبية.

اللافت في هذا الخطاب أنه لم يكتفِ بوصف الوضع، بل ذهب إلى تفكيك الأساس القانوني والسياسي للقرارات، معتبرًا أن بعض المقترحات مثل “تسقيف الأسعار” تصطدم بإكراهات دستورية ومالية، وأن البرلمان ليس دائمًا في موقع يسمح له بفرض التزامات مالية على الدولة خارج قانون المالية. بهذا المعنى، يتحول النقاش من مجرد صراع سياسي إلى جدل قانوني-مؤسساتي حول حدود السلطة التشريعية ودور الحكومة في ضبط السوق.

لكن ما يجعل هذه التصريحات أكثر إثارة، هو أنها صدرت من داخل الأغلبية نفسها، لا من المعارضة. وهو ما يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول طبيعة الانسجام داخل التحالف الحكومي: هل ما زال قائمًا على رؤية مشتركة، أم أنه أصبح مجرد تقاطع مصالح ظرفية، يسمح لكل طرف فيه بأن يهاجم الآخر عندما تتعقد الملفات وتشتد الضغوط الاجتماعية؟

في العمق، يكشف هذا النوع من الخطاب عن تحول مهم في وظيفة البرلماني داخل التجربة السياسية المغربية. فبدل أن يظل مجرد مصادق على السياسات الحكومية أو ناقل لمواقف حزبه، أصبح فاعلًا يتقاطع فيه السياسي بالإعلامي، والحزبي بالمؤسساتي، وحتى الشخصي أحيانًا. وهذا ما يفسر هذا “الانفجار الداخلي” في الخطاب، حيث لم تعد الحدود واضحة بين من يدافع ومن ينتقد، بين من يحكم ومن يراقب داخل نفس المعسكر.

اقتصاديًا، لا يمكن فصل هذا الجدل عن الوضع الاجتماعي العام. فارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات لم يعد مجرد رقم في تقارير الحكومة، بل تحول إلى ضغط يومي على الأسر المغربية، خاصة الفئات المتوسطة والهشة. ومع غياب حلول ملموسة أو إجراءات تدخل قوية في السوق، يصبح البرلمان نفسه ساحة لتفريغ هذا الاحتقان، حتى لو كان ذلك عبر صراعات داخل الأغلبية.

سياسيًا، يطرح هذا المشهد سؤالًا أعمق حول معنى “الأغلبية الحكومية” في السياق المغربي: هل هي تحالف لتدبير الشأن العام برؤية موحدة، أم مجرد هندسة انتخابية تجمع أطرافًا مختلفة تحت سقف واحد دون انسجام حقيقي في الرؤية الاقتصادية والاجتماعية؟

أما أخطر ما في هذا التحول، فهو أنه يعيد تشكيل صورة الثقة في المؤسسة التشريعية نفسها. فحين يرى المواطن أن نواب الأغلبية يهاجمون بعضهم البعض في ملفات استراتيجية، يصبح من الصعب عليه أن يميز بين المسؤولية المشتركة والمناورة السياسية، وبين النقد البنّاء وتصفية الحسابات.

في النهاية، ما يطرحه هذا السجال يتجاوز بكثير شخص النائب أو تصريحاته، ليمتد إلى سؤال أعمق: هل نحن أمام لحظة إعادة تعريف للعلاقة بين مكونات السلطة داخل البرلمان والحكومة؟ أم أننا أمام بداية تصدع صامت داخل الأغلبية، قد لا يُقاس بصوت الخطاب، بل بتراكم التناقضات التي تُدار اليوم بالكلام، وقد تُترجم غدًا إلى أزمات سياسية أوسع؟