بينما يتراجع النفط عالميًا وتتضخم أرباح المحروقات محليًا… من يحمي جيوب المغاربة من نزيف الأسعار؟

0
62

في كل مرة تنخفض فيها أسعار النفط في الأسواق الدولية، يتجدد الأمل لدى المواطنين في أن ينعكس ذلك على أسعار الوقود داخل المغرب، وأن تتنفس الأسر قليلاً بعد سنوات من الضغط المتواصل على القدرة الشرائية. لكن ما تكشفه الأرقام الأخيرة الصادرة عن مجلس المنافسة يعيد طرح السؤال الذي يطارد المغاربة منذ تحرير سوق المحروقات: إذا كانت كلفة الاستيراد تتراجع، فلماذا لا يشعر المستهلك بالانخفاض نفسه عند مضخة الوقود؟ ولماذا تبدو الأرباح أكثر قدرة على الصعود من قدرة الأسعار على النزول؟

المعطيات المعلنة تكشف مفارقة تستحق التوقف عندها. فخلال سنة 2025 انخفضت القيمة الإجمالية لواردات الغازوال والبنزين بأكثر من 4.7 مليارات درهم نتيجة تراجع الأسعار الدولية، بينما تمكنت شركات التوزيع الكبرى من تحقيق أكثر من 2.1 مليار درهم من الأرباح الصافية، ورفعت توزيعات الأرباح على المساهمين إلى أكثر من 3.7 مليارات درهم، بزيادة بلغت 144 في المائة مقارنة بالسنة السابقة. هنا لا يعود النقاش تقنياً أو محاسبياً فقط، بل يتحول إلى قضية اجتماعية وسياسية تتعلق مباشرة بعلاقة السوق بالمواطن، وعلاقة الدولة بآليات حماية المستهلك.

المواطن الذي يقف يومياً أمام مضخة الوقود لا يقرأ التقارير المالية للشركات ولا يتابع حركة أسعار خام برنت في البورصات العالمية، لكنه يشعر بشكل مباشر بكل زيادة تقتطع جزءاً من دخله. فالمحروقات لم تعد مجرد سلعة استهلاكية، بل أصبحت عنصراً حاضراً في تكلفة النقل والإنتاج والتوزيع وأسعار الخضر والفواكه والمواد الغذائية والخدمات. لذلك فإن أي اختلال في تسعير الوقود لا يبقى محصوراً داخل القطاع، بل يمتد إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية.

وإذا كانت الشركات تؤكد أن الأسعار تخضع لقواعد السوق الدولية وتقلبات العرض والطلب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تكون سرعة انتقال الارتفاعات العالمية إلى السوق المحلية أكبر بكثير من سرعة انتقال الانخفاضات؟ ولماذا يشعر المستهلك دائماً أنه آخر من يستفيد وأول من يؤدي الكلفة؟

الأرقام نفسها تطرح علامات استفهام إضافية. فالشركات التسع الكبرى ما تزال تسيطر على أكثر من 81 في المائة من واردات المحروقات، وتتحكم في الجزء الأكبر من قدرات التخزين وشبكات التوزيع. صحيح أن فاعلين جدداً دخلوا السوق وأن مستوى التركيز تراجع نسبياً، لكن جوهر السوق ما يزال خاضعاً لهيمنة عدد محدود من الفاعلين القادرين على التأثير في الاتجاه العام للأسعار. وفي العلوم الاقتصادية، كلما ارتفع التركيز داخل سوق ما، تزايدت الأسئلة حول مستوى المنافسة الحقيقية وقدرة المستهلك على الاستفادة من انخفاض التكاليف.

المثير في هذه المعطيات أن الجدل لا يقتصر على أرباح الشركات فقط، بل يمتد أيضاً إلى دور المؤسسات الرقابية والسياسية. فمنذ سنوات يطالب جزء واسع من الرأي العام بإعادة فتح نقاش المحروقات عبر آليات أعمق للتحقيق والتدقيق، سواء من خلال لجان برلمانية لتقصي الحقائق أو مراجعات مؤسساتية أكثر جرأة لمسار التحرير الذي انطلق بعد إلغاء نظام الدعم. غير أن هذا النقاش ظل يتعثر بين الحسابات السياسية والتوازنات الاقتصادية، ليبقى المواطن في مواجهة مباشرة مع الأسعار دون أن يحصل على أجوبة مقنعة حول آليات تحديدها.

وتزداد حساسية الملف عندما يتعلق الأمر بثقة المواطنين في المؤسسات. فحين يرى المواطن أن الأسعار الدولية تتراجع بينما لا تنخفض الأسعار المحلية بالوتيرة نفسها، ثم يقرأ في المقابل عن أرباح بمليارات الدراهم وتوزيعات سخية على المساهمين، فإنه لا يناقش الأرقام فقط، بل يناقش العدالة الاقتصادية نفسها. وهنا يتحول الملف من قضية سوق إلى قضية شعور جماعي بالإنصاف أو غيابه.

الأمر لا يتعلق بمهاجمة الاستثمار أو التشكيك في حق الشركات في تحقيق الأرباح، فالأرباح هي جوهر النشاط الاقتصادي. لكن النقاش الحقيقي يدور حول التوازن بين الربح والمصلحة العامة. فهل يمكن الحديث عن سوق ناجحة إذا كانت تحقق عوائد مرتفعة للمستثمرين بينما تتآكل القدرة الشرائية للأسر؟ وهل يكفي أن تكون المنافسة قانونياً قائمة حتى تكون آثارها ملموسة اجتماعياً؟

ومن زاوية أخرى، تكشف الأرقام أن الدولة نفسها تظل أحد أكبر المستفيدين من قطاع المحروقات عبر مداخيل ضريبية تجاوزت 28 مليار درهم. وهنا يظهر بعد آخر للمسألة: فكلما ارتفعت أسعار الوقود أو استمرت عند مستويات مرتفعة، استمرت الخزينة في جني موارد مهمة. ولذلك يصبح السؤال أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة بين المستهلك والشركات، لأنه يتعلق أيضاً بنموذج تمويل عمومي يعتمد بشكل جزئي على الضرائب المفروضة على استهلاك الطاقة.

لكن خلف كل هذه المؤشرات المالية والاقتصادية، توجد قصة أخرى أقل ظهوراً في التقارير وأكثر حضوراً في الواقع. إنها قصة الموظف الذي يخصص جزءاً متزايداً من راتبه للتنقل، والفلاح الذي ترتفع عليه كلفة الإنتاج، وسائق الأجرة الذي يواجه أسعاراً لا يستطيع نقلها بالكامل إلى الزبون، والتاجر الصغير الذي يتحمل زيادات متتالية في النقل والتوزيع. هؤلاء لا يظهرون في جداول الأرباح والخسائر، لكنهم يمثلون الوجه الحقيقي لأي سياسة طاقية.

إن القضية في جوهرها ليست قضية محروقات فقط، بل قضية نموذج اقتصادي كامل. نموذج يطرح سؤالاً مركزياً حول وظيفة السوق وحدودها، وحول دور الدولة عندما يصبح المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الأرباح والأسعار. فحين ترتفع الأرباح رغم انخفاض الكلفة، وتتوسع الاستثمارات رغم تراجع القدرة الشرائية، وتتعطل المطالب بإجراء تحقيقات أعمق في القطاع، يصبح النقاش أكبر من سعر لتر الغازوال أو البنزين.

ويبقى السؤال الذي سيظل معلقاً فوق كل الأرقام والتقارير: إذا كانت الأسواق العالمية تكافئ المستوردين بانخفاض الأسعار، والشركات تكافئ مساهميها بزيادة الأرباح، والدولة تحافظ على مداخيلها الضريبية الضخمة، فمن يكافئ المواطن الذي يتحمل الكلفة اليومية لهذه المعادلة؟ وهل أصبح المواطن مجرد ممول صامت لدورة اقتصادية يستفيد منها الجميع إلا هو؟