هل تمتد رقابة عبد النباوي القضائية من نجاعة الصفقات العمومية إلى إنقاذ الحقل الرياضي من اختلالاته؟

0
99

حين يضع أحد أبرز الوجوه القضائية في البلاد، محمد عبد النباوي، مسألة الرقابة القضائية على الصفقات العمومية في قلب النقاش العمومي، فإن الأمر يتجاوز حدود التقنية القانونية إلى سؤال أعمق: كيف تُبنى الثقة في تدبير المال العام، وكيف يمكن تحويل الرقابة من آلية ضبط إلى رافعة لجودة السياسات العمومية نفسها؟

الفكرة التي طرحها عبد النباوي، حين أكد أن الرقابة القضائية ليست عائقًا أمام المبادرة بل ضمانة للنجاعة وحماية المال العام، تفتح الباب أمام إعادة التفكير في مجالات أخرى لا تقل حساسية عن الصفقات العمومية، وعلى رأسها الحقل الرياضي. فكما تُدار المشاريع الكبرى عبر صفقات وتمويلات عمومية، تُدار الرياضة الوطنية عبر منظومة معقدة من الجمعيات، والعصب، والجامعات الرياضية، ومديريات تابعة للدولة، إضافة إلى تمويلات عمومية مباشرة وغير مباشرة، ما يجعلها مجالًا قابلًا بدوره لمنطق “الحكامة الخاضعة للرقابة”.

في الواقع، الإشكال في القطاع الرياضي لا يتعلق فقط بضعف النتائج أو التسيير، بل يرتبط أحيانًا بغياب وضوح المساطر، وتفاوت مستويات الشفافية بين مؤسسة وأخرى، وغياب آليات رقابية قضائية أو شبه قضائية قادرة على تتبع مسار المال العام داخل الجامعات الرياضية والعصب والجمعيات الوطنية. وهنا يطرح السؤال الجوهري: هل يمكن استلهام منطق الرقابة القضائية على الصفقات العمومية لتمديده إلى الحقل الرياضي، باعتباره بدوره مجالًا لتدبير المال العام والسياسات العمومية المرتبطة بالشباب والرياضة والصحة المجتمعية؟

من زاوية أولى، يبدو هذا التمديد ممكنًا من حيث المبدأ، لأن جزءًا كبيرًا من التمويل الرياضي يأتي من خزينة الدولة أو من مؤسسات عمومية، سواء في شكل دعم مباشر أو شراكات أو بنية تحتية. وبالتالي، فإن إخضاع هذا التمويل لمنظومة تتسم بالشفافية والمساءلة القضائية يمكن أن يشكل تحولًا نوعيًا في طريقة إدارة الرياضة، بحيث لا تبقى القرارات التسييرية محصورة داخل دوائر مغلقة، بل تخضع لمنطق قابل للتتبع والمساءلة.

لكن من زاوية ثانية، يطرح هذا التوجه تحديات دقيقة، لأن الرياضة ليست مجرد إدارة مالية، بل فضاء اجتماعي قائم على الاستقلالية النسبية للجمعيات الرياضية، وعلى منطق التنافس والمرونة. إدخال رقابة قضائية موسعة قد يُفهم أحيانًا كإجراء بيروقراطي يثقل القرار الرياضي، إذا لم يُصمم ضمن توازن دقيق بين الاستقلالية والشفافية، وبين حرية المبادرة ومقتضيات المشروعية.

ومع ذلك، فإن التجربة المقارنة في عدد من الدول تُظهر أن غياب الرقابة الفعالة داخل الحقل الرياضي يؤدي في كثير من الأحيان إلى أزمات بنيوية: سوء تدبير، نزاعات داخلية، ضعف في الحكامة، وتآكل الثقة بين الجمهور والمؤسسات الرياضية. وهذا ما يجعل النقاش في المغرب أكثر إلحاحًا، خاصة في ظل تنامي حجم الاستثمار في الرياضة، وتزايد الرهانات المرتبطة بالاحتراف والتسويق الرياضي والبنيات التحتية الكبرى.

إذا كان عبد النباوي قد ربط جودة الصفقات العمومية بوضوح القواعد واستقرار الاجتهاد القضائي وتعزيز الثقة في المؤسسات، فإن هذا المنطق نفسه يمكن أن يُسقط، بحذر، على المجال الرياضي. فكلما كانت القواعد المنظمة لتسيير الجامعات الرياضية والعصب أكثر وضوحًا، وكلما كانت آليات التتبع والمحاسبة أكثر نجاعة، كلما تقلصت هوامش الغموض، وتعززت ثقة الفاعلين: من رياضيين، ومدربين، وجماهير، وشركاء اقتصاديين.

لكن التحول الحقيقي لا يكمن فقط في نقل أدوات الرقابة، بل في إعادة تعريف فلسفة الحكامة الرياضية نفسها. فالسؤال لم يعد فقط: كيف نراقب؟ بل أيضًا: كيف نبني نظامًا يجعل الرقابة جزءًا من التصميم الأولي للمؤسسات الرياضية، وليس تدخلاً لاحقًا عند وقوع الاختلال؟

في العمق، ما يطرحه النقاش ليس مجرد مسألة قانونية أو تقنية، بل سؤال عن طبيعة الدولة الحديثة في علاقتها بالرياضة: هل الرياضة مجال مستقل تمامًا عن منطق الرقابة العمومية، أم أنها امتداد للسياسات العمومية التي تستوجب نفس معايير الشفافية والمساءلة؟ وهل يمكن للرقابة القضائية، إذا ما تم تطوير أدواتها، أن تتحول من سلطة تصحيح إلى قوة وقائية تمنع الانحراف قبل وقوعه؟

في النهاية، يبدو أن النقاش الذي فتحه خطاب محمد عبد النباوي حول الصفقات العمومية، يتجاوز حدوده الأصلية ليصل إلى مناطق أكثر حساسية، من بينها الحقل الرياضي. هناك، حيث تختلط الرمزية الشعبية بالمال العام، وحيث تتحول النتائج الرياضية إلى مؤشرات على جودة التدبير، يظل السؤال مفتوحًا: هل نحتاج فقط إلى رياضة أقوى في النتائج، أم إلى منظومة رياضية أقوى في الشفافية أولاً، حتى تصبح النتائج نفسها أكثر استدامة ومصداقية؟