الهجرة الأوروبية نحو “خارج الحدود”: المغرب أمام اختبار رفض تحويله إلى حارس متقدم لأزمة القارة العجوز

0
105
صورة: أ.ف.ب

تبدو سياسات الهجرة الأوروبية اليوم وكأنها تدخل مرحلة إعادة تشكيل عميقة، لا تقتصر على تحديث القوانين أو تحسين آليات التدبير، بل تمتد إلى إعادة تعريف العلاقة بين الضفة الشمالية للمتوسط وجوارها الجنوبي. فالمصادقة الأخيرة داخل البرلمان الأوروبي على مقتضيات أكثر تشدداً بشأن إعادة المهاجرين وطالبي اللجوء المرفوضين، لم تمر كإجراء تقني عابر، بل أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد بصيغة أكثر حدّة: أين تنتهي مسؤولية أوروبا في تدبير الهجرة، وأين تبدأ حدود تصدير هذه المسؤولية إلى الخارج؟

في خلفية هذا التحول، يظهر توجه متصاعد نحو ما بات يُعرف بـ“تدويل تدبير الهجرة”، أي نقل جزء من أعباء معالجة ملفات اللجوء والإقامة غير النظامية إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي، سواء عبر اتفاقيات ثنائية أو عبر إنشاء مراكز استقبال ومعالجة خارج الحدود. وهي فكرة تبدو في ظاهرها كحل إداري لتخفيف الضغط على الداخل الأوروبي، لكنها في عمقها تعيد طرح إشكالات قانونية وأخلاقية تتعلق بمصير الأشخاص الذين يجدون أنفسهم عالقين بين حدود لا تعترف بهم كاملة كلاجئين ولا كأفراد عابرين.

في هذا السياق، يطفو اسم المغرب باعتباره أحد الفاعلين الإقليميين الذين يرتبطون بشبكة معقدة من التعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة والأمن الحدودي. غير أن هذا الارتباط، الذي تأسس على سنوات من التنسيق في مكافحة الهجرة غير النظامية وتدبير الحدود، بات اليوم يطرح أسئلة أكثر حساسية، خاصة مع الحديث عن إمكانية إدراج دول الجوار ضمن لائحة الشركاء المحتملين لاستضافة ما يُسمى “مراكز العودة” أو “نقاط الفرز”، حيث يتم تجميع المهاجرين في انتظار ترحيلهم أو البت في أوضاعهم القانونية خارج التراب الأوروبي.

هذه الفرضية، التي لم تُحسم رسمياً بعد، تُقرأ في الأوساط الأكاديمية والحقوقية المغربية باعتبارها امتداداً لاتجاه أوروبي قديم جديد: تحويل دول العبور إلى فضاءات لتفويض أعباء الهجرة، بما في ذلك تكاليفها السياسية والحقوقية والاجتماعية. وهنا تتقاطع الرؤية الأوروبية البراغماتية مع مخاوف الدول المعنية من أن تتحول من شركاء في التدبير إلى “محطات إيواء” دائمة لأزمات لا تخصها وحدها.

في قراءة الباحث المغربي المتخصص في قضايا الهجرة عبد الكريم بلكندوز، فإن الإشكال لا يتعلق فقط بفعالية هذه السياسات، بل بمدى انسجامها مع المبادئ الحقوقية الأساسية التي يفترض أن تؤطر التعامل مع المهاجرين وطالبي اللجوء. فالمقتضيات الجديدة، حسب هذا التصور، تحمل في طياتها نزوعاً نحو تشديد غير مسبوق في التعامل مع طلبات اللجوء المرفوضة، بما قد يضعف ضمانات الحماية ويقلص من هامش احترام الكرامة الإنسانية في مسارات الإبعاد والترحيل.

لكن النقاش لا يتوقف عند البعد الحقوقي فقط، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين المغرب والاتحاد الأوروبي. فالمغرب، الذي يقدم نفسه في السنوات الأخيرة كفاعل إفريقي محوري في قضايا الهجرة والتنقل البشري، يجد نفسه أمام معادلة دقيقة: كيف يحافظ على موقعه كشريك استراتيجي في تدبير هذا الملف، دون أن يتحول إلى أداة وظيفية في سياسة أوروبية تسعى إلى “تصدير الحدود” خارج مجالها الجغرافي؟

في هذا الإطار، يلفت بلكندوز إلى أن التعاون القائم بين الجانبين، خاصة في مجال مراقبة الحدود والتنسيق مع الوكالات الأوروبية المختصة، لا يزال يفتقر إلى قدر كافٍ من الشفافية في ما يتعلق بحدوده الفعلية. فبين الخطاب الرسمي الذي يشيد بالشراكة، والواقع العملي الذي يتطور في اتجاه توسيع مهام التدبير الأمني، تتشكل منطقة رمادية تثير تساؤلات حول طبيعة الالتزامات المتبادلة، وحدود المسؤوليات القانونية لكل طرف.

الأكثر حساسية في هذا النقاش هو ملف “اتفاقيات إعادة القبول”، الذي ظل مطروحاً منذ بداية الألفية دون أن يصل إلى صيغة شاملة ونهائية. فبينما قبل المغرب مبدئياً استرجاع مواطنيه في وضعية غير قانونية، ظل متحفظاً بشكل واضح تجاه أي صيغة تشمل مهاجرين أجانب مروا عبر أراضيه دون أن يكونوا من مواطنيه. هذا التحفظ لا يرتبط فقط باعتبارات تقنية أو لوجستية، بل يعكس رؤية سياسية أعمق تتعلق برفض تحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية عن مسارات هجرة عابرة تتجاوز السيادة الوطنية.

من زاوية أخرى، يطرح هذا الملف إشكالاً يتعلق بإثبات مسارات العبور نفسها: كيف يمكن قانونياً إثبات أن مهاجراً تم توقيفه في شمال أوروبا قد مر فعلاً عبر التراب المغربي؟ هذا السؤال، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يكشف عن هشاشة المنظومة التي يُبنى عليها جزء من التصورات الأوروبية بشأن “بلدان العبور الآمن”، ويعيد فتح النقاش حول مسؤولية الإثبات، وحدود تحميل الدول أدواراً استنتاجية في مسارات هجرة معقدة.

في المقابل، يرى الباحث خالد مونة أن ما يجري اليوم ليس جديداً بالكامل، بل هو إعادة إنتاج لنماذج سابقة من “خارجنة” اللجوء، جرى اختبارها في سياقات أوروبية مختلفة، سواء عبر مراكز خارج الحدود أو عبر تحويل بعض الدول إلى فضاءات لمعالجة الطلبات قبل الوصول إلى الأراضي الأوروبية. غير أن ما يميز المرحلة الحالية هو محاولة إضفاء طابع أكثر توحيداً على هذه المقاربة داخل الاتحاد الأوروبي، بما يجعل من إدارة اللجوء مشروعاً سياسياً متكاملاً لا مجرد إجراءات ظرفية.

لكن هذه المقاربة، رغم ما تقدمه من حلول تقنية لتخفيف الضغط الداخلي، تبقى محاطة بإشكالات عميقة. فهي من جهة مرتبطة باعتبارات انتخابية داخل الدول الأوروبية، حيث تتحول الهجرة إلى ملف سياسي حساس، ومن جهة أخرى تثير إشكالات قانونية تتعلق بحقوق الإنسان، خاصة عندما يتعلق الأمر بترحيل طالبي لجوء إلى دول لا تربطهم بها أي صلة مباشرة.

أما بالنسبة للمغرب، فإن المسألة تتجاوز مجرد قبول أو رفض مقترح معين. فالأمر يتعلق بتوازن دقيق بين الحفاظ على شراكة استراتيجية مع أوروبا، وبين تفادي الانزلاق نحو دور وظيفي يُختزل في كونه “حارس حدود متقدم”. وهي صورة ظلت الرباط تتحفظ عليها رسمياً، لكنها تظل حاضرة في النقاشات السياسية والإعلامية كلما طُرح ملف الهجرة في سياق التعاون بين الضفتين.

من هنا، يبدو أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في مستقبل “مراكز العودة” أو في تفاصيل الاتفاقيات المحتملة، بل في طبيعة النموذج الذي يُراد فرضه لتدبير الهجرة في الفضاء المتوسطي. نموذج يعيد توزيع المسؤوليات بطريقة غير متكافئة، ويضع دول الجنوب أمام تحديات مركبة: حماية سيادتها، والحفاظ على توازناتها الداخلية، وفي الوقت نفسه الاستجابة لضغوط شريك أوروبي يبحث عن حلول خارج حدوده.

وفي نهاية المطاف، يظل السؤال مفتوحاً على أفق أبعد من السياسات الظرفية: هل يمكن بناء شراكة في مجال الهجرة لا تقوم على نقل الأعباء، بل على تقاسم حقيقي للمسؤوليات؟ أم أن منطق “إدارة الأزمة من الخارج” سيظل هو الإطار الحاكم لعلاقة غير متوازنة، تعيد إنتاج الحدود لا فقط على الخرائط، بل داخل السياسات والكرامات أيضاً؟