عبد اللطيف وهبي يفتح ملف ودائع المحامين على رقابة المجلس الأعلى للحسابات: استقلال المهنة في مواجهة منطق الشفافية

0
112

في مهنةٍ تقوم في جوهرها على الدفاع عن الحقوق والحريات، نادراً ما يمرّ أي تعديل قانوني يخص المحاماة دون أن يثير نقاشاً يتجاوز حدود النصوص إلى أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة العدالة نفسها. هذا ما حدث مجدداً مع مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، بعد مصادقة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان على مقتضيات جديدة تضع حساب ودائع وأداءات المحامين تحت رقابة المجلس الأعلى للحسابات. فالقضية لم تعد مجرد تعديل تقني يهم آليات التدبير المالي، بل تحولت إلى نقاش سياسي وقانوني ومؤسساتي حول الحدود الفاصلة بين استقلال المهنة وواجب الرقابة على الأموال المتداولة داخلها.

اللافت في هذا الملف أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي، وهو الذي راكم تجربة طويلة داخل المحاماة قبل دخوله العمل الحكومي، وجد نفسه في موقع مختلف عن ذلك الذي اعتاده لسنوات كمحام ومدافع عن استقلالية المهنة. فالرجل الذي يعرف جيداً حساسية العلاقة بين المحامين والسلطة التنفيذية، اختار هذه المرة أن يدافع عن توسيع نطاق الرقابة المالية، مستنداً إلى منطق يعتبر أن كل الأموال التي تُدار في إطار مؤسسات منظمة بقوة القانون يجب أن تخضع لمبادئ الشفافية والمساءلة.

غير أن جوهر النقاش لا يكمن في شخص الوزير أو في طبيعة التعديل وحده، بل في السؤال الذي فرض نفسه داخل اللجنة البرلمانية وخارجها: هل تشكل ودائع وأداءات المحامين أموالاً خاصة مرتبطة حصراً بعلاقة المحامي بموكله، أم أنها بحكم طبيعة تدبيرها الجماعي والمؤسساتي تستوجب رقابة مؤسسة دستورية مثل المجلس الأعلى للحسابات؟

هذا السؤال يعكس تحوّلاً أوسع تشهده الدولة المغربية منذ سنوات، عنوانه الانتقال التدريجي من منطق الاستقلال المهني المطلق إلى منطق الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فمنذ دستور 2011، أصبح الحديث عن الرقابة المالية وتدبير الأموال العمومية جزءاً من الثقافة المؤسساتية الجديدة، ولم تعد أي مؤسسة أو هيئة بمنأى عن مطالب التدقيق والمساءلة، سواء تعلق الأمر بالجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية أو الهيئات المهنية.

لكن خصوصية المحاماة تجعل الموضوع أكثر تعقيداً. فالمحامي لا يؤدي وظيفة إدارية أو مالية فحسب، بل يمارس رسالة ترتبط مباشرة بحقوق الأفراد وحرياتهم وضمانات المحاكمة العادلة. لذلك ينظر جزء من الجسم المهني إلى أي توسيع لدوائر الرقابة باعتباره احتمالاً قد يمسّ باستقلالية المهنة، حتى وإن كانت الرقابة محصورة في الجوانب المالية والمحاسبية دون غيرها.

ومن هنا يمكن فهم الجدل الذي رافق مناقشة المادة المتعلقة بإخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات. فبعض الأصوات اعتبرت الأمر مساساً بمبدأ الاستقلالية، بل ذهبت إلى حد وصفه بغير الدستوري، بينما رأى المدافعون عنه أن الرقابة لا تستهدف المحامي في ممارسته المهنية ولا أسرار الموكلين، وإنما تتعلق بسلامة العمليات المالية والتأكد من قانونيتها وشفافيتها.

وفي العمق، يبدو أن النقاش يكشف عن معضلة أوسع تعيشها المهن الحرة في المغرب والعالم. فكلما توسعت متطلبات الشفافية المالية، ازدادت المخاوف من تأثيرها على استقلال الهيئات المهنية. وفي المقابل، كلما تمسكت هذه الهيئات باستقلاليتها المطلقة، ارتفعت الأصوات المطالبة برقابة أكبر على الأموال والتدبير. إنها معادلة دقيقة بين الحرية والمسؤولية، وبين الاستقلال والمحاسبة.

وإذا كانت الأنظار قد اتجهت نحو ملف الرقابة المالية، فإن القراءة المتأنية لمشروع القانون تكشف أن الأمر يتعلق بإصلاح أشمل وأعمق. فالتعديلات التي طالت 35 مادة وأفرزت 48 تعديلاً جوهرياً تعكس محاولة لإعادة رسم ملامح مهنة المحاماة خلال العقود المقبلة. رفع السن الأقصى لولوج المهنة من 45 إلى 50 سنة مثلاً يحمل اعترافاً ضمنياً بأن الخبرة المهنية والعلمية يمكن أن تشكل قيمة مضافة للمحاماة حتى في مراحل عمرية متقدمة. كما أن توسيع التخصصات المقبولة لتشمل خريجي الشريعة يطرح رؤية جديدة لتنوع المرجعيات القانونية داخل الحقل المهني.

أما إدماج فئات جديدة ضمن المستفيدين من الإعفاءات المرتبطة بالتكوين والتمرين، وخاصة بعض موظفي كتابة الضبط والأساتذة الباحثين، فيعكس توجهاً نحو الاستفادة من الرأسمال البشري المتوفر داخل منظومة العدالة بدل إعادة إنتاج مسارات مهنية مغلقة. وهو توجه ينسجم مع التحولات التي تعرفها العديد من الأنظمة القانونية المقارنة، حيث أصبحت الخبرة العملية أحد معايير الولوج إلى المهن القضائية والقانونية.

كما أن التعديلات المرتبطة بالترافع أمام محكمة النقض تكشف بدورها عن إرادة لإعادة ترتيب الهرمية المهنية داخل قطاع المحاماة. فاختصار مدد الأقدمية المطلوبة لبعض الفئات لا يعبر فقط عن تسهيل الولوج إلى درجات أعلى من الممارسة، بل يعكس أيضاً محاولة للاستجابة للتحولات التي يعرفها سوق الخدمات القانونية وتزايد الحاجة إلى الكفاءات المؤهلة.

اقتصادياً، لا يمكن فصل هذه الإصلاحات عن التحولات التي يشهدها المغرب في مجال الاستثمار والأعمال. فكلما ازدادت جاذبية البلاد للاستثمارات الوطنية والأجنبية، ارتفعت الحاجة إلى منظومة عدالة أكثر كفاءة وشفافية. والمحامي هنا ليس مجرد مدافع أمام المحاكم، بل فاعل اقتصادي يساهم في تأمين المعاملات والاستثمارات وحماية الحقوق التعاقدية. لذلك فإن أي إصلاح للمهنة يصبح جزءاً من الإصلاح الأشمل لمناخ الأعمال والثقة في المؤسسات.

اجتماعياً، يهم المواطن العادي بالدرجة الأولى أن يشعر بأن العدالة أكثر فعالية وشفافية وأقل تعقيداً. فالنقاشات القانونية التي تدور داخل المؤسسات قد تبدو تقنية ومتخصصة، لكنها تنعكس في النهاية على جودة الخدمات القانونية التي يتلقاها المواطن، وعلى مدى ثقته في المؤسسات القضائية والمهنية التي يلجأ إليها للدفاع عن حقوقه.

وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن وزير العدل، القادم من قلب المحاماة، هو من يقود اليوم أحد أكثر الإصلاحات إثارة للنقاش داخل هذه المهنة. وهو ما يعكس أن التحولات الكبرى غالباً ما تأتي من داخل المؤسسات نفسها، لا من خارجها. فالعارف بتفاصيل البيت المهني هو الأكثر إدراكاً لنقاط قوته واختلالاته في الوقت ذاته.

في نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان حساب ودائع وأداءات المحامين يجب أن يخضع للرقابة أم لا، بل كيف يمكن بناء توازن يضمن للمحامي استقلاله الكامل في أداء رسالته، ويضمن للمجتمع في الوقت نفسه أعلى درجات الشفافية والمساءلة. فكل إصلاح قانوني ينجح في تحقيق هذا التوازن لا يكون قد أصلح مهنة بعينها فقط، بل يكون قد خطا خطوة إضافية نحو ترسيخ دولة الحق والقانون. والسؤال الذي سيظل مطروحاً بعد انتهاء الجدل البرلماني هو: هل تستطيع العدالة الحديثة أن تحافظ على استقلال مؤسساتها المهنية دون أن تتخلى عن مطلب الشفافية الذي أصبح اليوم أحد أهم معايير الثقة في الدولة والمجتمع؟