في عالم المال، لا تتحرك الثروات كما يتحرك الناس. فبينما يحتاج الإنسان إلى جواز سفر وتأشيرة لعبور الحدود، تستطيع الرساميل أن تنتقل في ثوانٍ بين القارات، وأن تستقر داخل شركات قابضة لا تصنع سلعة، ولا تبيع خدمة، ولا تفتح محلاً تجارياً، لكنها قد تدير ملايين أو حتى مليارات اليوروهات. لذلك، لم تعد الأسئلة الكبرى في الاقتصاد العالمي تتعلق فقط بمن يملك المال، بل بكيفية إدارة هذا المال، وأين تتم إدارته، وتحت أي قوانين، ومن يراقب مساره عندما يغادر دولة إلى أخرى.
من هذا المنطلق، أعادت الوثائق المرتبطة بمشروع OpenLux، وما تبعها من مراجعات للسجلات التجارية المفتوحة في لوكسمبورغ، طرح نقاش حساس داخل المغرب، بعد ظهور أسماء شخصيات مغربية معروفة، من رجال أعمال ومسؤولين وشخصيات نافذة، مرتبطة بشركات واستثمارات مسجلة في الدوقية الأوروبية. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الملف لا تكمن في الأسماء وحدها، بل في الأسئلة التي يثيرها حول طبيعة الاقتصاد المغربي، وعلاقة النخب الاقتصادية بالمراكز المالية العالمية، وحدود الرقابة القانونية على حركة الرساميل عبر الحدود.
وهنا يصبح من الضروري التمييز، منذ البداية، بين الواقعة والاستنتاج. فالواقعة هي أن سجلات لوكسمبورغ تظهر وجود شركات مرتبطة بأسماء مغربية. أما الاستنتاج بأن مجرد وجود تلك الشركات يعني وقوع مخالفة قانونية أو تهرباً ضريبياً أو غسل أموال، فهو استنتاج لا تدعمه الوثائق وحدها، ولا يجوز تبنيه دون أدلة قضائية أو تنظيمية واضحة. وهذه ليست مجرد ملاحظة قانونية، بل قاعدة أساسية من قواعد الصحافة المهنية التي تحترم قرينة البراءة، وتفصل بين ما تثبته الوثائق وما تتركه مفتوحاً أمام التحقيق.
لكن، إذا كانت ملكية شركة في لوكسمبورغ ليست جريمة، فلماذا أثارت هذه الوثائق كل هذا الاهتمام؟
الإجابة تبدأ من فهم المكان نفسه.
لوكسمبورغ ليست دولة عادية في الاقتصاد الأوروبي. فرغم أن عدد سكانها لا يتجاوز بضع مئات الآلاف، فإنها تحولت خلال العقود الأخيرة إلى أحد أكبر المراكز المالية في العالم، وإلى وجهة مفضلة للصناديق الاستثمارية العالمية، والمكاتب العائلية، وشركات إدارة الأصول، والمؤسسات متعددة الجنسيات. ويعود ذلك إلى منظومة قانونية مستقرة، وقضاء تجاري متخصص، واتفاقيات واسعة لتجنب الازدواج الضريبي، وبنية مالية تجعل من السهل إنشاء شركات قابضة لإدارة الاستثمارات العابرة للحدود.
ولهذا السبب، فإن آلاف الشركات الأوروبية والأمريكية والآسيوية، إضافة إلى مستثمرين من الشرق الأوسط وإفريقيا، اختاروا لوكسمبورغ مقراً لشركاتهم القابضة، ليس بالضرورة للتهرب من القوانين، وإنما لأنها توفر أدوات قانونية ومالية متقدمة لإدارة الأصول الدولية.
ومن هنا تبدأ الإشكالية الحقيقية.
فالتحقيق لا ينبغي أن يسأل: لماذا توجد شركة في لوكسمبورغ؟ بل يجب أن يسأل: كيف مُولت؟ وهل احترمت قوانين بلد المنشأ؟ وهل صُرّح بالأموال والأرباح وفق القوانين السارية؟ وهل توجد رقابة فعالة على حركة الرساميل؟
هذه هي الأسئلة التي تهم الرأي العام، لأنها تتعلق بالمساواة أمام القانون، وليس بمكان تسجيل الشركة.
وفي الحالة المغربية، تصبح هذه الأسئلة أكثر حساسية لأن حركة الرساميل نحو الخارج لا تخضع لحرية مطلقة، وإنما ينظمها إطار قانوني دقيق تشرف عليه السلطات المختصة، وعلى رأسها مكتب الصرف، الذي يحدد قواعد الاستثمار في الخارج، ويراقب التصاريح والتحويلات المالية وفق النصوص التنظيمية المعمول بها. لذلك، فإن القضية لا تتعلق بوجود شركات خارج المغرب، وإنما بمدى احترام المساطر القانونية التي تحكم انتقال الأموال من الداخل إلى الخارج، وبالشفافية في التصريح بالمستفيدين الحقيقيين، ومصادر التمويل، والعائدات المحققة.
وهنا يبرز سؤال أكثر عمقاً.
هل نحن أمام ظاهرة استثنائية تخص بعض الأسماء المغربية، أم أننا أمام انعكاس طبيعي لتحول رأس المال المغربي إلى رأس مال عابر للحدود، كما حدث في اقتصادات أخرى؟
هذا السؤال يقودنا إلى إعادة النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى الاستثمار الخارجي. فالمستثمر الذي يوسع نشاطه خارج وطنه ليس بالضرورة هارباً من الضرائب، كما أن كل شركة قابضة ليست بالضرورة غطاءً لإخفاء الأموال. في المقابل، لا يعني ذلك أيضاً أن كل العمليات المالية سليمة تلقائياً، أو أنها معفاة من الرقابة. فالاقتصاد الحديث يقوم على مبدأ مزدوج: حرية الاستثمار، مقابل الشفافية الكاملة في مصدر الأموال ومسارها والتزاماتها الضريبية والتنظيمية.
ومن هنا، يتحول الملف من قضية أسماء إلى قضية مؤسسات.
فإذا كانت القوانين تسمح بالاستثمار الخارجي وفق ضوابط محددة، فإن السؤال الحقيقي هو: هل تُطبق هذه الضوابط بالقدر نفسه على جميع الفاعلين الاقتصاديين؟ أم أن النفوذ الاقتصادي والسياسي قد يمنح، في بعض الحالات، قدرة أكبر على الوصول إلى أدوات مالية معقدة يصعب على المستثمر العادي استخدامها؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يبدأ منه التحقيق، لأنه لا يبحث عن الإثارة، بل عن فهم العلاقة بين الثروة، والقانون، والدولة.
يتبع في الجزء الثاني… حيث سنفكك بالتفصيل طبيعة شركات SOPARFI وSCS، ونحلل الشركات الواردة في الملف واحدةً واحدةً، ونضع أرقامها في سياقها المالي الحقيقي، بعيدًا عن الانطباعات السريعة.
حين تصبح الشركات القابضة عنوانًا للنقاش… هل تكشف الوثائق ما تخفيه الثروات أم تكشف فقط طبيعة الاقتصاد العالمي؟
إذا كان الجزء الأول قد وضع القضية في إطارها العام، فإن الدخول إلى التفاصيل يفرض الابتعاد عن الانطباعات التي تصنعها الأسماء الكبيرة، والاقتراب أكثر من لغة الوثائق نفسها. فالأرقام، في الملفات المالية، قد تبدو صادمة لأول وهلة، لكنها لا تكتسب معناها الحقيقي إلا عندما تُقرأ داخل السياق القانوني والمحاسبي الذي أُنشئت فيه تلك الشركات.
وهنا يقع كثير من النقاش العام في خطأ شائع، يتمثل في اعتبار أن كل شركة لا تحقق رقم معاملات، أو تعلن خسائر، أو تعتمد على القروض، هي شركة مشبوهة. بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير.
فالوثائق التي تناولت الشركات المرتبطة بعدد من الأسماء المغربية تُظهر أن نسبة مهمة منها مصنفة ضمن شركات SOPARFI أو SCS، وهي صيغ قانونية معروفة داخل لوكسمبورغ، تستعملها آلاف المجموعات الاقتصادية العالمية لإدارة الاستثمارات العابرة للحدود، وامتلاك حصص في شركات أخرى، وإعادة هيكلة رؤوس الأموال، وليس لممارسة نشاط تجاري مباشر كالإنتاج أو البيع أو الخدمات اليومية.
وهذا يفسر غياب رقم معاملات في عدد من هذه الشركات، لأن الشركة القابضة بطبيعتها قد لا تبيع منتجًا واحدًا طوال سنوات، بينما تدير في المقابل استثمارات بمئات الملايين من اليوروهات. كما يفسر أيضًا وجود خسائر محاسبية في سنة معينة، قد تنتج عن إعادة تقييم الأصول، أو تكاليف التمويل، أو انخفاض قيمة الاستثمارات، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود أزمة مالية حقيقية.
من هنا، فإن القراءة المهنية للوثائق لا تبدأ من السؤال: “كم ربحت الشركة؟”، بل من سؤال آخر أكثر أهمية: “ما هو الغرض القانوني الذي أُنشئت من أجله؟ وكيف تم تمويلها؟ وهل يتوافق نشاطها مع طبيعتها القانونية؟”
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عند الانتقال إلى الأسماء الواردة في الملف.
فعلى سبيل المثال، تُظهر الوثائق المتعلقة بشركة Belere المرتبطة بمهدي الجواهري، انتقالًا سريعًا في حجم الأصول خلال السنوات الأولى، قبل أن تتراجع لاحقًا، مع ظهور خسائر وحقوق ملكية سالبة وديون قصيرة الأجل في أحدث البيانات المتاحة. هذه الأرقام قد تبدو مقلقة للقارئ غير المتخصص، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على سلامة الشركة أو عدمها، لأن الشركات الاستثمارية تمر أحيانًا بمراحل تمويل وإعادة هيكلة تؤدي إلى تغيرات حادة في الميزانية دون أن تعكس بالضرورة نشاطًا غير مشروع. لذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بحجم الأصول أو الخسائر، بل بمصدر الأموال، وطبيعة القروض، ومدى احترام قواعد الإفصاح والرقابة.
وينطبق الأمر ذاته على الشركة المرتبطة بإدريس الفيلالي، التي اعتمد تمويلها أساسًا على قروض المساهمين. ففي عالم الشركات القابضة، لا يُعد تمويل الشركة عبر قروض من الشركاء أمرًا استثنائيًا، بل هو أسلوب معروف في إدارة الاستثمارات. غير أن المشروعية لا تُقاس بطريقة التمويل وحدها، وإنما بمدى التصريح بهذه العمليات، واحترامها للقوانين الضريبية والمالية في الدولة التي خرجت منها الأموال والدولة التي استقبلتها.
أما شركة MEDIMMO المرتبطة بالأمير عبد الله بن مولاي علي العلوي، فتبدو مختلفة نسبيًا، لأنها من الكيانات القليلة التي تظهر لها مداخيل تشغيلية مرتبطة بالنشاط العقاري، إلى جانب محافظ استثمارية. وهذا يعني أن الشركة تجمع بين إدارة الأصول وبعض الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالعقار، وهو نموذج معروف في الأسواق الأوروبية، ولا يحمل في ذاته أي دلالة قانونية سلبية.
وبالنسبة لرجل الأعمال أنس الصفريوي، فإن الوثائق المتعلقة بشركة Atlacem تكشف هي الأخرى عن شركة قابضة ترتبط باستثمارات خارجية، من بينها استثمار في المكسيك، مع تسجيل خسائر محاسبية وارتفاع في الالتزامات المالية. ومرة أخرى، لا تسمح هذه المؤشرات وحدها بالحديث عن مخالفة، لكنها تفتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية: كيف تُدار هذه الاستثمارات؟ وهل تم تمويلها وفق القوانين المنظمة لتحويل الرساميل من المغرب إلى الخارج؟ هذا السؤال يظل مشروعًا، لكنه يحتاج إلى أجوبة من الجهات الرقابية، وليس إلى استنتاجات مسبقة.
وتزداد الصورة تعقيدًا عند الحديث عن عثمان بنجلون، الذي تكشف الوثائق ارتباطه بعدة شركات استثمارية وقابضة في لوكسمبورغ. فوجود شبكة من الشركات داخل مركز مالي عالمي ليس أمرًا نادرًا بالنسبة لمجموعة مصرفية أو مالية تعمل في أكثر من سوق. إلا أن هذا الامتداد المالي يطرح بدوره أسئلة حول آليات الحكامة، وإدارة المخاطر، والإفصاح، والرقابة العابرة للحدود، وهي أسئلة تُطرح على جميع المجموعات الكبرى في العالم، وليس على المستثمرين المغاربة وحدهم.
أما الشركة الحديثة المرتبطة بحفيظ العلمي، فإن حداثة تأسيسها تجعل من المبكر استخلاص أي قراءة مالية معمقة، لغياب حسابات سنوية كافية. وهو ما يذكرنا بقاعدة أساسية في الصحافة الاستقصائية: غياب المعلومات لا يبرر ملء الفراغ بالافتراضات.
وفي المقابل، تكشف قضية غيثة لحلو اليعقوبي أهمية التمييز بين الملكية والعضوية الإدارية. فوجود اسم شخص في مجلس رقابة أو إدارة شركة لا يعني أنه مالك لها أو مستفيد اقتصادي منها. وهذا التفصيل، الذي قد يبدو تقنيًا، يمثل في الحقيقة فارقًا جوهريًا بين التحقيق المهني والقراءة الانطباعية، لأن الخلط بين الصفتين قد يقود إلى استنتاجات خاطئة تضر بحقوق الأفراد وبمصداقية العمل الصحفي.
عند هذه النقطة، يتبين أن الوثائق لا تقول إن هناك جريمة، كما أنها لا تقول إن كل شيء طبيعي. إنها ببساطة تفتح نافذة على عالم معقد تتحرك فيه الرساميل عبر الحدود، وتنتقل فيه الأصول بين شركات وصناديق واستثمارات متعددة الجنسيات، وفق هياكل قانونية قد تبدو غامضة للرأي العام، لكنها مألوفة داخل الصناعة المالية الدولية.
غير أن هذا التعقيد لا يعفي المؤسسات الرقابية من مسؤولياتها. فكلما ازدادت حركة الأموال عبر الحدود، ازدادت الحاجة إلى منظومة رقابة قادرة على تتبع مصادر التمويل، والتحقق من التصاريح، وضمان احترام قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتأكد من أن الامتيازات القانونية لا تتحول إلى منافذ للإفلات من المساءلة.
وهنا ينتقل التحقيق من قراءة ميزانيات الشركات إلى سؤال أكبر: هل تمتلك الدولة المغربية، بمؤسساتها الرقابية والضريبية والمالية، الأدوات الكافية لمواكبة تعقيد الاقتصاد العالمي، أم أن سرعة انتقال الرساميل أصبحت تتجاوز سرعة تطور آليات الرقابة؟
ذلك هو السؤال الذي سيقودنا في الجزء الثالث إلى تحليل دور مكتب الصرف، والرقابة على الاستثمارات الخارجية، والفارق بين التخطيط الضريبي المشروع، والتهرب الضريبي، وغسل الأموال، وكيف تنظر المنظمات الدولية إلى هذه الحدود الدقيقة.
مهدي الجواهري، ابن والي بنك المغرب ومدير ديوان الأمير رشيد.. شركتان للاستثمارات والخدمات المالية
إدريس الفيلالي.. شركة قابضة ممولة بقروض المساهمين
الأمير عبد الله بن مولاي علي العلوي.. يرتبط بشركة “MEDIMMO” بين العقار والمساهمات المالية
أنس الصفريوي.. جامع الثروة من السكن الاقتصادي يملك شركة بلكسومبرغ تسمى “Atlacem”
عثمان بنجلون.. شبكة من الشركات القابضة والاستثمارية
الوزير السابق ورجل الأعمال حفيظ العلمي.. شركة حديثة تابعة لمجموعة “سهام”
غيثة لحلو اليعقوبي.. عضوية إدارية وليست ملكية لشركة
https://www.pappers.lu/en/company/belere-sarl-B240862?
https://www.pappers.lu/company/atlacem-sa-rl-B270176?
https://www.pappers.lu/company/fcomi-l-global-capital-B131725?
https://www.pappers.lu/en/company/saham-investments-viii-sa-rl-B296233?


