حين تعبر الثروة الحدود… ماذا تكشف شركات لوكسمبورغ عن العلاقة بين رأس المال المغربي والشفافية المالية؟

0
136
صورة : موقع الصحفية المغربي

في عالم المال، لا تتحرك الثروات كما يتحرك الناس. فبينما يحتاج الإنسان إلى جواز سفر وتأشيرة لعبور الحدود، تستطيع الرساميل أن تنتقل في ثوانٍ بين القارات، وأن تستقر داخل شركات قابضة لا تصنع سلعة، ولا تبيع خدمة، ولا تفتح محلاً تجارياً، لكنها قد تدير ملايين أو حتى مليارات اليوروهات. لذلك، لم تعد الأسئلة الكبرى في الاقتصاد العالمي تتعلق فقط بمن يملك المال، بل بكيفية إدارة هذا المال، وأين تتم إدارته، وتحت أي قوانين، ومن يراقب مساره عندما يغادر دولة إلى أخرى.

من هذا المنطلق، أعادت الوثائق المرتبطة بمشروع OpenLux، وما تبعها من مراجعات للسجلات التجارية المفتوحة في لوكسمبورغ، طرح نقاش حساس داخل المغرب، بعد ظهور أسماء شخصيات مغربية معروفة، من رجال أعمال ومسؤولين وشخصيات نافذة، مرتبطة بشركات واستثمارات مسجلة في الدوقية الأوروبية. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الملف لا تكمن في الأسماء وحدها، بل في الأسئلة التي يثيرها حول طبيعة الاقتصاد المغربي، وعلاقة النخب الاقتصادية بالمراكز المالية العالمية، وحدود الرقابة القانونية على حركة الرساميل عبر الحدود.

وهنا يصبح من الضروري التمييز، منذ البداية، بين الواقعة والاستنتاج. فالواقعة هي أن سجلات لوكسمبورغ تظهر وجود شركات مرتبطة بأسماء مغربية. أما الاستنتاج بأن مجرد وجود تلك الشركات يعني وقوع مخالفة قانونية أو تهرباً ضريبياً أو غسل أموال، فهو استنتاج لا تدعمه الوثائق وحدها، ولا يجوز تبنيه دون أدلة قضائية أو تنظيمية واضحة. وهذه ليست مجرد ملاحظة قانونية، بل قاعدة أساسية من قواعد الصحافة المهنية التي تحترم قرينة البراءة، وتفصل بين ما تثبته الوثائق وما تتركه مفتوحاً أمام التحقيق.

لكن، إذا كانت ملكية شركة في لوكسمبورغ ليست جريمة، فلماذا أثارت هذه الوثائق كل هذا الاهتمام؟

الإجابة تبدأ من فهم المكان نفسه.

لوكسمبورغ ليست دولة عادية في الاقتصاد الأوروبي. فرغم أن عدد سكانها لا يتجاوز بضع مئات الآلاف، فإنها تحولت خلال العقود الأخيرة إلى أحد أكبر المراكز المالية في العالم، وإلى وجهة مفضلة للصناديق الاستثمارية العالمية، والمكاتب العائلية، وشركات إدارة الأصول، والمؤسسات متعددة الجنسيات. ويعود ذلك إلى منظومة قانونية مستقرة، وقضاء تجاري متخصص، واتفاقيات واسعة لتجنب الازدواج الضريبي، وبنية مالية تجعل من السهل إنشاء شركات قابضة لإدارة الاستثمارات العابرة للحدود.

ولهذا السبب، فإن آلاف الشركات الأوروبية والأمريكية والآسيوية، إضافة إلى مستثمرين من الشرق الأوسط وإفريقيا، اختاروا لوكسمبورغ مقراً لشركاتهم القابضة، ليس بالضرورة للتهرب من القوانين، وإنما لأنها توفر أدوات قانونية ومالية متقدمة لإدارة الأصول الدولية.

ومن هنا تبدأ الإشكالية الحقيقية.

فالتحقيق لا ينبغي أن يسأل: لماذا توجد شركة في لوكسمبورغ؟ بل يجب أن يسأل: كيف مُولت؟ وهل احترمت قوانين بلد المنشأ؟ وهل صُرّح بالأموال والأرباح وفق القوانين السارية؟ وهل توجد رقابة فعالة على حركة الرساميل؟

هذه هي الأسئلة التي تهم الرأي العام، لأنها تتعلق بالمساواة أمام القانون، وليس بمكان تسجيل الشركة.

وفي الحالة المغربية، تصبح هذه الأسئلة أكثر حساسية لأن حركة الرساميل نحو الخارج لا تخضع لحرية مطلقة، وإنما ينظمها إطار قانوني دقيق تشرف عليه السلطات المختصة، وعلى رأسها مكتب الصرف، الذي يحدد قواعد الاستثمار في الخارج، ويراقب التصاريح والتحويلات المالية وفق النصوص التنظيمية المعمول بها. لذلك، فإن القضية لا تتعلق بوجود شركات خارج المغرب، وإنما بمدى احترام المساطر القانونية التي تحكم انتقال الأموال من الداخل إلى الخارج، وبالشفافية في التصريح بالمستفيدين الحقيقيين، ومصادر التمويل، والعائدات المحققة.

وهنا يبرز سؤال أكثر عمقاً.

هل نحن أمام ظاهرة استثنائية تخص بعض الأسماء المغربية، أم أننا أمام انعكاس طبيعي لتحول رأس المال المغربي إلى رأس مال عابر للحدود، كما حدث في اقتصادات أخرى؟

هذا السؤال يقودنا إلى إعادة النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى الاستثمار الخارجي. فالمستثمر الذي يوسع نشاطه خارج وطنه ليس بالضرورة هارباً من الضرائب، كما أن كل شركة قابضة ليست بالضرورة غطاءً لإخفاء الأموال. في المقابل، لا يعني ذلك أيضاً أن كل العمليات المالية سليمة تلقائياً، أو أنها معفاة من الرقابة. فالاقتصاد الحديث يقوم على مبدأ مزدوج: حرية الاستثمار، مقابل الشفافية الكاملة في مصدر الأموال ومسارها والتزاماتها الضريبية والتنظيمية.

ومن هنا، يتحول الملف من قضية أسماء إلى قضية مؤسسات.

فإذا كانت القوانين تسمح بالاستثمار الخارجي وفق ضوابط محددة، فإن السؤال الحقيقي هو: هل تُطبق هذه الضوابط بالقدر نفسه على جميع الفاعلين الاقتصاديين؟ أم أن النفوذ الاقتصادي والسياسي قد يمنح، في بعض الحالات، قدرة أكبر على الوصول إلى أدوات مالية معقدة يصعب على المستثمر العادي استخدامها؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يبدأ منه التحقيق، لأنه لا يبحث عن الإثارة، بل عن فهم العلاقة بين الثروة، والقانون، والدولة.

يتبع في الجزء الثاني… حيث سنفكك بالتفصيل طبيعة شركات SOPARFI وSCS، ونحلل الشركات الواردة في الملف واحدةً واحدةً، ونضع أرقامها في سياقها المالي الحقيقي، بعيدًا عن الانطباعات السريعة.

حين تصبح الشركات القابضة عنوانًا للنقاش… هل تكشف الوثائق ما تخفيه الثروات أم تكشف فقط طبيعة الاقتصاد العالمي؟

إذا كان الجزء الأول قد وضع القضية في إطارها العام، فإن الدخول إلى التفاصيل يفرض الابتعاد عن الانطباعات التي تصنعها الأسماء الكبيرة، والاقتراب أكثر من لغة الوثائق نفسها. فالأرقام، في الملفات المالية، قد تبدو صادمة لأول وهلة، لكنها لا تكتسب معناها الحقيقي إلا عندما تُقرأ داخل السياق القانوني والمحاسبي الذي أُنشئت فيه تلك الشركات.

وهنا يقع كثير من النقاش العام في خطأ شائع، يتمثل في اعتبار أن كل شركة لا تحقق رقم معاملات، أو تعلن خسائر، أو تعتمد على القروض، هي شركة مشبوهة. بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير.

فالوثائق التي تناولت الشركات المرتبطة بعدد من الأسماء المغربية تُظهر أن نسبة مهمة منها مصنفة ضمن شركات SOPARFI أو SCS، وهي صيغ قانونية معروفة داخل لوكسمبورغ، تستعملها آلاف المجموعات الاقتصادية العالمية لإدارة الاستثمارات العابرة للحدود، وامتلاك حصص في شركات أخرى، وإعادة هيكلة رؤوس الأموال، وليس لممارسة نشاط تجاري مباشر كالإنتاج أو البيع أو الخدمات اليومية.

وهذا يفسر غياب رقم معاملات في عدد من هذه الشركات، لأن الشركة القابضة بطبيعتها قد لا تبيع منتجًا واحدًا طوال سنوات، بينما تدير في المقابل استثمارات بمئات الملايين من اليوروهات. كما يفسر أيضًا وجود خسائر محاسبية في سنة معينة، قد تنتج عن إعادة تقييم الأصول، أو تكاليف التمويل، أو انخفاض قيمة الاستثمارات، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود أزمة مالية حقيقية.

من هنا، فإن القراءة المهنية للوثائق لا تبدأ من السؤال: “كم ربحت الشركة؟”، بل من سؤال آخر أكثر أهمية: “ما هو الغرض القانوني الذي أُنشئت من أجله؟ وكيف تم تمويلها؟ وهل يتوافق نشاطها مع طبيعتها القانونية؟”

هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عند الانتقال إلى الأسماء الواردة في الملف.

فعلى سبيل المثال، تُظهر الوثائق المتعلقة بشركة Belere المرتبطة بمهدي الجواهري، انتقالًا سريعًا في حجم الأصول خلال السنوات الأولى، قبل أن تتراجع لاحقًا، مع ظهور خسائر وحقوق ملكية سالبة وديون قصيرة الأجل في أحدث البيانات المتاحة. هذه الأرقام قد تبدو مقلقة للقارئ غير المتخصص، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على سلامة الشركة أو عدمها، لأن الشركات الاستثمارية تمر أحيانًا بمراحل تمويل وإعادة هيكلة تؤدي إلى تغيرات حادة في الميزانية دون أن تعكس بالضرورة نشاطًا غير مشروع. لذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بحجم الأصول أو الخسائر، بل بمصدر الأموال، وطبيعة القروض، ومدى احترام قواعد الإفصاح والرقابة.

وينطبق الأمر ذاته على الشركة المرتبطة بإدريس الفيلالي، التي اعتمد تمويلها أساسًا على قروض المساهمين. ففي عالم الشركات القابضة، لا يُعد تمويل الشركة عبر قروض من الشركاء أمرًا استثنائيًا، بل هو أسلوب معروف في إدارة الاستثمارات. غير أن المشروعية لا تُقاس بطريقة التمويل وحدها، وإنما بمدى التصريح بهذه العمليات، واحترامها للقوانين الضريبية والمالية في الدولة التي خرجت منها الأموال والدولة التي استقبلتها.

أما شركة MEDIMMO المرتبطة بالأمير عبد الله بن مولاي علي العلوي، فتبدو مختلفة نسبيًا، لأنها من الكيانات القليلة التي تظهر لها مداخيل تشغيلية مرتبطة بالنشاط العقاري، إلى جانب محافظ استثمارية. وهذا يعني أن الشركة تجمع بين إدارة الأصول وبعض الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالعقار، وهو نموذج معروف في الأسواق الأوروبية، ولا يحمل في ذاته أي دلالة قانونية سلبية.

وبالنسبة لرجل الأعمال أنس الصفريوي، فإن الوثائق المتعلقة بشركة Atlacem تكشف هي الأخرى عن شركة قابضة ترتبط باستثمارات خارجية، من بينها استثمار في المكسيك، مع تسجيل خسائر محاسبية وارتفاع في الالتزامات المالية. ومرة أخرى، لا تسمح هذه المؤشرات وحدها بالحديث عن مخالفة، لكنها تفتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية: كيف تُدار هذه الاستثمارات؟ وهل تم تمويلها وفق القوانين المنظمة لتحويل الرساميل من المغرب إلى الخارج؟ هذا السؤال يظل مشروعًا، لكنه يحتاج إلى أجوبة من الجهات الرقابية، وليس إلى استنتاجات مسبقة.

وتزداد الصورة تعقيدًا عند الحديث عن عثمان بنجلون، الذي تكشف الوثائق ارتباطه بعدة شركات استثمارية وقابضة في لوكسمبورغ. فوجود شبكة من الشركات داخل مركز مالي عالمي ليس أمرًا نادرًا بالنسبة لمجموعة مصرفية أو مالية تعمل في أكثر من سوق. إلا أن هذا الامتداد المالي يطرح بدوره أسئلة حول آليات الحكامة، وإدارة المخاطر، والإفصاح، والرقابة العابرة للحدود، وهي أسئلة تُطرح على جميع المجموعات الكبرى في العالم، وليس على المستثمرين المغاربة وحدهم.

أما الشركة الحديثة المرتبطة بحفيظ العلمي، فإن حداثة تأسيسها تجعل من المبكر استخلاص أي قراءة مالية معمقة، لغياب حسابات سنوية كافية. وهو ما يذكرنا بقاعدة أساسية في الصحافة الاستقصائية: غياب المعلومات لا يبرر ملء الفراغ بالافتراضات.

وفي المقابل، تكشف قضية غيثة لحلو اليعقوبي أهمية التمييز بين الملكية والعضوية الإدارية. فوجود اسم شخص في مجلس رقابة أو إدارة شركة لا يعني أنه مالك لها أو مستفيد اقتصادي منها. وهذا التفصيل، الذي قد يبدو تقنيًا، يمثل في الحقيقة فارقًا جوهريًا بين التحقيق المهني والقراءة الانطباعية، لأن الخلط بين الصفتين قد يقود إلى استنتاجات خاطئة تضر بحقوق الأفراد وبمصداقية العمل الصحفي.

عند هذه النقطة، يتبين أن الوثائق لا تقول إن هناك جريمة، كما أنها لا تقول إن كل شيء طبيعي. إنها ببساطة تفتح نافذة على عالم معقد تتحرك فيه الرساميل عبر الحدود، وتنتقل فيه الأصول بين شركات وصناديق واستثمارات متعددة الجنسيات، وفق هياكل قانونية قد تبدو غامضة للرأي العام، لكنها مألوفة داخل الصناعة المالية الدولية.

غير أن هذا التعقيد لا يعفي المؤسسات الرقابية من مسؤولياتها. فكلما ازدادت حركة الأموال عبر الحدود، ازدادت الحاجة إلى منظومة رقابة قادرة على تتبع مصادر التمويل، والتحقق من التصاريح، وضمان احترام قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتأكد من أن الامتيازات القانونية لا تتحول إلى منافذ للإفلات من المساءلة.

وهنا ينتقل التحقيق من قراءة ميزانيات الشركات إلى سؤال أكبر: هل تمتلك الدولة المغربية، بمؤسساتها الرقابية والضريبية والمالية، الأدوات الكافية لمواكبة تعقيد الاقتصاد العالمي، أم أن سرعة انتقال الرساميل أصبحت تتجاوز سرعة تطور آليات الرقابة؟

ذلك هو السؤال الذي سيقودنا في الجزء الثالث إلى تحليل دور مكتب الصرف، والرقابة على الاستثمارات الخارجية، والفارق بين التخطيط الضريبي المشروع، والتهرب الضريبي، وغسل الأموال، وكيف تنظر المنظمات الدولية إلى هذه الحدود الدقيقة.

بين حرية الاستثمار وحدود الرقابة… هل تملك الدولة الأدوات الكافية لمواكبة رأس المال العابر للحدود؟

كلما تعمقنا في قراءة هذا الملف، يتبين أن القضية لا تتعلق في جوهرها بلوكسمبورغ، ولا بالأسماء التي ظهرت في سجلاتها التجارية، بقدر ما تتعلق بسؤال أكثر حساسية: كيف تراقب الدولة المغربية حركة الرساميل عندما تغادر حدودها؟

ففي الاقتصاد الحديث، لم تعد الرقابة تعني منع انتقال الأموال، بل تعني القدرة على معرفة مصدرها، ووجهتها، وسبب انتقالها، ومدى احترامها للقوانين الوطنية والدولية. ولهذا السبب، لم يعد نجاح الدول يقاس بقدرتها على إغلاق الحدود المالية، وإنما بقدرتها على إدارة انفتاحها الاقتصادي دون أن يتحول إلى مساحة رمادية يصعب إخضاعها للمساءلة.

من هنا، يصبح الحديث عن الشركات المغربية في لوكسمبورغ حديثًا عن مؤسسات الرقابة المغربية نفسها. فالمغرب، منذ سنوات، اختار الانخراط التدريجي في الاقتصاد العالمي، ووقع عشرات اتفاقيات الاستثمار، وأصبح يشجع المقاولات الوطنية على التوسع خارج الحدود، سواء في إفريقيا أو أوروبا أو الشرق الأوسط. لكن هذا الانفتاح كان يفرض، في المقابل، تطوير أدوات رقابية قادرة على مرافقة هذا التحول، حتى لا يصبح تحرير الاستثمار مرادفًا لتراجع الرقابة.

ولعل أول مؤسسة تقف في قلب هذا النقاش هي مكتب الصرف.

كثير من المغاربة يعرفون مكتب الصرف باعتباره المؤسسة التي تراقب تحويل العملة، لكن اختصاصه في الواقع أوسع بكثير. فهو يشكل إحدى أهم حلقات تنظيم العلاقة المالية بين المغرب والعالم الخارجي، إذ يتولى مراقبة عمليات الاستثمار بالخارج، وتحويل الأرباح، وتمويل الشركات الأجنبية، والتأكد من احترام القواعد المنظمة لخروج الرساميل من التراب الوطني.

وهنا تظهر أول نقطة تستحق التوقف.

فإذا كان رجل الأعمال أو المستثمر المغربي يرغب في إنشاء شركة خارج المغرب، فإن السؤال الذي يهم مكتب الصرف ليس اسم الشركة ولا الدولة التي ستسجل فيها، وإنما كيف خرجت الأموال؟ وهل تم التصريح بها؟ وهل احترمت المساطر القانونية؟

هذا هو جوهر الرقابة.

ولهذا، فإن وجود شركة في لوكسمبورغ، أو في دبي، أو في باريس، أو في نيويورك، لا يحمل في ذاته أي دلالة قانونية. أما إذا كانت الأموال التي مولت تلك الشركة قد خرجت خارج القنوات القانونية، أو لم يصرح بها، أو استعملت هياكل مالية لإخفاء المستفيد الحقيقي منها، فهنا فقط تبدأ الإشكالات القانونية التي تستوجب التحقيق الإداري أو القضائي.

ومن هنا، يبدو أن النقاش العمومي في المغرب كثيرًا ما يخلط بين مكان الاستثمار ومشروعية الاستثمار.

فالاقتصاد العالمي لا يعاقب المستثمر لأنه اختار لوكسمبورغ، بل يعاقبه إذا أخفى حقيقة الأموال، أو قدم بيانات مضللة، أو استعمل هياكل قانونية لإخفاء هوية المستفيد الحقيقي أو للالتفاف على الالتزامات الضريبية والتنظيمية.

ولهذا السبب أيضًا، شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تحولًا كبيرًا في فلسفة الرقابة المالية.

فبعد فضائح مثل LuxLeaks وPanama Papers وParadise Papers وPandora Papers، لم تعد الحكومات الأوروبية تركز فقط على حجم الأموال، بل أصبحت تركز على سؤال آخر أكثر أهمية: من هو المستفيد الحقيقي؟

لقد اكتشفت السلطات المالية في عدد من الدول أن أكبر عمليات إخفاء الثروة لا تتم عبر الحقائب المليئة بالنقود، وإنما عبر شركات قانونية تمامًا، لكنها موزعة على عدة دول، بحيث يصبح الوصول إلى المالك الحقيقي عملية شديدة التعقيد.

ولهذا ظهر مفهوم “المستفيد الحقيقي” (Beneficial Owner)، الذي أصبح أحد أهم أعمدة التشريعات الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

فقد يكون اسم الشخص غير ظاهر في السجل التجاري، بينما يسيطر فعليًا على الشركة عبر شركات أخرى أو صناديق استثمار أو وكلاء قانونيين. ومن هنا أصبحت الشفافية لا تعني فقط معرفة اسم المدير أو المساهم، وإنما معرفة الشخص الذي يملك السلطة الاقتصادية الفعلية على الأصول.

وفي هذا السياق، لم تعد لوكسمبورغ هي الدولة التي كانت قبل عشرين عامًا. فالضغوط الأوروبية والدولية دفعتها إلى تشديد قواعد الإفصاح، وإلزام الشركات بإيداع حساباتها السنوية، والتصريح بالمستفيدين الحقيقيين، والخضوع لإجراءات مكافحة غسل الأموال، شأنها شأن بقية المراكز المالية الأوروبية.

غير أن التطور التشريعي لا يعني بالضرورة انتهاء المخاطر.

فالخبراء في الجرائم المالية يؤكدون أن التعقيد المتزايد للهياكل الاستثمارية يجعل مهمة أجهزة الرقابة أكثر صعوبة، لأن الأموال لم تعد تنتقل مباشرة بين شخص وحساب مصرفي، بل تمر أحيانًا عبر سلسلة طويلة من الشركات القابضة، وصناديق الاستثمار، والائتمانات الخاصة، والولايات القضائية المختلفة، بحيث يصبح تتبع مسارها الكامل تحديًا تقنيًا وقانونيًا.

وهنا يبرز سؤال مغربي خالص.

هل تمتلك الإدارات المغربية، بما فيها مكتب الصرف، والإدارة الضريبية، ووحدة معالجة المعلومات المالية، والسلطات القضائية، ما يكفي من الموارد البشرية والتكنولوجية والخبرة الدولية لتتبع هذا النوع من الهياكل المالية المعقدة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون انطباعية، لكنها تمثل أحد أهم رهانات الدولة الحديثة.

فكلما توسعت الشركات المغربية في الخارج، وكلما أصبحت الرساميل المغربية أكثر اندماجًا في الاقتصاد العالمي، ازدادت الحاجة إلى أجهزة رقابة تمتلك القدرة على قراءة البيانات المالية العابرة للحدود، والتعاون مع السلطات الأجنبية، والاستفادة من الاتفاقيات الدولية الخاصة بتبادل المعلومات الضريبية والمالية.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول هذا النقاش إلى محاكمة للاستثمار الخارجي نفسه.

فالمغرب، الذي يسعى إلى بناء شركات قارية ودولية، يحتاج إلى رجال أعمال يستثمرون خارج حدوده، كما يحتاج في الوقت نفسه إلى قواعد واضحة تضمن أن يتم هذا التوسع في إطار من الشفافية والمنافسة العادلة واحترام القانون.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

فكلما نجح الاقتصاد المغربي في إنتاج شركات عابرة للحدود، ازدادت الحاجة إلى بناء دولة عابرة للحدود رقابيًا، قادرة على مرافقة رأس المال أينما تحرك، لا عبر التضييق عليه، بل عبر تتبع مساره، والتحقق من مشروعيته، وضمان خضوع الجميع للقواعد نفسها دون تمييز.

عند هذه النقطة، يتجاوز التحقيق حدود لوكسمبورغ نفسها، ليطرح سؤالًا أكثر عمقًا: هل أصبحت العولمة المالية تتقدم بسرعة أكبر من قدرة الدول على مراقبتها؟ أم أن الدولة الحديثة مطالبة بإعادة ابتكار أدواتها الرقابية حتى لا تتحول الحدود المفتوحة للاستثمار إلى حدود مغلقة أمام المساءلة؟

يتبع في الجزء الرابع، حيث سننتقل من الجانب القانوني إلى البعد السياسي والمؤسساتي، ونحلل ما تكشفه هذه القضية عن علاقة السلطة الاقتصادية بالثقة العامة، ولماذا أصبحت الشفافية اليوم أحد أهم مقاييس قوة الدول، وليس مجرد مطلب أخلاقي.

حين تتحول الشفافية إلى معيار للثقة… هل تكشف القضية أزمة شركات أم أزمة حوكمة؟

في كل مرة تظهر فيها وثائق مالية عابرة للحدود، ينصرف اهتمام الرأي العام تلقائيًا إلى الأسماء. من يملك الشركة؟ كم تبلغ قيمة أصولها؟ أين توجد حساباتها؟ لكن التجارب الدولية أثبتت أن هذه الأسئلة، على أهميتها، ليست سوى الطبقة الأولى من الحقيقة. أما الطبقة الأعمق، فهي تلك التي تتعلق بعلاقة الثروة بالمؤسسات، وبمدى قدرة الدولة على إقناع مواطنيها بأن القانون يُطبق على الجميع بالقدر نفسه، وأن النفوذ لا يصنع استثناءً، وأن الشفافية ليست شعارًا سياسيًا، بل ممارسة مؤسساتية قابلة للقياس.

وهنا، يتجاوز هذا الملف حدود الشركات المسجلة في لوكسمبورغ، ليصبح مرآة تعكس التحول الذي تعرفه الدولة الحديثة في علاقتها برأس المال.

فلم تعد قوة الدول تُقاس فقط بحجم ناتجها الداخلي الخام، أو بعدد المستثمرين الذين تستقطبهم، وإنما أصبحت تُقاس أيضًا بقدرتها على بناء منظومة ثقة تجعل المستثمر، والمواطن، والمؤسسات الدولية، يطمئنون إلى أن قواعد المنافسة واحدة، وأن الرقابة لا تتغير بتغير الأشخاص، وأن الوصول إلى المعلومة لا يخضع لميزان النفوذ.

ولهذا السبب، لم تعد الشفافية في القرن الحادي والعشرين مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل أصبحت أصلًا اقتصاديًا من أصول الدولة.

إن المستثمر الدولي لا يسأل فقط عن نسبة الضرائب أو تكلفة اليد العاملة، بل يسأل أيضًا عن استقلال القضاء، وفعالية أجهزة الرقابة، وسرعة الوصول إلى العدالة، وإمكانية التحقق من هوية الشركاء الاقتصاديين، ومدى احترام قواعد الإفصاح المالي. فكلما ارتفعت مؤشرات الشفافية، انخفضت تكلفة المخاطر، وارتفعت جاذبية الاقتصاد للاستثمارات طويلة الأجل.

ومن هذه الزاوية، يفرض الملف سؤالًا مشروعًا: هل يملك المغرب اليوم منظومة شفافية قادرة على مواكبة التحول الذي عرفته رساميله خلال العقدين الأخيرين؟

لقد أصبح رأس المال المغربي أكثر حضورًا في إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، وأصبحت مجموعات اقتصادية مغربية تدير استثمارات في قطاعات البنوك، والتأمين، والعقار، والصناعة، والطاقة، والخدمات. وهذا التطور يمثل، من حيث المبدأ، مؤشرًا إيجابيًا على نضج الاقتصاد الوطني. غير أن توسع النشاط الاقتصادي خارج الحدود يفرض، بالضرورة، توسعًا موازيًا في أدوات الرقابة والإفصاح والتعاون الدولي.

فالدولة التي تشجع شركاتها على الاستثمار عالميًا مطالبة، في الوقت نفسه، ببناء مؤسسات قادرة على تتبع هذه الاستثمارات، ليس بهدف التضييق عليها، وإنما لحماية الاقتصاد الوطني من المخاطر المرتبطة بتضارب المصالح، أو التهرب الضريبي، أو استعمال الهياكل العابرة للحدود بطريقة تضر بالمنافسة العادلة.

ومن هنا، لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى مواجهة بين الاستثمار والرقابة، لأنهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة.

فالاستثمار يحتاج إلى الحرية، لكن الحرية الاقتصادية لا يمكن أن تستمر دون ثقة، والثقة لا تُبنى إلا عندما تكون الرقابة مستقلة، والمعلومة متاحة، والقواعد واضحة، والمساءلة قابلة للتطبيق على الجميع دون استثناء.

ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس وجود شركات في الخارج، وإنما انتشار الاعتقاد بأن بعض الفاعلين الاقتصاديين يتمتعون بقواعد مختلفة عن غيرهم.

فعندما يشعر المستثمر الصغير أن الطريق الذي يسلكه يخضع لإجراءات معقدة، بينما يعتقد أن المستثمر الأكبر يملك قدرة أكبر على تجاوزها، فإن الضرر لا يصيب الإدارة وحدها، بل يصيب فكرة العدالة الاقتصادية نفسها.

وهنا تبرز أهمية المؤسسات الرقابية، ليس فقط باعتبارها أجهزة تفتيش، بل باعتبارها مؤسسات لإنتاج الثقة.

إن قوة مكتب الصرف، والإدارة الضريبية، والهيئات المكلفة بمكافحة غسل الأموال، لا تُقاس بعدد الملفات التي تفتحها، وإنما بقدرتها على إقناع المجتمع بأن القانون يعمل بصمت، وباستمرار، وبالمعايير نفسها، سواء تعلق الأمر بمقاولة صغيرة في مدينة مغربية، أو بمجموعة استثمارية تدير أصولًا في عدة قارات.

ومن زاوية أخرى، يكشف هذا الملف تحولًا أعمق في طبيعة العلاقة بين الصحافة والسلطة الاقتصادية.

فلم تعد الصحافة الاستقصائية، في العالم، تقتصر على كشف فضيحة أو نشر وثيقة، بل أصبحت تؤدي وظيفة رقابية موازية، تقوم على تفسير المعلومات المالية المعقدة، وربطها بالسياق القانوني والاقتصادي، وإتاحة النقاش العمومي حولها، دون أن تتحول إلى سلطة اتهام أو إلى محكمة موازية.

وهذا التوازن هو ما يمنح التحقيقات الكبرى مصداقيتها.

فالوثيقة ليست حكمًا قضائيًا، كما أن غياب الإدانة لا يعني غياب حق المجتمع في التساؤل.

وبين هذين الحدين تتحرك الصحافة المهنية: لا تدين دون دليل، ولا تصمت عندما تظهر معطيات تستحق النقاش.

ولهذا، فإن القيمة الحقيقية للوثائق التي تناولت الشركات المرتبطة بعدد من الشخصيات المغربية لا تكمن في أنها تثبت وجود مخالفة، بل في أنها تكشف حجم التشابك الذي أصبح يميز الاقتصاد المغربي داخل المنظومة المالية العالمية.

لقد انتقل رأس المال المغربي من مرحلة الاستثمار المحلي إلى مرحلة بناء شبكات استثمارية تمتد عبر عدة ولايات قضائية، مستفيدًا من أدوات قانونية ومالية متطورة. وهذا التحول، في حد ذاته، ليس مشكلة، بل قد يكون أحد مظاهر نضج القطاع الخاص المغربي. غير أن نجاح هذا النموذج يبقى مرتبطًا بقدرة الدولة على مرافقة هذا التطور بأدوات رقابة لا تقل تطورًا.

وهنا يبرز سؤال سياسي ومؤسساتي بالغ الأهمية.

هل يحتاج المغرب، بعد هذا النوع من الملفات، إلى مراجعة بعض آليات الإفصاح المالي؟ وهل أصبحت الحاجة ملحة لتعزيز التعاون بين مكتب الصرف، والإدارة الجبائية، ووحدة معالجة المعلومات المالية، وبنك المغرب، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، حتى تصبح مراقبة الرساميل العابرة للحدود أكثر تكاملًا؟

هذه الأسئلة لا تحمل في ذاتها اتهامًا لأحد، لكنها تعكس تطورًا طبيعيًا تعرفه جميع الاقتصادات المنفتحة.

فكلما أصبح رأس المال أكثر عالمية، أصبحت الرقابة مطالبة بأن تكون أكثر تكاملًا، وأكثر اعتمادًا على تبادل المعلومات، والتحليل المالي، والرقمنة، والتعاون القضائي الدولي.

وعند هذه النقطة، يتضح أن القضية لم تعد قضية لوكسمبورغ، ولا قضية أسماء بعينها، بل قضية نموذج حكامة.

إنها دعوة لإعادة التفكير في العلاقة بين الثروة، والشفافية، والمؤسسات، وفي الكيفية التي تستطيع بها الدولة أن تحمي اقتصادها، دون أن تعرقل حركته، وأن تشجع الاستثمار، دون أن تضعف الرقابة، وأن تفتح أبواب العولمة، دون أن تغلق أبواب المساءلة.

يتبع في الجزء الخامس والأخير، حيث سننتقل من تحليل الوقائع إلى استخلاص الدلالات الكبرى، وننهي التحقيق بخاتمة فكرية تضع القارئ أمام السؤال الأهم: هل أصبحت الشفافية اليوم هي الثروة الحقيقية للدول، قبل أن تكون الثروة في حجم الرساميل نفسها؟

ما بعد الوثائق… عندما تصبح الشفافية رأسمالًا استراتيجيًا للدولة

بعد استعراض الأسماء، وتحليل طبيعة الشركات، وقراءة الأطر القانونية التي تحكم حركة الرساميل بين المغرب والخارج، يتضح أن القضية لم تعد تتعلق بما إذا كانت شركة ما مسجلة في لوكسمبورغ أو في أي مركز مالي دولي آخر. فالعولمة الاقتصادية جعلت من انتقال الاستثمارات بين الدول ممارسة اعتيادية بالنسبة لكبرى الشركات والمجموعات الاقتصادية. لكن ما لم يصبح اعتياديًا بعد، هو قدرة الدول على مواكبة هذه السرعة في انتقال الأموال بمنظومات رقابية توازيها في الكفاءة والفعالية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي يكشفها هذا الملف.

لقد نجحت العولمة في إزالة كثير من الحواجز أمام انتقال رأس المال، لكنها لم تنجح بالسرعة نفسها في توحيد أدوات الرقابة بين الدول. فما تزال المعلومات موزعة بين سلطات ضريبية مختلفة، وسجلات تجارية متعددة، وأنظمة قانونية متباينة، وهو ما يمنح الشركات الدولية إمكانيات واسعة لإعادة هيكلة استثماراتها بصورة قانونية، لكنه يضع في المقابل أجهزة الرقابة أمام تحديات غير مسبوقة.

ومن هذا المنظور، فإن الوثائق المتعلقة بالشركات المرتبطة بعدد من الشخصيات المغربية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها ملفًا للأشخاص، بقدر ما ينبغي أن تُقرأ باعتبارها اختبارًا للمؤسسات.

فالأسئلة التي يطرحها الرأي العام اليوم لا تنتظر إجابات من رجال الأعمال وحدهم، وإنما تنتظر أيضًا توضيحات من المؤسسات المكلفة بالرقابة والتنظيم. فكلما كانت القواعد واضحة، وكلما كانت المعلومات متاحة في حدود ما يسمح به القانون، تراجعت مساحة الشك، وارتفعت الثقة في المؤسسات.

وهذا يقودنا إلى نقطة غالبًا ما تغيب عن النقاش العمومي.

إن الشفافية لا تُمارس فقط عندما تظهر فضيحة، بل تُبنى قبل ذلك بسنوات عبر مؤسسات تنشر المعلومات، وتُيسر الوصول إلى البيانات، وتوضح للرأي العام كيف تعمل منظومة الرقابة، وما هي الضمانات التي تمنع تضارب المصالح أو إساءة استعمال الهياكل المالية الدولية.

ففي الاقتصادات المتقدمة، لا تُقاس قوة المؤسسات بعدد الملفات السرية التي تحتفظ بها، وإنما بقدرتها على جعل الجزء الأكبر من المعلومات الاقتصادية متاحًا للمجتمع، مع احترام الحياة الخاصة والأسرار التجارية المشروعة. فالشفافية ليست نقيضًا للاستثمار، بل أصبحت اليوم أحد شروطه الأساسية.

ولعل أهم ما كشفته التجارب الدولية، منذ LuxLeaks إلى OpenLux وPandora Papers، ليس فقط وجود هياكل مالية معقدة، وإنما التحول الذي عرفته الصحافة نفسها. فقد أصبحت الصحافة الاستقصائية تعتمد على تحليل قواعد البيانات، والسجلات التجارية، والوثائق المالية، والتعاون العابر للحدود، أكثر من اعتمادها على التسريبات الفردية أو المصادر التقليدية.

وهذا التحول يفرض، بدوره، مسؤولية مضاعفة على الصحفي.

فالصحافة المهنية لا تبحث عن الإثارة بقدر ما تبحث عن الفهم. وهي لا تعتبر الوثيقة حكمًا قضائيًا، ولا تجعل من ظهور اسم في سجل تجاري دليلًا على ارتكاب مخالفة. لكنها، في المقابل، ترى أن من حق المجتمع أن يفهم كيف تتحرك الرساميل، وكيف تُدار الاستثمارات، وكيف تراقب المؤسسات العمومية هذه التحولات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشخصيات ذات حضور اقتصادي أو مؤسساتي بارز.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذا الملف لا تكمن في الأرقام التي أعلنتها بعض الشركات، ولا في حجم أصولها أو خسائرها، بل في الرسالة التي يبعث بها إلى الدولة والمجتمع معًا.

رسالته الأولى أن الاقتصاد المغربي دخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها الثروة محصورة داخل الحدود الوطنية، بل أصبحت جزءًا من شبكة مالية عالمية تتطلب أدوات قانونية ومؤسساتية أكثر تطورًا.

ورسالته الثانية أن الاستثمار الخارجي، مهما بلغ حجمه، لن يكتسب شرعيته المجتمعية الكاملة إلا إذا اقترن بأعلى درجات الإفصاح والامتثال والشفافية، لأن الرأي العام لا يحاكم النجاح الاقتصادي، بل يريد أن يطمئن إلى أن النجاح تحقق داخل قواعد واحدة تطبق على الجميع.

أما رسالته الثالثة، فهي أن المؤسسات الرقابية لم تعد مطالبة فقط بتطبيق القانون، بل أيضًا بشرح كيفية تطبيقه. ففي زمن البيانات المفتوحة، لم يعد الصمت المؤسسي دائمًا خيارًا ناجحًا، لأن الفراغ المعلوماتي غالبًا ما تملؤه التأويلات، بينما يظل التواصل المبني على الوقائع أحد أهم أدوات بناء الثقة.

وربما لهذا السبب، فإن السؤال الذي يبدأ به هذا التحقيق ليس هو السؤال الذي ينتهي به.

لقد بدأ بالسؤال: لماذا توجد شركات مغربية في لوكسمبورغ؟

لكنه ينتهي بسؤال أكثر عمقًا:

هل أصبحت قدرة الدولة على إنتاج الثقة، عبر الشفافية والرقابة وتكافؤ تطبيق القانون، أهم من قدرتها على مراقبة حركة الأموال نفسها؟

ففي عالم لم تعد الثروات تعترف بالحدود، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بحجم احتياطاتها المالية أو عدد شركاتها الكبرى، بل أصبحت تُقاس أيضًا بقدرتها على إقناع مواطنيها وشركائها بأن القانون لا يتغير بتغير الأسماء، وأن المؤسسات أقوى من النفوذ، وأن الشفافية ليست استجابة لأزمة عابرة، بل جزء من عقد جديد بين الدولة والمجتمع.

ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي يتركه هذا الملف مفتوحًا أمام المغرب، كما تركته قبله ملفات مشابهة في دول كثيرة: إن المستقبل لن يكون للأموال التي تعبر الحدود فحسب، بل للدول التي تستطيع أن تجعل من الشفافية رأس مالها الاستراتيجي الأول، ومن الثقة العمومية أهم استثمار طويل الأمد في القرن الحادي والعشرين.

إدريس الفيلالي.. شركة قابضة ممولة بقروض المساهمين

https://www.pappers.lu/en/company/belere-sarl-B240862?

https://www.pappers.lu/company/atlacem-sa-rl-B270176?

https://www.pappers.lu/company/fcomi-l-global-capital-B131725?

https://www.pappers.lu/en/company/saham-investments-viii-sa-rl-B296233?