السيادة الغذائية أم سيادة الخطاب؟.. عندما يعود مهندس “المغرب الأخضر” ليدافع عن حصيلة سبعة عشر عاماً

0
98
موقع الاحرار

قال رئيس الحكومة عزيز أخنوش أمام مجلس المستشارين إن حكومته “منخرطة ومنفتحة على كل المبادرات البرلمانية الرقابية والتشريعية المرتبطة بالسيادة الغذائية”، مؤكداً أن الأمن الغذائي أصبح جزءاً من السيادة الوطنية، وأن المغرب اختار منذ سنة 2008، عبر مخطط المغرب الأخضر، بناء منظومة فلاحية حديثة قادرة على مواجهة الجفاف والتغيرات المناخية وتقلبات الأسواق العالمية.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بما قاله رئيس الحكومة، وإنما بمن قاله.

فهل يمكن الحديث اليوم عن “بناء السيادة الغذائية” بمعزل عن حصيلة سبعة عشر عاماً من السياسات الفلاحية التي كان عزيز أخنوش نفسه مهندسها الأول؟ أليس هو من تولى وزارة الفلاحة والصيد البحري منذ إطلاق مخطط المغرب الأخضر سنة 2008 إلى غاية توليه رئاسة الحكومة؟ وإذا كانت السيادة الغذائية ما تزال هدفاً لم يتحقق بالكامل، فمن يتحمل مسؤولية هذا التأخر؟ وهل يكفي تغيير الموقع من وزير إلى رئيس حكومة لتتحول المسؤولية إلى مجرد خطاب سياسي جديد؟

هذه الأسئلة لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف منطق المحاسبة في السياسات العمومية.

لقد قدم مخطط المغرب الأخضر، عند إطلاقه، باعتباره ثورة فلاحية غير مسبوقة، باستثمارات ضخمة، وبرامج لتحديث الزراعة، وجلب الرساميل، ورفع الصادرات، وتحسين القيمة المضافة للقطاع. ولا أحد يمكنه إنكار أن المغرب عرف تطوراً ملحوظاً في بعض سلاسل الإنتاج، خاصة الفواكه الحمراء، والحوامض، والخضر الموجهة للتصدير، كما ارتفعت صادرات المنتجات الفلاحية بشكل مهم خلال السنوات الماضية، وأصبحت المملكة فاعلاً معترفاً به في عدد من الأسواق الدولية. كما شهد القطاع تحديثاً في تقنيات الري والاستثمار الفلاحي، قبل أن يُستكمل هذا التوجه باستراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030”.

لكن نجاح المؤشرات الاقتصادية لا يعني بالضرورة تحقق السيادة الغذائية.

فالسيادة الغذائية ليست مجرد ارتفاع في قيمة الصادرات، وإنما قدرة الدولة على ضمان غذاء كافٍ ومستدام وبأسعار معقولة لمواطنيها، مع تقليل الارتهان للأسواق الخارجية، وحماية الفلاحين الصغار، وتحقيق توازن بين التصدير والاستهلاك الداخلي.

وهنا تبدأ المفارقة.

فخلال السنوات الأخيرة عاش المغاربة موجات متتالية من ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، والدواجن، والبيض، وزيت الزيتون، وعدد من الخضر والفواكه. واضطرت الحكومة إلى استيراد الأغنام والأبقار واللحوم الحمراء، مع تقديم إعفاءات جمركية وضريبية لتخفيف الضغط على الأسعار، غير أن النتائج بقيت محل نقاش واسع داخل البرلمان والرأي العام.

فإذا كانت البلاد قد وصلت إلى مرحلة تستورد فيها بعض المواد الأساسية لتأمين السوق، فإلى أي مدى يمكن اعتبار ذلك تجسيداً لمفهوم السيادة الغذائية؟

ثم إن الحديث عن الأمن الغذائي لا يمكن فصله عن معضلة الماء.

فالمغرب يعيش منذ سنوات واحدة من أصعب موجات الجفاف في تاريخه الحديث، مع انخفاض الموارد المائية إلى مستويات مقلقة، وهو ما دفع الدولة إلى إطلاق برامج كبرى لتحلية مياه البحر، وبناء السدود، وربط الأحواض المائية، وإعادة ترتيب الأولويات المائية.

غير أن هذا الواقع يعيد طرح سؤال آخر أكثر حساسية: هل كانت الخيارات الزراعية التي شجعت الزراعات التصديرية ذات الاستهلاك الكبير للمياه منسجمة مع واقع الندرة المائية؟ أم أن النمو الاقتصادي الفلاحي سبق التفكير في الاستدامة البيئية؟

إن هذا النقاش ليس جديداً، فقد أثار عدد من الخبراء والباحثين منذ سنوات إشكالية التوازن بين الزراعات التصديرية والزراعات المرتبطة بالأمن الغذائي، وبين تشجيع الاستثمارات الكبرى وحماية الفلاحة العائلية الصغيرة، معتبرين أن تحقيق السيادة الغذائية يتطلب مراجعة مستمرة للسياسات وفق التحولات المناخية والديموغرافية.

من زاوية أخرى، يبدو لافتاً أن رئيس الحكومة دعا البرلمان إلى ممارسة الرقابة والتشريع في هذا المجال، وهو توجه إيجابي من حيث المبدأ، لأن السيادة الغذائية ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي قضية دولة ومؤسسات.

لكن الرقابة البرلمانية الحقيقية لا تبدأ من المستقبل فقط، بل تشمل أيضاً تقييم الماضي.

فإذا كان مخطط المغرب الأخضر قد انتهى رسمياً، فمن الطبيعي أن يتساءل البرلمان والرأي العام عن حصيلته الدقيقة: ماذا تحقق؟ وما الذي لم يتحقق؟ وما حجم الأموال العمومية التي استثمرت؟ وما أثرها على دخل الفلاح الصغير؟ وكيف انعكست على أسعار المواد الغذائية؟ وهل كانت الأولوية للمستهلك المغربي أم للأسواق الخارجية؟

إن الديمقراطيات المتقدمة لا تعتبر تقييم البرامج العمومية هجوماً على أصحابها، بل تعتبره شرطاً لتطويرها.

وهنا تتجاوز القضية شخص عزيز أخنوش لتلامس فلسفة تدبير الشأن العام في المغرب.

فالدول لا تُقاس بجمال الاستراتيجيات التي تعلنها، بل بقدرتها على إخضاع تلك الاستراتيجيات للمراجعة والنقد والمحاسبة. والسيادة الغذائية لا تتحقق عبر الخطب وحدها، وإنما عبر مؤشرات ملموسة يشعر بها المواطن عندما يدخل السوق، وعندما يطمئن الفلاح إلى مستقبل أرضه، وعندما يصبح الأمن الغذائي حقيقة يومية لا شعاراً موسمياً.

ويبقى السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه بعد سبعة عشر عاماً من إطلاق “المغرب الأخضر” ليس: هل نملك استراتيجية للسيادة الغذائية؟ بل: هل نملك الشجاعة السياسية والمؤسساتية لإجراء تقييم مستقل وشفاف لهذه التجربة، بما لها وما عليها، قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة؟ لأن الأمم التي لا تراجع سياساتها، قد تجد نفسها تعيد إنتاج الأسئلة نفسها، ولو تغيرت العناوين والخطابات.