في السنوات الأخيرة، تحولت كلمة “الفراقشية” في المخيال المغربي من توصيف لفئة من الوسطاء والمتاجرين في المواشي إلى مفهوم سياسي واجتماعي وثقافي أوسع، يكاد يختزل نمطا كاملا من التدبير يقوم على اقتناص الامتيازات وتحويل الموارد العمومية إلى غنائم خاصة. وإذا كانت قضية دعم استيراد المواشي قد فجرت نقاشا وطنيا واسعا حول طبيعة العلاقة بين المال العام والمصالح الخاصة، فإن ما يجري داخل بعض دوائر الحقل الثقافي المغربي لا يقل إثارة للأسئلة والإحراج. فهناك، أيضا، نوع آخر من “الفراقشية” لا يتاجر في الأغنام والعجول، بل في الرموز والقيم والمعاني والجوائز والدعم العمومي والاعتراف الثقافي.
لقد كان من المفترض أن يشكل الدعم الثقافي العمومي أداة استراتيجية لبناء الإبداع الوطني، وتشجيع البحث العلمي، وتطوير الفنون والآداب، وخلق شروط التنافس الشريف بين المبدعين. كما كان من المفترض أن تتحول الجوائز الوطنية الكبرى إلى آلية لتكريس الاستحقاق والكفاءة والتميز. غير أن جزءا من الرأي الثقافي المغربي أصبح ينظر إلى هذه الآليات بعين الشك والريبة، ليس بسبب وجود خلل قانوني بالضرورة، وإنما بسبب تكرار الإحساس بأن النتائج كثيرا ما تُحسم خارج منطق الجودة الأدبية والفنية أو القيمة النقدية والفكرية.
ثم إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حقل ثقافي ليس نقص التمويل، بل فقدان الثقة. فحين يبدأ المثقف في الاعتقاد بأن قيمة الكتاب لم تعد هي المعيار الحاسم، وأن جودة العمل الفني لم تعد العامل الأساسي في الحصول على الدعم أو الجائزة، يدخل المجال الثقافي برمته في أزمة شرعية. عندها تتحول المؤسسات الثقافية من فضاءات لتكريس التميز إلى فضاءات لإعادة إنتاج شبكات النفوذ نفسها، وتتراجع قيمة الإبداع لصالح قيمة العلاقات.
لقد عرف المغرب عبر تاريخه الثقافي الحديث أسماء أدبية وفكرية كبيرة فرضت حضورها بقوة أعمالها لا بقوة مواقعها. كانت القصيدة أو الرواية أو الدراسة النقدية هي بطاقة العبور الوحيدة إلى الاعتراف. أما اليوم، فإن كثيرا من الأصوات الثقافية باتت تتحدث عن تشكل ما يشبه “الأوليغارشية الثقافية”، أي نخبة ضيقة تحتكر مواقع القرار الرمزي داخل عدد من المؤسسات والهيئات واللجان، وتعيد توزيع الامتيازات والغنائم داخل دائرة مغلقة من العلاقات المتبادلة.
وتبرز هذه الإشكالية بشكل أكثر حدة كلما أُعلنت نتائج بعض الجوائز الكبرى (جائزة المغرب للكتاب) أو برامج الدعم الثقافي (دعم الكتاب والمشاريع الفنية والتظاهرات الثقافية والفنية). فسرعان ما تنفجر النقاشات حول أسماء المدعَّمين والفائزين والخلفيات التي تحكم الاختيارات. وتتحول وسائل التواصل الاجتماعي والندوات الثقافية إلى محاكم رمزية تتواجه فيها روايتان: رواية رسمية تؤكد استقلالية اللجان ونزاهة المساطر، ورواية مضادة ترى أن شبكات الولاء والصداقة والانتماءات المؤسساتية تؤثر في النتائج بشكل مباشر أو غير مباشر.
إن المشكلة هنا لا يمكن حصرها فقط في احتمال وقوع انحرافات فردية، بل في بنية كاملة تسمح بتضارب المصالح. فحين يتنقل الأشخاص أنفسهم بين مواقع متعددة: عضو لجنة اليوم، ومرشح غدا، ومشرف على مؤسسة بعد غد، وعضو لجنة تحكيم في مناسبة أخرى… يصبح من الصعب إقناع الرأي الثقافي بأن الحدود بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة ما تزال واضحة. وبذلك أفرزت هذه الوضعية نوعا من الاقتصاد الرمزي المغلق، حيث لا يتم تداول الاعتراف الثقافي وفق منطق السوق الحرة للأفكار، بل وفق منطق الشبكات. والعلاقات وتبادل المنافع وهكذا يصبح الانتماء إلى دائرة معينة أكثر فاعلية من إنتاج عمل استثنائي. ويتحول المثقف المستقل إلى هامش، بينما يحتل مركز المشهد أولئك الذين يتقنون فن إدارة العلاقات أكثر من إتقانهم لفن الكتابة أو البحث أو الإبداع.
إن أخطر آثار هذه الظاهرة لا تظهر في النتائج المباشرة للجوائز والدعم، بل في الأجيال الجديدة من المبدعين. فالشاب الذي يقضي سنوات في كتابة دويان شعري أو رواية أو إنجاز بحث أكاديمي أو إنتاج عمل فني، ثم يكتشف أن الاعتبارات غير الفنية قد تكون أكثر تأثيرا من جودة عمله، يفقد تدريجيا إيمانه بمبدأ الاستحقاق. وعندما يفقد المجتمع الثقافي ثقته في العدالة الرمزية، يبدأ نزيف المواهب.
ولعل المفارقة الكبرى أن المؤسسات الثقافية التي يفترض أن تكون حامية للقيم الجمالية والمعرفية قد تتحول، في بعض الأحيان، إلى جزء من المشكلة نفسها. إذ يصبح همّ بعض الفاعلين ليس تطوير الثقافة الوطنية، بل الحفاظ على مواقع النفوذ داخل الحقل الثقافي. وهكذا تنتقل الثقافة من كونها مشروعا مجتمعيا إلى كونها مجالا لإدارة المصالح وتوزيع الامتيازات. ومن هنا يمكن فهم الغضب المتكرر الذي يرافق بعض الجوائز الثقافية في المغرب (جائزة المغرب للكتاب نموذجا). فالقضية ليست مجرد خلاف حول فائز أو خاسر، بل تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بمفهوم العدالة الثقافية نفسه. ذلك أن المثقف لا يطالب بالضرورة بالفوز، لكنه يطالب بأن يشعر بأن قواعد اللعبة واضحة وعادلة ومتساوية للجميع.
إن الإصلاح الحقيقي لا يمر عبر تغيير الأسماء فقط، بل عبر إعادة بناء منظومة الحكامة الثقافية برمتها. ويتطلب ذلك إعلانا كاملا وشفافا للمعايير، ونشر تقارير التحكيم، وتوسيع قاعدة اللجان، ومنع تضارب المصالح، وإخضاع الدعم والجوائز لمبادئ الشفافية والمساءلة. كما يقتضي إشراك المجتمع الثقافي في مراقبة هذه العمليات بدل تركها حبيسة دوائر مغلقة. فالثقافة ليست غنيمة، وليست مجالا لتبادل المنافع، وليست وسيلة لتكريس الولاءات. الثقافة رأسمال رمزي للأمة، وحين يتسرب إليها منطق الغنيمة تفقد قدرتها على إنتاج المعنى والقيم والجمال.
لقد كشفت قضية “فراقشية المواشي” عن خلل كبير في تدبير المال العمومي، لكن “فراقشية الثقافة” تكشف عن خلل أخطر: خلل في تدبير الرأسمال الرمزي للمجتمع. وإذا كان المال يمكن تعويضه، فإن الثقة حين تضيع يصعب استعادتها. ولذلك فإن معركة الإصلاح الثقافي ليست معركة جوائز ودعم فقط، بل معركة من أجل حماية فكرة الثقافة نفسها من التحول إلى سوق للمصالح، ومن أجل إعادة الاعتبار للكفاءة والاستحقاق بوصفهما الشرط الوحيد لنيل الاعتراف داخل مجتمع يريد أن يبني مستقبله على المعرفة والإبداع الحقيقي، لا على الزبونية والولاءات. إنّ الأزمة، هنا، لا تتعلق بأشخاص بعينهم بقدر ما تتعلق ببنية ثقافية أنتجت ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الريع الثقافي أو الرمزي” داخل الحقل الثقافي المغربي.
وإذا كانت فضيحة دعم استيراد المواشي قد كشفت للمغاربة كيف يمكن أن يتحول المال العمومي إلى مجال للمضاربة والربح السريع، فإن ثمة وجها آخر أقل ظهورا، لكنه أكثر خطورة ومساسا بالحقل الثقافي والفني المغربي. إنه الوجه الذي لا يتاجر في الأغنام والعجول، بل يتاجر في الرموز والقيم والجوائز والدعم العمومي والشرعية الثقافية. حيث يتشكل عالم آخر من الوسطاء والسماسرة، لا يحملون دفاتر الصفقات التجارية، بل يحملون بطاقات العضوية في الجمعيات والمؤسسات الثقافية الوطنية وفي اللجان وفي شبكات العلاقات، وخرائط الولاءات كذلك، مما يمكِّنهم من امتلاك مفاتيح الوصول إلى المؤسسات المنتجة للاعتراف الرمزي.
لقد أصبحت الثقافة في المغرب، بالنسبة إلى عدد متزايد من المثقفين والمبدعين الشباب، فضاءً يثير الإحباط أكثر مما يثير الأمل. فبينما يُفترض أن تكون الكتابة والإبداع والفن والبحث العلمي مجالات تحكمها معايير الجودة والاستحقاق والتنافس الحر، بدأ يتشكل انطباع واسع بأن جزءا من المشهد الثقافي أصبح يخضع لمنطق آخر أكثر تعقيدا: منطق العلاقات والمواقع والنفوذ المتبادل. وهكذا، فإن كان “الفراقشي”، في معناه التقليدي، لا ينتج الثروة بل يتوسط في تداولها، وهو الحلقة التي تربح من حركة الأشياء دون أن تسهم في إنتاجها. وحين ننقل هذا المفهوم إلى المجال الثقافي، نجد أنفسنا أمام فئة مشابهة لا تنتج بالضرورة المعرفة أو الإبداع الأكثر قيمة، لكنها تمتلك القدرة على التحكم في مسارات الاعتراف والتتويج والدعم.
ولقد ظهر داخل الحقل الثقافي المغربي، خلال العقود الأخيرة، ما يشبه طبقة من الوسطاء الرمزيين الذين يحتلون مواقع متعددة في آن واحد: أعضاء لجان تحكيم دائمين، ومستشارون ثقافيون، ومسؤولون في مؤسسات ثقافية ومؤسسات الدعم، ومشرفون على المهرجانات، وأعضاء هيئات التحرير، ومقيمو المشاريع الثقافية. ومع مرور الوقت، تشكلت شبكة معقدة من المصالح المتبادلة بين هؤلاء، جعلت الحدود بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة شديدة الضبابية والغموض. وهكذا لم تعد بعض الجوائز أو أشكال الدعم تُقرأ باعتبارها مكافأة على التميز بقدر ما أصبحت تُقرأ بوصفها مؤشرا على حجم النفوذ الذي يملكه الفاعل داخل الشبكة الثقافية.
لقد تحدث عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو عن مفهوم “الرأسمال الرمزي”، بوصفه شكلا من أشكال السلطة غير المادية التي تمنح صاحبها النفوذ والشرعية والمكانة. غير أن ما يحدث أحيانا داخل بعض الحقول الثقافية العربية يتمثل في تحويل هذا الرأسمال الرمزي إلى شكل من أشكال الريع، فالكاتب الذي يحصل على الجوائز نفسها، ويُدعى إلى الندوات نفسها، ويشارك في معارض الكتاب نفسها، وفي اللجان نفسها، وينشر في المنابر نفسها، يصبح مع مرور الوقت جزءا من دائرة مغلقة تعيد إنتاج نفسها باستمرار. وبذلك نجد أنفسنا أمام ظاهرة يمكن تسميتها بـ”الاحتكار الرمزي”، حيث لا تحتكر فئة معينة المال أو السلطة السياسية فقط، بل تحتكر أيضا الحضور الثقافي والفوز بالجوائز، ومن هنا تُطرح عندنا في مغرب اليوم إشكالية تعريف من هو الكاتب المهم، ومن هو الناقد المؤثر، ومن هو الفنان الجدير بالدعم والتتويج في الوقت نفسه؟
ثمة أيضا مسألة أخرى على قدر كبير من الأهمية تتعلق بالدعم الذي تمنحه وزارة الثقافة، إذ ليست المشكلة الأساسية في حجم الدعم الثقافي، فالمغرب بالرغم من أنه خصص خلال العقود الأخيرة ميزانيات مهمة لدعم الكتاب والنشر والمسرح والسينما والفنون التشكيلية والمهرجانات، ولو أنها غير كافية بالنظر إلى حجم الإنتاج الثقافي والفني بالمغرب، لكن السؤال الذي يطرحه الكثير من المثقفين والفنانين اليوم ليس: كم صُرف من المال؟ بل: كيف صُرف؟ وعلى من صُرف؟ وبأي معايير؟ وبذلك يكون أخطر ما يمكن أن يحدث لأي سياسة ثقافية هو فقدان الثقة في آلياتها. فحين يعتقد المبدع أن جودة عمله لم تعد العامل الحاسم في التقييم، فإن المؤسسة الثقافية الداعمة والراعية للثقافة تفقد جزءا كبيرا من مشروعيتها الأخلاقية. إذ أنّ الإبداع لا يعيش فقط على الدعم المالي، بل يعيش أيضا على الإحساس بالإنصاف. وحين يغيب هذا الإحساس، يتحول الحقل الثقافي إلى فضاء للتذمر والشكوك والصراعات الشخصية.
أما بخصوص اللجان التي تشكلها وزارة الثقافة، سواء في الدعم أو لتحكيم جائزة الكتاب واختيار من سيتم دعوته للمشاركة في معرضها الدولي (نفس الأسماء تتكرر في كل معرض)، فتطرح أكثر من سؤال يتراوح أساسا بين الاستقلالية والوصاية غير المعلنة من الناحية النظرية، إذ يُفترض أن تكون لجان التحكيم والدعم مستقلة ومسئولة وغير خاضعة لأي شكل من أشكال الوصاية، سواء من داخل الوزارة أو من خارجها. لكن الواقع الثقافي المغربي يكشف اليوم أكثر من أي وقت مضى عن وجود تأثيرات غير مرئية يمارسها أشخاص وشبكات النفوذ المختلفة.
والوصاية لا تمارس دائما عبر التعليمات المباشرة، بل قد تمارس عبر التوافقات الضمنية والعلاقات القديمة والمصالح المشتركة. وقد تتحول بعض المؤسسات الثقافية ورؤسائها إلى مراكز غير رسمية لإنتاج القرارات الرمزية، بحيث يصبح رأيها مؤثرا في تحديد الفائزين والمستفيدين حتى دون امتلاكها أي سلطة قانونية مباشرة. وهنا تظهر مفارقة خطيرة: فبينما يبدو القرار في شكله الخارجي مستقلا، قد يكون في عمقه نتيجة توازنات وعلاقات سبقت لحظة التحكيم بكثير.
لقد أنتجت الممارسات الثقافية في المغرب ما يسمى بثقافة “تبادل الخدمات”، حيث لا تعمل الزبونية الثقافية، في بعض الأحيان، بطريقة فجة أو مباشرة. فهي لا تقوم على الرشوة بمعناها التقليدي، بل على تبادل الخدمات الرمزية. أنت تكتب مقدمة لكتابي اليوم أو تدبج عنه مقالا متكلفا يعج بالإشادة والمديح، فأدعم ملفك غدا، وأنت تدعوني إلى مهرجانك هذه السنة، فأستضيفك في ندوتي السنة المقبلة. وأنت تمنحني مساحة وتعويضات مادية في أنشطتك الثقافية، فأدافع عن فوزك بالجائزة. وبمرور الوقت، تتشكل منظومة كاملة من المنافع المتبادلة التي تجعل من الصعب التمييز بين الصداقة المهنية المشروعة وبين تضارب المصالح.
هنالك أيضا ما يمكن أن نسميه بـ “ضحايا غير مرئيين” لهذه الممارسات الثقافية المشينة، وأخطر ما في هذه الظاهرة أن ضحاياها غالبا لا يظهرون في الصورة. فالكاتب الذي لم يحصل على الجائزة لا يعرف بالضرورة لماذا خسر. والباحث الذي لم يحصل على الدعم لا يستطيع إثبات أن مشروعه تعرض للإقصاء.
والفنان الشاب الذي بقي خارج الشبكة لا يملك الأدلة التي تسمح له بالطعن في النتائج. ولهذا فإن كثيرا من أشكال الظلم الثقافي تظل غير مرئية، لأنها لا تترك آثارا ولا أدلة مادية مباشرة، بل تترك إحساسا عاما بالإقصاء وفقدان الثقة في المثقفين أنفسهم وفي المؤسسة الثقافية الراعية.
وبسبب كل ذلك تزداد الرغبة لدى الكثير من المثقفين والمبدعين والكُتّاب والفنانين المغاربة في الهجرة خارج أوطانهم، فحين يشعر المبدع بأن فرص الاعتراف محدودة داخل بلده، يبدأ في البحث عن فضاءات بديلة. ولهذا السبب نفسه ليس من المصادفة أن نجد عددا من الباحثين والكتاب والفنانين المغاربة يحققون الاعتراف خارج المؤسسات الثقافية المحلية قبل أن يُعترف بهم داخليا. بحيث تشكل هذه الهجرة الرمزية خسارة حقيقية للمشهد الثقافي الوطني، لأنها تدفع أصحاب الكفاءات الحقيقية إلى البحث عن شرعيات بديلة خارج المؤسسات الرسمية المحلية.
كذلك أنتجت البنية الثقافية العربية عموما نوعين من المثقفين: المثقف الحر الذي يستمد شرعيته من أعماله، والمثقف الموظف أو المؤسساتي الذي يستمد جزءا مهما من شرعيته من موقعه داخل أجهزة الثقافة. فحين يصبح الموقع بديلا عن المُنجَز، تبدأ المشكلة، وعندما يتحول المنصب أو الموقع إلى مصدر للهيبة والهيمنة والوصاية الثقافية، تتراجع أهمية المنتوج الثقافي والفني لصالح أهمية الكرسي والموقع، وتتراجع قيمة الإبداع لصالح قيمة النفوذ.
أما بخصوص جائزة المغرب للكتاب، والكثير من الجدل الذي يثار حولها كل سنة، مع كل الأسئلة المشروعة والمريرة التي ترافقها كذلك، حيث تتجدد النقاشات حول نتائج هذه الجائزة الوطنية الثقافية الكبرى التي تمثل وجه المغرب بشكل أساس، بحيث لا يكون مهما هنا تقييم دورة بعينها أو الطعن في أسماء محددة، بل الانتباه إلى أن تكرار الجدل نفسه سنة بعد أخرى يدل على وجود أزمة ثقة بنيوية تحوم حول هذه الجائزة. فلو كانت قواعد اللعبة واضحة وشفافة ومقنعة للجميع، لما استمرت الشكوك بالحدة نفسها. بما يجعل تكرار الجدل حول هذه الجائزة كل سنة أهم أحيانا من نتائج الجوائز نفسها، لأنه يكشف عن فجوة متنامية بين المؤسسة الثقافية ولجان الدعم والتحكيم، وجزء من الرأي العام الثقافي.
ثمة سؤال أساسي أيضا يفرض نفسه اليوم: هل المطلوب من الدولة والوزارة الوصية (وزارة الثقافة) أن تكون منتجة للثقافة أم مجرد موزعة للجوائز والمنح؟ الدولة الثقافية أم الدولة المانحة؟ حيث انشغلت السياسات الثقافية في المغرب، وفي الكثير من الأحيان، بتدبير الدعم أكثر من انشغالها ببناء منظومة ثقافية متكاملة. فأصبح النقاش يدور حول المستفيدين من الميزانيات أكثر مما يدور حول أثر هذه الميزانيات في القراءة والبحث والإبداع. والنتيجة أن الثقافة تحولت تدريجيا من مشروع مجتمعي إلى ملف إداري، وإن كنا اليوم في المغرب في أمس الحاجة إلى ثورة أخلاقية قبل حاجتنا إلى ثورة ثقافية، فإن إصلاح الثقافة لا يبدأ من تغيير أعضاء اللجان فقط، بل من إعادة تأسيس أخلاقية كاملة للحياة الثقافية.
ما نحتاجه اليوم قبل الغد هو: نشر تقارير التحكيم، والتصريح بتضارب المصالح، وتدوير المسؤوليات، وفتح المؤسسات أمام أجيال جديدة. نحتاج قبل ذلك كله إلى ترسيخ ثقافة تعتبر الجوائز تكريما للاستحقاق لا مكافأة على الولاء.
إن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يسرق المال العام فقط، بل ذلك الذي يسرق الثقة العامة. وإذا كان المجتمع يستطيع تعويض خسائره الاقتصادية، فإنه يجد صعوبة أكبر في تعويض خسائره الرمزية. ولهذا فإن معركة الإصلاح الثقافي ليست معركة المثقفين وحدهم، بل هي معركة المجتمع كله من أجل الدفاع عن قيمة الاستحقاق، وعن حق الإبداع الحقيقي في أن يُرى ويُعترف به بعيدا عن شبكات الولاء والزبونية وتقاسم الغنائم. فالأمم لا تنهض فقط بالاقتصاد والسياسة، بل تنهض أيضا بعدالة ثقافية ورمزية تجعل الموهبة أعلى من العلاقة، والعمل أكبر من صاحبه، والثقافة أسمى من كل أشكال السمسرة المقنعة التي تتخفى وراء لغة الإبداع.


