في مهرجان اعتاد أن يجمع نجوم العالم تحت سماء الرباط وسلا، كانت الأغنية الشعبية المغربية على موعد مع ليلة أثبتت أن بريقها لا يخفت، وأن جمهورها لا يزال وفيًا لها مهما تغيرت الأذواق وتعددت الأنماط الموسيقية. فمن على منصة سلا، نجح الفنان عبد الله الداودي في تحويل إحدى أمسيات الدورة الحادية والعشرين من مهرجان موازين – إيقاعات العالم إلى عرس فني نابض بالحياة، عنوانه التفاعل الجماهيري والاحتفاء بالهوية الموسيقية المغربية.
منذ اللحظة التي اعتلى فيها خشبة المسرح، لم يكن الداودي مجرد فنان يؤدي أغانيه، بل بدا كقائد أوركسترا يقود آلاف الحاضرين في رحلة بين الذكريات والإيقاعات الشعبية التي صنعت جزءًا من الوجدان المغربي. فالهتافات ارتفعت، والأصوات امتزجت بكلمات الأغاني، وتحولت منصة سلا إلى فضاء مفتوح يحتفل بالموسيقى والفرح، في مشهد يعكس العلاقة الخاصة التي نسجها الفنان مع جمهوره على امتداد سنوات طويلة.

ولم يعتمد الداودي فقط على رصيده الغنائي المعروف، بل قدم عرضًا متكاملاً جمع بين الأداء الحي، والحضور المسرحي، والتواصل المباشر مع الجمهور، وهو ما منح السهرة طابعًا احتفاليًا تجاوز حدود الحفل الموسيقي التقليدي. فقد كان واضحًا أن الفنان يدرك جيدًا أن نجاح السهرة لا يقاس بعدد الأغاني التي يؤديها، بل بقدرته على إشراك الجمهور في صناعة اللحظة الفنية، وهو ما تحقق بالفعل طوال فقرات الحفل.
اللافت في هذه الأمسية أن الجمهور لم يكن من فئة عمرية واحدة، بل ضمت الساحة عشاق الأغنية الشعبية من مختلف الأجيال. فهناك من جاء ليستعيد ذكريات ارتبطت بأغاني الداودي التي رافقت مناسبات وأفراحًا مغربية عديدة، وهناك شباب وجدوا في إيقاعاته امتدادًا لهوية موسيقية ما تزال قادرة على منافسة الأنماط الحديثة. وهكذا نجحت السهرة في كسر الحواجز بين الماضي والحاضر، مؤكدة أن الأغنية الشعبية ليست مجرد تراث يُستعاد، بل فن حي يتجدد مع الزمن.



