حين يصبح الصحفي متهمًا… هل كشفت قضية محمد اليوبي أخطر منطقة رمادية في المهنة؟

0
88

في المهنة التي تعيش على طرح الأسئلة، قد تأتي لحظة يجد فيها الصحفي نفسه مضطرًا للإجابة عن سؤال لم يتخيل يومًا أنه سيُطرح عليه: هل كنت تمارس الصحافة… أم تمارس الابتزاز؟

إنه سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل من التعقيد ما يكفي ليقسم الرأي العام، ويضع القضاء أمام مسؤولية ثقيلة، ويزرع القلق داخل كل غرفة تحرير.

ولعل هذا ما جعل قضية الصحفي محمد اليوبي تتجاوز حدود ملف قضائي عادي. فمنذ اللحظة التي انتشر فيها خبر متابعته، لم يعد النقاش يدور حول شخصه فقط، بل بدأ الوسط الإعلامي، بصوت مرتفع أحيانًا وبهمس أحيانًا أخرى، يستعيد سؤالًا قديمًا لم يجد له جوابًا نهائيًا منذ عقود: أين تنتهي الصحافة، وأين تبدأ الجريمة؟

ليس المطلوب هنا إصدار حكم، فالقضاء وحده يملك ذلك، ولا الدفاع عن أحد أو إدانة أحد. فمحمد اليوبي، مثل أي متقاضٍ، يتمتع بقرينة البراءة إلى أن يقول القضاء كلمته الأخيرة. لكن قيمة هذه القضية أنها أعادت فتح باب ظل موصدًا في النقاش العمومي، باب يتعلق بطبيعة العمل الصحفي نفسه، وبالمنطقة الرمادية التي تتحرك فيها الصحافة عندما تقترب من السلطة أو المال أو النفوذ.

فالصحفي، بخلاف ما يتصور كثيرون، لا يكتفي بجمع المعلومات ثم نشرها. قبل أن يصل الخبر إلى القارئ، تكون قد سبقته اتصالات ورسائل ولقاءات وطلبات للتوضيح وحق للرد ووثائق متبادلة ومحاولات للتأكد من الوقائع. إنها تفاصيل لا يراها الجمهور، لكنها تمثل الحياة اليومية لأي صحفي يشتغل على الملفات الحساسة.

غير أن هذه المساحة المهنية نفسها قد تتحول، في ظروف معينة، إلى مساحة قانونية شديدة الحساسية. فالاتصال الذي يراه الصحفي جزءًا من واجبه المهني، قد يراه الطرف الآخر ضغطًا. وطلب الرد قد يُفهم على أنه وسيلة للتفاوض. وتأجيل النشر قد يُقرأ باعتباره حرصًا على التحقق، أو قد يُفسَّر، بحسب الوقائع، بطريقة مختلفة تمامًا.

وهنا تبدأ المنطقة التي لا تحكمها الانطباعات، بل الأدلة.

هذه الإشكالية ليست جديدة على الصحافة المغربية. فالذاكرة المهنية تحتفظ بملفات مشابهة أثارت النقاش نفسه، ومن بينها قضية الصحفي خالد العطاوي، التي دفعته إلى كتابة مقاله الشهير “صحافي في كمين التلبس المخدوم”. لم يكن المقال مجرد دفاع عن شخص، بل كان محاولة لطرح سؤال ظل يؤرق الصحفيين منذ سنوات: هل توجد حدود واضحة تميز بين ممارسة الصحافة وبين السلوك الذي قد يكيف قانونًا على أنه ابتزاز؟

قد يختلف الناس حول الرواية التي قدمها ذلك المقال، وقد تختلف ظروفها كليًا عن قضية محمد اليوبي، لكن ما يجمع الملفين ليس الوقائع، وإنما السؤال الذي بقي حاضرًا رغم تغير الأشخاص والسنوات.

السؤال نفسه يعود اليوم بصورة أكثر إلحاحًا، لأن البيئة الإعلامية تغيرت. لم تعد المحكمة وحدها هي التي تنظر في القضايا، بل أصبح الرأي العام محكمة موازية، تصدر أحكامها في دقائق، وتمنح الاتهام قوة الإدانة قبل أن يبدأ التحقيق أحيانًا. وفي زمن تتحرك فيه الأخبار بسرعة الضوء، أصبحت السمعة أكثر هشاشة من أي وقت مضى، وأصبح الصحفي معرضًا لأن يخسر رصيده المهني بمجرد عنوان متداول، حتى وإن انتهت القضية لاحقًا بحكم مختلف.

وهنا تكمن المفارقة. فالصحفي ليس فوق القانون، ولم يطالب يومًا بأن يكون بمنأى عن المساءلة. لكن القانون نفسه يقوم على مبدأ لا يقل أهمية عن محاسبة المخطئ، وهو حماية البريء من الإدانة المسبقة. لذلك فإن الدفاع عن قرينة البراءة لا يعني الدفاع عن شخص، وإنما الدفاع عن العدالة ذاتها، لأنها وحدها القادرة على التمييز بين الوقائع كما حدثت، وبين الروايات كما رُويت.

ومع ذلك، فإن القضية تكشف جانبًا آخر أكثر عمقًا. فكلما أصبحت الحدود بين العمل الصحفي والجريمة غير واضحة في الوعي العام، ازداد الخوف داخل المهنة. والصحفي الذي يخشى أن يُساء تفسير كل اتصال يجريه، أو كل لقاء يعقده، أو كل وثيقة يحصل عليها، قد يختار الطريق الأسهل: الابتعاد عن الملفات الحساسة. عندها لن يخسر الصحفي وحده، بل سيخسر المجتمع صحافة تراقب وتحقق وتسائل.

وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نتوقف طويلًا عند أسماء الأشخاص، لأن الأشخاص يتغيرون، بينما الأسئلة الكبرى تبقى. وقد تكون قضية محمد اليوبي مجرد محطة جديدة في مسار نقاش لم يحسم بعد: كيف نحمي المجتمع من أي ممارسة غير مشروعة، وفي الوقت نفسه نحمي الصحافة من أن تصبح رهينة الخوف وسوء التأويل؟

ذلك هو السؤال الحقيقي الذي تضعه هذه القضية أمام الجميع. أما الإجابة، فلن يصنعها الانفعال، ولا حملات التشهير، ولا الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، وإنما سيصنعها قضاء مستقل، وتشريع واضح، وصحافة مهنية تعرف حدودها كما تعرف رسالتها.

لأن أخطر ما قد تواجهه الصحافة ليس أن يُحاكم صحفي، بل أن يصبح كل صحفي يخشى أن يتحول عمله المشروع، في نظر الآخرين، إلى تهمة تنتظر تفسيرها أمام القضاء.