رفض تسلّم شكاية برلمانية واتهامات بالاعتداء داخل مجلس المستشارين… هل دخل البرلمان أخطر أزمة حكامة واحترام للقانون؟

0
97

في المؤسسات الدستورية، لا تقاس قوة الدولة فقط بقدرتها على سن القوانين، بل أيضاً بمدى احترامها للمساطر التي وضعتها لنفسها. لذلك، فإن الشكاية التي أعلنت المستشارة البرلمانية فاطمة زكاغ عن توجيهها إلى رئيس مجلس المستشارين، بعد تعذر إيداعها عبر مكتب الضبط، لا تطرح مجرد خلاف إداري عابر، وإنما تفتح نقاشاً أوسع حول كيفية تدبير المرفق البرلماني، وحدود السلطة الإدارية داخل مؤسسة يفترض أن تكون أول المدافعين عن سيادة القانون.

وتقول المستشارة، في الوثيقة التي نشرتها، إنها تعرضت لاعتداء لفظي ومحاولة اعتداء جسدي من طرف أحد الموظفين أثناء محاولتها إيداع مراسلة رسمية، قبل أن تُفاجأ – بحسب روايتها – بتعليمات تمنع مكتب الضبط من تسلم المراسلات الداخلية، ثم بتوجيه مماثل من كتابة رئاسة المجلس برفض استلام الشكاية.

وإذا صحت هذه الوقائع، فإن القضية تنتقل من مجرد نزاع شخصي إلى سؤال مؤسساتي يتعلق بحق المنتخبين في الولوج إلى الآليات الإدارية التي تمكنهم من ممارسة مهامهم الدستورية، واحترام مبدأ توثيق المراسلات الإدارية الذي يشكل إحدى ضمانات الشفافية والمساءلة.

وتزداد أهمية هذه الواقعة لأن مكتب الضبط ليس مجرد نافذة إدارية، بل يمثل الحلقة الأولى في حماية الحقوق الإجرائية داخل أي مؤسسة عمومية. فكل مراسلة يتم تسجيلها تصبح جزءاً من الأرشيف الإداري الذي يسمح بتتبع المسؤوليات، بينما يؤدي رفض التسلم، إن ثبت، إلى خلق فراغ قانوني قد يمس بحقوق المرتفقين ويعطل آليات الرقابة الداخلية، وهو ما يجعل أي ادعاء بهذا الشأن يستحق التحقق المؤسساتي بعيداً عن الاصطفافات السياسية.

وتوضح الشكاية كذلك أن المستشارة تعتبر ما وقع مساساً بحرمة المؤسسة التشريعية وبالضمانات التي يفترض أن يتمتع بها أعضاء مجلس المستشارين أثناء أداء مهامهم، كما تشير إلى أن تدخل بعض المسؤولين حال – وفق روايتها – دون تطور الواقعة إلى اعتداء جسدي، وهو ادعاء يظل بدوره بحاجة إلى بحث إداري وقانوني لتحديد المسؤوليات والاستماع إلى جميع الأطراف.

ولا تتوقف القضية عند حدود العلاقة بين موظف ومستشارة برلمانية، بل تمتد إلى النقاش المتكرر حول تحديث الإدارة البرلمانية بالمغرب، ومدى انسجام الممارسات اليومية مع مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والحق في الولوج إلى الإدارة، وهي المبادئ التي أصبحت تشكل جزءاً من الخطاب الإصلاحي للدولة خلال السنوات الأخيرة. فالمؤسسات الديمقراطية تقاس بقدرتها على معالجة الخلافات عبر المساطر، لا عبر تعطيلها أو تحويلها إلى صراعات شخصية.

كما تعكس الواقعة جانباً آخر يتعلق بسلامة بيئة العمل داخل المؤسسات الدستورية. فالبرلمان ليس فقط فضاءً للتشريع والرقابة، بل هو أيضاً فضاء مهني يضم منتخبين وموظفين وأطراً إدارية، بما يفرض وجود آليات واضحة لتدبير النزاعات، وضمان الحماية من أي شكل من أشكال العنف اللفظي أو الجسدي، والتحقيق السريع في الشكايات، حفاظاً على هيبة المؤسسة وثقة الرأي العام فيها.

وفي المقابل، فإن احترام أخلاقيات العمل الصحافي يقتضي التمييز بين ما ورد في الشكاية باعتباره رواية مقدمة من صاحبتها، وبين الوقائع التي تثبتها نتائج أي تحقيق إداري أو قضائي محتمل. لذلك، فإن مسؤولية المؤسسة اليوم لا تقتصر على الرد الإعلامي، بل تمتد إلى توضيح ما جرى للرأي العام، وإبراز ما إذا كانت هناك بالفعل تعليمات بعدم تسلم المراسلات، وما هو أساسها القانوني إن وجدت، أو نفيها إن كانت غير صحيحة.

إن ما نشرته المستشارة البرلمانية لا يختبر فقط علاقة منتخب بالإدارة، بل يختبر أيضاً قدرة المؤسسات على حماية قواعدها الداخلية عندما تصبح هي نفسها موضوعاً للنقاش. فالديمقراطية لا تُقاس بعدد القوانين التي يصادق عليها البرلمان، وإنما بمدى خضوع البرلمان نفسه للقانون الذي يشرّعه. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ستتحول هذه الشكاية إلى مناسبة لتعزيز الشفافية وإعادة التأكيد على احترام المساطر داخل المؤسسة التشريعية، أم ستظل مجرد واقعة أخرى تثير الجدل ثم تختفي دون أن تقدم للرأي العام أجوبة مؤسساتية واضحة؟