إسبانيا تبني مستقبلها بأبناء الضفة الجنوبية… بينما ما زلنا نحن نحسب تحويلات الجالية. فهل يبحث المغرب عن مستقبله قبل فوات الأوان؟

0
121

هناك لحظات في التاريخ لا تعلن عن نفسها بالحروب، ولا بالانقلابات، ولا حتى بالاتفاقيات الدولية، بل تختبئ داخل قرار إداري يبدو للوهلة الأولى عادياً. وما أعلنته الحكومة الإسبانية عن تسجيل أكثر من مليون طلب لتسوية أوضاع الأجانب المقيمين فوق أراضيها قد يكون واحداً من تلك القرارات التي سيكتشف المؤرخون بعد سنوات أنها لم تكن مجرد عملية لتصحيح أوضاع قانونية، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع العالمي على أغلى ثروة أصبحت تمتلكها الأمم: الإنسان.

لقد تعود العالم، طوال العقود الماضية، على الحديث عن النفط، والغاز، والمياه، والمعادن النادرة باعتبارها ثروات القرن الحادي والعشرين. غير أن ما يجري اليوم في الضفة الشمالية للمتوسط يكشف أن الثروة الأكثر ندرة لم تعد موجودة تحت الأرض، بل تمشي فوقها. إنها اليد العاملة، والعقول، والشباب، والقدرة على الإنتاج. فالدول التي كانت تبني الأسوار لإبعاد المهاجرين، أصبحت اليوم تبحث عن الوسائل القانونية لاستبقائهم، لأنها اكتشفت متأخرة أن الخطر الحقيقي ليس وصول المهاجر، بل اختفاء المواطن القادر على العمل.

ومن هنا، لا ينبغي قراءة إعلان رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، باعتباره خبراً إدارياً ينتهي بانتهاء آجال إيداع الملفات، وإنما باعتباره إعلاناً عن تحول استراتيجي في فلسفة الدولة الإسبانية. فمدريد لم تقل إنها تسوي أوضاع أكثر من مليون شخص بدافع إنساني فقط، بل ربطت القرار بشكل واضح بحاجة الاقتصاد الإسباني إلى اليد العاملة، وبالشيخوخة التي أصبحت تهدد توازن المجتمع، وبالفراغ السكاني الذي يزحف على مناطق واسعة من البلاد. إنها لغة مختلفة تماماً عن الخطاب الأوروبي الذي ساد خلال سنوات أزمة الهجرة، حين كانت الأولوية لحراسة الحدود وردع القوارب.

وهنا يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يشغل المغرب، لا بوصفه بلداً جاراً لإسبانيا فقط، وإنما بوصفه أحد أكبر الخزانات البشرية التي تعتمد عليها سوق الشغل الإسبانية. فإذا كانت مدريد قد قرأت مستقبلها الديموغرافي بهذه الدقة، فكيف يقرأ المغرب مستقبله البشري؟ وهل ما زلنا ننظر إلى الهجرة باعتبارها مجرد مصدر لتحويلات العملة الصعبة، أم باعتبارها قضية تمس الأمن الاستراتيجي للدولة، لأنها ترتبط بخروج جزء من طاقتها الإنتاجية والعلمية والاقتصادية نحو فضاءات أخرى تستثمر فيها أكثر مما تستثمر فيها أوطانها الأصلية؟

الأرقام، مهما بدت باردة، تخفي وراءها تحولات هائلة. فحين تتلقى الإدارة الإسبانية أكثر من مليون طلب خلال بضعة أسابيع، فإنها لا تتعامل مع ملفات ورقية، بل مع مليون مشروع حياة، ومليون قصة هجرة، ومليون إنسان قرر أن يرى مستقبله على الضفة الشمالية للمتوسط. وكل ملف من هذه الملفات يمثل في المقابل فراغاً تركه شخص في بلده الأصلي؛ عامل غادر مزرعة، أو حرفي ترك ورشته، أو مهندس اختار بيئة أخرى، أو شاباً لم يجد في وطنه ما يكفي لإقناعه بالبقاء.

ولذلك فإن الخطأ الأكبر هو اختزال هذا الحدث في كونه عملية لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين. فالدول الكبرى لا تتحرك بمنطق اللحظة، وإنما بمنطق العقود المقبلة. والسياسات التي تبدو اليوم إنسانية قد تكون في جوهرها جزءاً من رؤية اقتصادية وديموغرافية بعيدة المدى، هدفها إعادة بناء المجتمع الإسباني على أسس جديدة تضمن استمرار الإنتاج، واستقرار نظام التقاعد، وتعويض التراجع المستمر في معدلات الولادة.

وفي هذا السياق، لا يعود السؤال الحقيقي هو: كم عدد المغاربة الذين سيستفيدون من هذه التسوية؟ بل يصبح السؤال أكثر عمقاً وإزعاجاً: لماذا أصبحت الاقتصادات الأوروبية ترى في الشباب المغربي قيمة استراتيجية، بينما ما زال النقاش داخل بلدانهم يدور غالباً حول كيفية تدبير آثار هجرتهم أكثر من كيفية الحفاظ عليهم؟

إن أخطر ما تكشفه هذه العملية ليس نجاح إسبانيا في تنظيم أوضاع المهاجرين، وإنما نجاحها في تحويل الهجرة من ملف أمني إلى مشروع لبناء المستقبل. وهذا التحول الفكري هو الذي يستحق أن تتوقف عنده دول الجنوب طويلاً. فالمنافسة بين الدول لم تعد تقتصر على جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال، بل أصبحت تشمل استقطاب الإنسان نفسه، باعتباره المورد الذي يصنع كل الثروات الأخرى.

ومن هنا، لا تبدو العملية الإسبانية مجرد استجابة لواقع اجتماعي، بل إعلاناً عن بداية عصر جديد، تتنافس فيه الدول على كسب العقول قبل كسب الأسواق، وعلى استقطاب الشباب قبل استقطاب الشركات. إنها معركة صامتة لا تُخاض بالدبابات ولا بالصواريخ، بل بقوانين الإقامة، وسياسات الإدماج، وفرص العمل، وجودة التعليم، والقدرة على إقناع الإنسان بأن مستقبله يوجد داخل حدود دولة أخرى.

وعند هذه النقطة بالذات، يفقد الخبر الإداري بساطته، ويتحول إلى سؤال حضاري كبير: إذا كانت أوروبا قد بدأت تخوض معركة المستقبل عبر استقطاب البشر، فهل أدركت دول الجنوب أنها تخوض المعركة نفسها، ولكن من موقع الخاسر إذا لم تبادر إلى إعادة بناء سياساتها تجاه الإنسان قبل أي شيء آخر؟

لو كان الأمر يتعلق فقط بتسوية أوضاع مهاجرين غير نظاميين، لما خرج رئيس الحكومة الإسبانية بنفسه ليعلن نجاح العملية، ولما ربطها بشكل مباشر بمستقبل الاقتصاد الإسباني، ولا بالشيخوخة السكانية، ولا بخطة وطنية للإدماج والمواطنة رُصدت لها مئات الملايين من اليوروهات. فالدول لا تستثمر هذا الحجم من الموارد في معالجة أزمة إدارية عابرة، وإنما في مشروع ترى فيه مصلحة استراتيجية تتجاوز الحاضر إلى المستقبل.

إن إسبانيا، مثل معظم دول أوروبا الغربية، تعيش منذ سنوات ما يسميه علماء السكان بـ”الشتاء الديموغرافي”. فالولادات تتراجع عاماً بعد آخر، ومتوسط الأعمار يرتفع باستمرار، وعدد المتقاعدين يزداد بوتيرة أسرع من عدد الداخلين إلى سوق الشغل. ومع مرور الزمن، يصبح السؤال الذي يواجه الدولة أكثر تعقيداً: من سيعمل؟ ومن سيمول أنظمة التقاعد؟ ومن سيحافظ على دوران عجلة الاقتصاد إذا استمرت القاعدة السكانية المنتجة في الانكماش؟

لقد أدركت مدريد أن المشكلة لم تعد في الحدود، بل في السكان. فالدولة التي تفشل في تجديد طاقتها البشرية لا تواجه فقط أزمة اقتصادية، بل أزمة وجودية تمس قدرتها على الاستمرار كقوة إنتاج وابتكار ونمو. ولذلك، لم يعد المهاجر في الخطاب الرسمي الإسباني مجرد شخص يبحث عن فرصة، بل أصبح جزءاً من الحل الوطني. إنها لحظة تاريخية تنقلب فيها المعادلة القديمة؛ فبعدما كان المهاجر يُنظر إليه باعتباره عبئاً على الخدمات العمومية، أصبح يُنظر إليه باعتباره استثماراً في مستقبل الدولة.

لكن ما يثير الانتباه أكثر ليس هذا التحول في الخطاب، بل التحول في أدوات الدولة. فإسبانيا لا تكتفي بمنح إقامة قانونية، وإنما تبني مساراً متكاملاً يبدأ بتقنين الوضع الإداري، ثم الولوج إلى سوق الشغل، ثم الاندماج الاجتماعي، ثم تعلم اللغة، ثم المشاركة في الحياة الاقتصادية، وصولاً إلى بناء مواطن جديد يشعر بأن مستقبله مرتبط بالمجتمع الذي احتضنه. إنها عملية إعادة إنتاج للهوية المدنية، تتم بهدوء، عبر القانون والمؤسسات، وليس عبر الإكراه.

وهنا تكمن القوة الحقيقية للدولة الحديثة. فهي لم تعد توسع نفوذها فقط عبر الاقتصاد أو القوة العسكرية، وإنما عبر قدرتها على استقطاب الإنسان وإعادة دمجه داخل مشروعها الوطني. ولذلك، فإن الدول التي تنجح في كسب البشر تكسب في الوقت نفسه الضرائب التي سيدفعونها، والشركات التي سيؤسسونها، والأطفال الذين سينجبونهم، والجامعات التي سيدرسون فيها، والأفكار التي سيبتكرونها. إنها لا تستورد أفراداً، بل تستورد مستقبلاً كاملاً.

وفي هذا السياق، يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام سياسة للهجرة، أم أمام سياسة لإعادة بناء المجتمع الإسباني؟ فحين تتحدث الحكومة عن سد الخصاص في اليد العاملة، وعن إنقاذ مناطق مهددة بالفراغ السكاني، وعن تعزيز الإدماج والمواطنة، فإنها لا تعالج أزمة طارئة، بل تضع لبنة في مشروع يمتد لعقود.

ومن زاوية المغرب، تبدو الصورة أكثر حساسية. فجزء معتبر من هذه الكتلة البشرية يأتي من الضفة الجنوبية، ومن بينها عشرات الآلاف من الشباب المغاربة الذين يمثلون الفئة الأكثر قدرة على العمل والإنتاج. وهنا لا يتعلق الأمر بخسارة رقمية يمكن تعويضها، بل بخسارة نوعية تمس الفئات العمرية التي تراهن عليها أي دولة لبناء اقتصادها خلال العقود المقبلة. فكل شاب يغادر وهو في ذروة عطائه يحمل معه سنوات من الاستثمار العمومي في التعليم والصحة والتكوين، ثم تتحول ثمرة ذلك الاستثمار إلى قيمة مضافة داخل اقتصاد آخر.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه ليس: لماذا تستقطب إسبانيا المهاجرين؟ فهذا حق سيادي تمارسه كل دولة وفق مصالحها الوطنية. وإنما السؤال الحقيقي هو: ماذا فعلت الدول المصدرة للهجرة حتى يصبح البقاء داخلها خياراً لا يقل جاذبية عن الرحيل؟ وهل يكفي الاحتفاء بحجم تحويلات الجالية، بينما يتواصل انتقال الكفاءات والطاقات الشابة بوتيرة متسارعة؟

غير أن المشهد يزداد تعقيداً عندما نضع إلى جانب هذه السياسة ملفاً آخر لا يقل حساسية، وهو النقاش الدائر داخل البرلمان الإسباني بشأن مشروع قانون يمنح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للإقليم. فمن الناحية القانونية، يظل هذا المشروع منفصلاً تماماً عن عملية التسوية الجماعية، ويستند إلى اعتبارات تاريخية وتشريعية مختلفة. لكنه من الناحية السياسية يكشف أن إسبانيا لا تتعامل مع قوانين الجنسية باعتبارها نصوصاً جامدة، بل باعتبارها أيضاً أدوات ترتبط بذاكرتها التاريخية، وبقراءتها لمصالحها، وبالروابط التي تريد الحفاظ عليها مع فئات معينة.

وهنا تبرز إشكالية أعمق من الجدل القانوني نفسه. فحين تجتمع سياسة استقطاب اليد العاملة، وبرامج الإدماج، والنقاش حول توسيع دائرة المستفيدين من الجنسية في فضاء سياسي واحد، يصبح من المشروع أن نتساءل: هل نحن أمام قرارات متفرقة، أم أمام رؤية متكاملة لإعادة تشكيل المجال البشري الذي ستقوم عليه إسبانيا خلال النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين؟

إن الدول الكبرى لا تفكر بعمر الحكومات، بل بعمر الأجيال. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الرباط ليس عدد الملفات التي ستقبلها مدريد خلال الأشهر المقبلة، وإنما الصورة التي سيكون عليها التوازن البشري بين ضفتي المتوسط بعد عشرين أو ثلاثين سنة. فالتاريخ يعلمنا أن الحدود قد تبقى ثابتة، بينما تتغير موازين القوة بصمت، عندما تنجح دولة في استقطاب الإنسان الذي كانت دولة أخرى تعول عليه لبناء مستقبلها.

ربما يكون أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه الدول المصدرة للهجرة هو أن تستمر في قراءة الظاهرة بالأدوات نفسها التي كانت صالحة قبل ثلاثين عاماً. فالعالم تغير، والهجرة تغيرت، وحتى معنى الحدود لم يعد كما كان. ففي الماضي، كانت الدولة تقيس قوتها بما تملكه من الأرض، ومن الثروات الطبيعية، ومن عدد الجنود. أما اليوم، فقد أصبحت تقاس أيضاً بقدرتها على الاحتفاظ بإنسانها، واستقطاب إنسان غيرها، وتحويل الرأسمال البشري إلى مصدر دائم للقوة الاقتصادية والعلمية والسياسية.

ولذلك، فإن المغرب ليس مطالباً بأن يقلق لأن إسبانيا تسوي أوضاع المهاجرين، فذلك قرار سيادي يدخل ضمن حقها في تدبير مصالحها الوطنية. لكن ما ينبغي أن يقلق حقاً هو سؤال آخر أكثر عمقاً: لماذا أصبح الشاب المغربي يرى في الضفة الأخرى مشروعاً لحياته أكثر مما يراه داخل وطنه؟ وما الذي يجعل دولة أوروبية تعتبر هذا الشاب قيمة استراتيجية تستحق الاستثمار، بينما لا تزال كثير من السياسات العمومية في بلدان الجنوب تنظر إلى الهجرة باعتبارها متنفساً لسوق الشغل أو مصدراً لتحويلات العملة الصعبة؟

إن تحويلات الجالية المغربية تمثل مورداً مهماً للاقتصاد الوطني، لكنها، مهما ارتفعت، لا ينبغي أن تحجب سؤالاً أكبر: هل يمكن تعويض خسارة الطبيب الذي يعالج في مستشفى أوروبي بدل مستشفى مغربي؟ وهل تعوض التحويلات المالية المهندس الذي يبتكر في شركة أجنبية، أو الباحث الذي يضيف إلى رصيد جامعة خارج وطنه، أو المقاول الذي يؤسس مشروعه في بيئة اقتصادية أخرى؟ إن الأموال يمكن أن تعود، أما السنوات التي تُستثمر في بناء اقتصادات الآخرين فلا تعود بسهولة.

ومن هنا، فإن القضية لم تعد قضية هجرة، بل قضية سيادة بشرية. فكما تتحدث الدول عن السيادة الغذائية، والسيادة الطاقية، والسيادة الرقمية، سيصبح من المشروع خلال السنوات المقبلة الحديث عن السيادة على الرأسمال البشري. لأن الدولة التي تفقد بشكل مستمر أكثر فئاتها إنتاجاً وابتكاراً، تجد نفسها بعد سنوات أمام معادلة صعبة: اقتصاد يحتاج إلى الكفاءات التي غادرت، ومجتمع يتقدم في العمر، وسوق شغل يزداد اعتماداً على الخارج.

وفي هذا السياق، يكتسب النقاش الإسباني حول منح الجنسية لفئات من الصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للإقليم دلالة تتجاوز حدوده القانونية. فالمسألة لا تتعلق فقط بجواز سفر أو بوضع إداري، وإنما تكشف أن قوانين الجنسية نفسها أصبحت جزءاً من أدوات السياسة العامة، ومن وسائل بناء النفوذ الهادئ الذي تمارسه الدول عبر الزمن. صحيح أن هذا المشروع لا يغير الوضع القانوني للأقاليم الجنوبية المغربية، لأن ذلك تحكمه قواعد القانون الدولي ومواقف الدول، لكنه يذكرنا بأن معارك القرن الحادي والعشرين لن تُخاض دائماً بالخرائط، بل أحياناً بقوانين الإقامة، والجنسية، والاندماج، والتعليم، واستقطاب الأجيال الجديدة.

وهنا يفرض سؤال نفسه بإلحاح: هل يمتلك المغرب، في المقابل، رؤية استراتيجية شاملة تجاه جاليته في الخارج؟ ليس فقط لحماية حقوقها أو تشجيع تحويلاتها، بل لتحويلها إلى قوة علمية واقتصادية وثقافية مرتبطة بالمشروع الوطني، مهما كانت جنسياتها القانونية. فالدول الصاعدة لم تعد تنظر إلى جالياتها باعتبارها امتداداً عاطفياً للوطن، وإنما باعتبارها امتداداً لقدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي، والبحث العلمي، والاستثمار، والدبلوماسية، وصناعة القرار.

إن التحدي الحقيقي لم يعد يكمن في منع الناس من الهجرة؛ فذلك لم يعد ممكناً ولا مطلوباً في عالم مفتوح. التحدي هو أن تجعل الدولة أبناءها، حتى وهم يعيشون في الخارج، يشعرون بأن مستقبلهم الشخصي لا ينفصل عن مستقبل وطنهم. وأن تجعل العودة خياراً ممكناً، والاستثمار قراراً جذاباً، والانتماء علاقة تتجدد بالمؤسسات والفرص، لا بالحنين وحده.

ولعل أخطر ما تكشفه التجربة الإسبانية ليس أنها نجحت في استقطاب مئات الآلاف من المهاجرين، بل أنها تكشف عن ولادة نموذج جديد للمنافسة بين الدول. فبعد أن كانت المنافسة تدور حول احتلال الأراضي، أصبحت تدور حول اجتذاب البشر. وبعد أن كانت القوة تقاس بعدد الدبابات، أصبحت تقاس بعدد العقول التي تختار أن تبني مستقبلها داخل حدود دولة معينة. وبعد أن كانت الثروة تُستخرج من باطن الأرض، أصبحت تُصنع داخل عقل الإنسان.

وعند هذه النقطة، يتغير معنى الخبر كله. فلا يعود السؤال: كم طلباً سجلته إسبانيا؟ ولا: كم مغربياً سيحصل على إقامة أو ربما على جنسية في المستقبل؟ بل يصبح السؤال الذي ينبغي أن يواجه كل دولة تطمح إلى المستقبل: إذا كانت الأمم تتنافس اليوم على استقطاب الإنسان، فهل ما زلنا نحن نتعامل مع الإنسان باعتباره مجرد رقم في الإحصاءات، أم باعتباره الثروة الوحيدة التي إذا خسرتها دولة، فلن تستطيع استيراد بديل عنها؟

وربما يكون هذا هو التحول الأكبر الذي ينبغي أن نستوعبه. فالتاريخ لم يعد يكتبه من يملك أكبر مساحة من الأرض، بل من ينجح في أن يجعل الإنسان يختار أرضه بإرادته. تلك هي المعركة الجديدة بين الأمم، وهي معركة لا تُسمع فيها أصوات المدافع، لكنها قد تُعيد رسم موازين القوة في العالم لعقود طويلة قادمة.