عندما تتحول ركلات الترجيح إلى محكمة عنصرية… والمغرب يصبح مرآة تكشف ما كان مخفيًا
لم تكن المباراة التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره الهولندي في ثمن نهائي كأس العالم 2026 مجرد مواجهة كروية انتهت بركلات الترجيح، بل تحولت بعد صافرة النهاية إلى قضية مجتمعية وسياسية وأخلاقية أعادت طرح سؤال قديم يتجدد كلما خسر فريق كبير: هل تنتهي الهزيمة داخل المستطيل الأخضر، أم تبدأ بعده؟
فبعد أن حسم المنتخب المغربي بطاقة العبور إثر التعادل (1-1) ثم الفوز (3-2) بركلات الترجيح، لم تتجه سهام الغضب نحو الخيارات التكتيكية أو الجهاز الفني أو الأداء الجماعي، بل وجدت طريقها سريعًا إلى ثلاثة لاعبين هم جاستن كلويفرت، وكوينتن تيمبر، وكريسينسيو سومرفيل، الذين تحولوا خلال ساعات قليلة من لاعبين يمثلون الوطن إلى أهداف لحملة واسعة من الإساءات العنصرية وخطابات الكراهية عبر منصات التواصل الاجتماعي، فقط لأنهم أهدروا ركلات الترجيح.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا تتحول الأخطاء الرياضية، في بعض المجتمعات، إلى مناسبة لاستدعاء الهوية العرقية واللون والأصل، بينما يفترض أن كرة القدم تقوم أساسًا على مبدأ أن الفوز والخسارة مسؤولية جماعية؟
اللافت أن الاتحاد الهولندي لكرة القدم لم يتعامل مع الواقعة باعتبارها مجرد انفعالات جماهيرية عابرة، بل وصفها بأنها تطور “مقلق للغاية”، معلنًا مباشرة تحريك المساطر القانونية ضد أصحاب التعليقات العنصرية، وإحالة الملف إلى الهيئة الوطنية المختصة برصد التمييز والكراهية عبر الإنترنت، تمهيدًا لدراسة إمكانية إحالته إلى النيابة العامة إذا ثبت وجود مخالفات جنائية.
هذا التحرك يكشف أن القضية لم تعد أخلاقية فقط، بل أصبحت قضية قانونية أيضًا، وهو اعتراف ضمني بأن الفضاء الرقمي لم يعد خارج سلطة القانون، وأن العنصرية الإلكترونية أصبحت تعامل في العديد من الدول باعتبارها امتدادًا للجريمة الواقعية، وليس مجرد “رأي” أو “غضب جماهيري”.
غير أن ما يستحق التأمل أكثر، هو أن اللاعبين الثلاثة اضطروا إلى إغلاق خاصية التعليقات على حساباتهم الشخصية، بعدما تحولت صفحاتهم إلى ساحات للإهانة والتحريض. والسؤال هنا يتجاوز كرة القدم: كيف يمكن للاعب يمثل بلده في أكبر بطولة عالمية أن يجد نفسه مضطرًا للاختباء من جمهوره بدل أن يجد فيه الدعم بعد الخسارة؟
في الواقع، لم تكن هذه الواقعة الأولى، وربما لن تكون الأخيرة. فذاكرة كرة القدم الأوروبية ما تزال تحتفظ بما جرى عقب نهائي بطولة أوروبا 2020، عندما تعرض ماركوس راشفورد، وجادون سانشو، وبوكايو ساكا، لحملة عنصرية مشابهة بعد إهدار ركلات الترجيح أمام إيطاليا، في حادثة هزت الرأي العام البريطاني وأطلقت نقاشًا واسعًا حول حدود حرية التعبير ومسؤولية منصات التواصل الاجتماعي في مكافحة خطاب الكراهية.
وإذا كانت تلك الحادثة قد كشفت هشاشة الخطاب المناهض للعنصرية في بعض المجتمعات الأوروبية، فإن ما حدث بعد مواجهة المغرب وهولندا يعيد فتح الملف نفسه، وكأن كرة القدم أصبحت مختبرًا اجتماعيًا يكشف ما تخفيه المجتمعات أكثر مما تكشفه صناديق الاقتراع أو استطلاعات الرأي.
المفارقة أن المنتخب الهولندي نفسه يعد من أكثر المنتخبات تنوعًا عرقيًا وثقافيًا في العالم، وهو التنوع الذي طالما قدم باعتباره نموذجًا ناجحًا للاندماج. لكن عند أول لحظة إخفاق، يبدو أن بعض الأصوات تعود إلى خطاب يقوم على الفرز العرقي بدل التقييم الرياضي، وكأن الانتماء الوطني يصبح مشروطًا بالانتصار فقط.
ومن زاوية أخرى، فإن انتصار المنتخب المغربي أظهر مرة أخرى كيف أصبحت كرة القدم المغربية قادرة على منافسة المدارس الأوروبية التقليدية دون عقدة نقص، وهو ما يفسر جزئيًا حجم الصدمة التي رافقت الإقصاء، خاصة وأن المغرب لم يعد منتخبًا “مفاجأة” كما كان يُنظر إليه في الماضي، بل أصبح منافسًا يفرض نفسه على أكبر المنتخبات العالمية.
لكن أهمية هذه القضية لا تكمن في فوز المغرب أو خسارة هولندا، وإنما في الرسالة التي خرجت بها المباراة: الرياضة قادرة على توحيد الشعوب، لكنها تكشف أيضًا الانقسامات العميقة التي لا تظهر إلا تحت ضغط الهزيمة.
فالانتصارات تختبر جودة اللاعبين، أما الهزائم فتختبر جودة المجتمعات.
وفي النهاية، قد تنتهي مباريات كأس العالم بعد تسعين دقيقة أو بعد ركلات الترجيح، لكن المعركة الحقيقية تبدأ عندما يصبح السؤال ليس: من أهدر ركلة الجزاء؟ بل: لماذا يتحول لون بشرة اللاعب أو أصله إلى تهمة بمجرد أن يخسر؟
وهنا تكمن خطورة ما جرى بعد مباراة المغرب وهولندا؛ لأنها لم تكشف فقط عن خسارة منتخب في بطولة عالمية، بل كشفت أن العنصرية ما زالت، رغم كل الشعارات، تنتظر أول هزيمة حتى تخرج من الظل إلى العلن.


