في الحياة السياسية، قد تختلف الأحزاب داخل الأغلبية حول الأولويات أو أساليب التدبير، لكن أن يتحول حزب مشارك في الحكومة إلى المطالبة، عملياً، بالتحقيق في أحد أكثر الملفات إثارة للجدل المرتبطة بالسياسات العمومية التي ساهم هو نفسه في تدبيرها، فذلك ليس حدثاً عادياً. إنه تطور يطرح أسئلة تتجاوز بكثير ملف دعم استيراد المواشي، ليصل إلى طبيعة العمل الحكومي، وحدود التضامن بين مكوناته، ومعنى المسؤولية السياسية في الديمقراطيات الحديثة.
تصريحات فاطمة سعدي، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، التي أكدت فيها أن الحزب يُعد ورقة سياسية خاصة بملف دعم استيراد المواشي، مع دعمه لانخراط فريقه البرلماني في مبادرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، تكشف أن النقاش لم يعد محصوراً في أسعار الأغنام أو الدعم العمومي، وإنما أصبح يتعلق بطريقة إنتاج القرار العمومي نفسه، وكيفية مراقبته، حتى عندما يكون المراقِب جزءاً من السلطة التي أنتجته.
هذا التحول يكتسب دلالته لأن حزب الأصالة والمعاصرة ليس حزباً معارضاً يبحث عن ورقة سياسية لإحراج الحكومة، بل هو أحد الأعمدة الثلاثة التي تقوم عليها الأغلبية الحكومية الحالية. ولذلك فإن السؤال الأول الذي يفرض نفسه ليس: ماذا وقع في ملف استيراد المواشي؟ بل: لماذا وصل حزب حكومي إلى قناعة بأن الملف يستحق ورقة سياسية مستقلة، وربما لجنة لتقصي الحقائق، وهو الذي يشارك يومياً في صناعة القرار الحكومي؟
في التجارب الديمقراطية، تقوم الحكومات على مبدأ التضامن الوزاري، لكنه لا يلغي وظيفة البرلمان في الرقابة. غير أن الإشكال المغربي يبدو أكثر تعقيداً، لأن الأغلبية البرلمانية نفسها هي التي تمنح الحكومة الثقة، وهي التي يفترض فيها أيضاً مراقبة الحكومة. وعندما يقرر حزب من الأغلبية تفعيل أدوات الرقابة في مواجهة ملف مرتبط بسياسات حكومية، فإن ذلك يعكس وجود نقاش داخلي عميق حول مفهوم المسؤولية السياسية، وحدود الانضباط للتحالفات، والفصل بين الولاء الحكومي والرقابة البرلمانية.
تصريحات سعدي حاولت رسم هذا الخط الفاصل عندما أكدت أن ميثاق الأغلبية يلزم الأحزاب بالحفاظ على الانسجام الحكومي، لكنه لا يمنعها من ممارسة الرقابة البرلمانية، معتبرة أن ترك الشائعات تتضخم أخطر من البحث عن الحقيقة. وهي مقاربة تجد لها سنداً في الفلسفة الدستورية، لأن البرلمان ليس جهازاً تابعاً للحكومة، حتى عندما تكون أغلبيته هي نفسها الأغلبية التي شكلت الحكومة.
غير أن القراءة السياسية لا تتوقف عند هذا الحد. فالملف الذي يتحدث عنه حزب الأصالة والمعاصرة لا يتعلق بإجراء إداري بسيط، بل بواحد من أكثر الملفات حساسية اجتماعياً خلال السنة الأخيرة.
فدعم استيراد الأغنام والماشية جاء في سياق أزمة حقيقية عرفها المغرب بسبب توالي سنوات الجفاف، وارتفاع أسعار الأعلاف، وتراجع القطيع الوطني، ما دفع الدولة إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لتخفيف الأسعار وضمان تموين السوق. غير أن النتائج التي عاشها المواطن المغربي على أرض الواقع كانت مختلفة عن التوقعات؛ إذ استمرت الأسعار في مستويات مرتفعة، وازداد الجدل حول المستفيدين الحقيقيين من الدعم، وحول مدى تحقيقه لأهدافه الاجتماعية والاقتصادية. وتشير تقارير إعلامية وتصريحات برلمانية متواترة إلى أن هذا الملف أثار مطالب واسعة بالكشف عن لوائح المستفيدين وآليات صرف الدعم وتقييم أثره، وهو ما جعل موضوع الرقابة البرلمانية يحظى باهتمام متزايد. لذلك لم يعد النقاش تقنياً، بل أصبح نقاشاً حول الثقة في تدبير المال العام.
ومن هنا يكتسب استعمال مصطلح “الفراقشية” في الخطاب السياسي دلالة رمزية أكثر من كونه توصيفاً مهنياً. فقد تحول في التداول العمومي إلى تعبير عن شعور اجتماعي بأن جزءاً من الدعم العمومي ربما لم يصل إلى الأثر المنتظر لدى المستهلك، وأن المستفيد الأكبر قد يكون حلقات من الوسطاء أو الفاعلين الاقتصاديين، وهي فرضيات لا تحسمها التصريحات السياسية، بل يفترض أن تحسمها مؤسسات الرقابة والتحقيق إذا تم تفعيلها.
واللافت أن سعدي نفسها وسعت دائرة النقاش عندما ربطت الملف بمخطط المغرب الأخضر الممتد على نحو ثمانية عشر عاماً، وهو ربط يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحكومة الحالية.
فهنا لم يعد الحديث عن قرار ظرفي يخص استيراد الأغنام، وإنما عن تقييم نموذج فلاحي كامل ظل يؤطر السياسات الزراعية المغربية لسنوات طويلة، وحقق بالفعل مكاسب مهمة في بعض سلاسل الإنتاج والتصدير، لكنه واجه أيضاً انتقادات تتعلق بضعف قدرته على حماية صغار الفلاحين، واستنزاف الموارد المائية في بعض المناطق، وتفاوت أثره بين الفلاحة التصديرية والفلاحة المعيشية، إضافة إلى هشاشة القطيع الوطني أمام توالي سنوات الجفاف. وقد دفعت هذه التحولات الدولة إلى إطلاق استراتيجية “الجيل الأخضر” كمرحلة جديدة لتطوير القطاع، مع التركيز على العنصر البشري والاستدامة.
ولعل هذا هو المعنى الحقيقي الذي يمكن استخلاصه من تصريحات الحزب؛ فهي لا تبدو دعوة لمحاكمة قرار واحد بقدر ما تبدو محاولة لفتح نقاش أوسع حول فعالية السياسات العمومية الفلاحية، ومدى قدرتها على تحقيق الأمن الغذائي في ظل التحولات المناخية والاقتصادية العالمية.
لكن سياسياً، لا يمكن تجاهل أن هذا التحرك يضع الأغلبية الحكومية أمام اختبار غير مسبوق.
فإذا مضى حزب الأصالة والمعاصرة بعيداً في مطلب كشف الحقيقة، فقد يجد نفسه أمام نتائج قد تمس أداء الحكومة التي يشارك فيها. وإذا تراجع، فقد يواجه اتهامات باستعمال الملف كورقة سياسية ظرفية. أما إذا لم تر المبادرة النور بسبب ضيق الزمن التشريعي، كما رجحت سعدي نفسها، فإن الملف سيبقى مفتوحاً في المجال السياسي والإعلامي، وقد يتحول إلى أحد أبرز عناوين النقاش مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
كما تكشف هذه القضية عن تحول أعمق في علاقة الأحزاب بالرأي العام. فالمواطن اليوم لم يعد يكتفي بالشعارات السياسية، بل أصبح يطالب بمعرفة كيف صُرفت الأموال العمومية، ومن استفاد منها، وما هو أثرها الحقيقي على معيشته اليومية. لذلك فإن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، أو حتى مجرد المطالبة بها، يحمل رسالة تتجاوز البرلمان؛ مفادها أن الشرعية السياسية أصبحت مرتبطة بقدرة المؤسسات على تقديم الأجوبة، لا بالاكتفاء بالدفاع عن القرارات.
وفي خلفية هذا المشهد كله يبرز سؤال فلسفي أكبر يتعلق بطبيعة الدولة الحديثة: هل تكون قوة الحكومة في تماسك أحزابها مهما كانت الأخطاء، أم في قدرتها على السماح بمحاسبة نفسها بنفسها؟ وهل يصبح الحزب أكثر وفاءً لتحالفه عندما يصمت عن الاختلالات، أم عندما يطالب بكشفها حمايةً لثقة المواطنين؟
ربما لهذا السبب لا تبدو القضية مجرد خلاف حول دعم استيراد المواشي، بل لحظة سياسية تختبر نضج التجربة الديمقراطية المغربية نفسها. لأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بقدرة الأحزاب على الوصول إلى السلطة، وإنما أيضاً بقدرتها على مساءلة السلطة وهي تمارسها، حتى عندما تكون تلك السلطة سلطتها هي.