هل يكفي تعديل قانون التجزئات العقارية لإصلاح العمران؟ أم أن المغرب يقترب من إعادة تعريف العلاقة بين الأرض والاستثمار وحق المواطن في مدينة تليق به؟

0
96

لم يكن تصويت مجلس المستشارين بالإجماع على مشروع القانون رقم 34.21 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات وعمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام مجرد إجراء تشريعي عادي داخل المسار البرلماني، بل يعكس لحظة جديدة في مسار إصلاح قطاع ظل لعقود أحد أكثر القطاعات تعقيداً وتشابكاً داخل المنظومة الاقتصادية والإدارية المغربية.

فالحديث هنا لا يتعلق فقط بتعديل بعض المواد القانونية أو تمديد آجال إنجاز المشاريع أو تبسيط المساطر، وإنما يتعلق بإعادة النظر في فلسفة كاملة حكمت تدبير المجال العمراني منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، في زمن كان فيه المغرب مختلفاً ديمغرافياً واقتصادياً واجتماعياً عن المغرب الذي يستعد اليوم لمواكبة أوراش كبرى تمتد من تعميم الحماية الاجتماعية إلى احتضان تظاهرات دولية ضخمة، وفي مقدمتها الاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030.

لقد كشف الواقع خلال السنوات الماضية أن القانون رقم 25.90، رغم أهميته التاريخية عند صدوره، أصبح يواجه تحديات لم تكن مطروحة قبل ثلاثة عقود. فقد تغير حجم المدن، وارتفعت الكثافة السكانية، واتسعت الضواحي، وتعقدت شبكات الاستثمار العقاري، كما ظهرت رهانات جديدة مرتبطة بالاستدامة، والعدالة المجالية، والحق في السكن اللائق، وجودة الخدمات العمومية داخل الأحياء الجديدة.

ومن هنا يصبح مشروع القانون الجديد محاولة لتكييف الإطار التشريعي مع واقع ميداني تغير بصورة عميقة.

ولعل أول ما يلفت الانتباه أن الحكومة قدمت هذا المشروع باعتباره امتداداً لمسار إصلاحي يقوده جلالة الملك محمد السادس، يهدف إلى تحسين ظروف عيش المواطنين، وتحفيز الاستثمار، وتأهيل المجال الحضري، وهي أهداف لا تبدو منفصلة عن التحولات الاقتصادية الكبرى التي يعرفها المغرب، خاصة مع تزايد الحاجة إلى توفير أوعية عقارية قادرة على استقطاب الاستثمارات الصناعية والسياحية والخدماتية.

لكن قراءة النص القانوني تكشف أن الرهان الحقيقي يتجاوز الاستثمار العقاري في حد ذاته.

فالسنوات الأخيرة أظهرت أن عدداً كبيراً من مشاريع التجزئات كان يتعثر لأسباب متعددة؛ منها تعقيد المساطر الإدارية، وصعوبة الحصول على التراخيص، وتغير وثائق التعمير، والنزاعات العقارية، والظروف الاقتصادية، وأحياناً القوة القاهرة الناتجة عن أزمات صحية أو مناخية أو مالية.

وكانت النتيجة أن العديد من المشاريع بقيت معلقة، بينما وجد المواطن نفسه بين مشروع لم يكتمل، ومرافق عمومية لم تُنجز، وشوارع غير مهيأة، وشبكات صرف أو كهرباء أو ماء لم تستكمل، في مشهد أنتج أحياء نصف منجزة، واستثمارات مجمدة، وخسائر اقتصادية واجتماعية متراكمة.

ومن هذا المنطلق جاء المشروع الجديد ليقترح لأول مرة آجالاً مرنة ومتدرجة لإنجاز التجزئات العقارية بحسب حجم المشروع، تصل إلى خمس عشرة سنة بالنسبة للمشاريع الكبرى، مع إمكانية توقيف احتساب مدة الترخيص عندما تكون أسباب التعثر خارجة عن إرادة صاحب المشروع.

هذه المقتضيات قد تبدو تقنية، لكنها في العمق تحمل رسالة مهمة للمستثمرين مفادها أن الدولة أصبحت أكثر استعداداً لمراعاة تعقيدات الواقع الاقتصادي بدل الاكتفاء بمنطق الآجال الجامدة.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يكفي منح آجال أطول حتى تتحقق النجاعة؟

الجواب يبدو أكثر تعقيداً.

فالمشكل في قطاع التعمير لم يكن دائماً مرتبطاً بضيق الآجال، بل كثيراً ما ارتبط بتداخل الاختصاصات بين الإدارات، واختلاف التأويلات القانونية، وبطء المساطر، وضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين، فضلاً عن الإشكالات المرتبطة بالعقار نفسه.

لذلك فإن نجاح القانون الجديد سيظل رهيناً بمدى قدرة الإدارة على تغيير ممارساتها اليومية، وليس فقط بتغيير النصوص.

ومن بين أهم المستجدات التي تستحق التوقف أيضاً التنصيص على النقل التلقائي والمجاني للطرق والشبكات والمساحات الخضراء إلى الجماعات الترابية بعد التسلم المؤقت.

هذه النقطة تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها تعالج واحدة من أكثر الإشكالات التي كانت تثير النزاعات بين المنعشين العقاريين والجماعات المحلية، حيث كانت مسؤولية تدبير هذه المرافق تبقى أحياناً معلقة، وهو ما يؤثر مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للسكان.

كما أن المشروع يولي اهتماماً أكبر لجودة أشغال التجهيز، وهو توجه يعكس انتقال النقاش من مجرد إنتاج السكن إلى إنتاج أحياء قابلة للحياة.

فالمدينة الحديثة لم تعد تقاس بعدد العمارات فقط، وإنما بوجود الطرق، والمدارس، والمساحات الخضراء، والمراكز الصحية، ووسائل النقل، وشبكات الماء والكهرباء والتطهير، وكلها عناصر أصبحت جزءاً من مفهوم جودة العيش.

وفي البعد الاجتماعي، يحمل المشروع دلالة خاصة عندما يسمح بتأطير بعض التجزئات المنجزة تدريجياً لمعالجة الحالات الاستعجالية، مثل إعادة إسكان ضحايا الكوارث الطبيعية ومحاربة السكن غير اللائق.

وهنا يظهر أن القانون لا يخاطب المستثمر وحده، بل يحاول أيضاً الاستجابة لتحديات اجتماعية فرضتها التحولات الديمغرافية، والكوارث الطبيعية، وتوسع الأحياء الهامشية.

لكن هذا البعد الاجتماعي يفتح بدوره أسئلة أكثر عمقاً.

فهل يمكن أن يتحول التأطير القانوني الجديد إلى وسيلة لتسريع القضاء على السكن غير اللائق؟

وهل ستتوفر للجماعات الترابية الإمكانات المالية والتقنية الكافية لمواكبة هذه التحولات؟

وهل ستصبح إعادة الهيكلة أداة للتنمية الحضرية، أم مجرد حل مؤقت لتراكمات الماضي؟

اقتصادياً، تراهن الحكومة على أن تبسيط المساطر وتقليص الآجال سيحفزان الاستثمار ويخلقان فرص شغل جديدة ويرفعان الموارد الجبائية للدولة والجماعات.

وهذا الرهان يبدو منطقياً بالنظر إلى الوزن الاقتصادي لقطاع البناء والعقار، باعتباره من أكبر القطاعات المحركة لسوق الشغل ولعشرات الصناعات المرتبطة به، من الإسمنت والحديد والخشب إلى النقل والخدمات والهندسة.

غير أن التجارب الدولية تؤكد أن الاستثمار لا يتحرك فقط بالنصوص القانونية، وإنما أيضاً بثقة المستثمر في استقرار القواعد، وسرعة الإدارة، ووضوح القضاء، وشفافية القرارات.

لذلك فإن التحدي الحقيقي لن يكون في إصدار القانون، بل في حسن تنزيله.

أما من زاوية التخطيط الحضري، فإن إدراج عمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام ضمن المقتضيات الجديدة يعكس إدراكاً متزايداً بأن المغرب يدخل مرحلة جديدة من المشاريع المهيكلة التي تحتاج إلى أدوات قانونية أكثر مرونة وقدرة على مواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها البنيات التحتية، والربط اللوجستي، والتنمية الترابية.

وهنا تبرز أهمية التفكير في المدينة ليس باعتبارها مجرد تجمع عمراني، وإنما باعتبارها فضاءً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وإنسانياً متكاملاً.

إن التصويت بالإجماع على هذا المشروع يمنح القانون قوة سياسية ورمزية مهمة، لكنه لا يعفي جميع الفاعلين من مسؤولية تحويل النص إلى واقع ملموس يشعر به المواطن داخل الحي الذي يسكنه، وفي جودة الطريق التي يسلكها، وفي المدرسة القريبة، والحديقة العمومية، وشبكة الصرف، والإنارة، والنقل، وكل التفاصيل الصغيرة التي تصنع في النهاية معنى المدينة.

وفي النهاية، ربما لا يكمن السؤال الحقيقي في عدد المواد التي تغيرت داخل القانون رقم 25.90، بل في سؤال أكبر: هل ينجح المغرب في الانتقال من مرحلة تنظيم التوسع العمراني إلى مرحلة صناعة مدينة المستقبل؛ مدينة لا تكون فيها الأرض مجرد وعاء للبناء، بل فضاءً لتحقيق العدالة المجالية، وجودة الحياة، والتنمية الاقتصادية، والكرامة الإنسانية؟ لأن قيمة أي قانون عمراني لا تُقاس بما يُكتب في الجريدة الرسمية، بل بما يشعر به المواطن عندما يفتح باب منزله ويجد أمامه مدينة تستحق أن تُعاش.