قبل أشهر من نهاية الولاية الحكومية… هل يكفي تغيير مدير للتشغيل لمواجهة بطالة تجاوزت كل الوعود؟ أم أن الأزمة أعمق من الأشخاص؟

0
114

في السياسة، قد يبدو تعيين مسؤول جديد قراراً إدارياً عادياً يدخل ضمن الحركة الطبيعية للمؤسسات. لكن عندما يأتي هذا القرار في قطاع يعيش واحدة من أكبر أزماته منذ سنوات، وقبل أشهر قليلة فقط من انتهاء الولاية الحكومية، فإنه يتحول إلى رسالة سياسية تستحق القراءة أكثر من مجرد نقل الخبر.

مصادقة مجلس الحكومة على تعيين يحيى عوكاش مديراً للتشغيل باقتراح من وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات يونس السكوري، ليست مجرد عملية ملء منصب إداري شاغر، وإنما تأتي في لحظة دقيقة يتصدر فيها ملف البطالة واجهة النقاش العمومي، بعد أن سجل المغرب معدلات بطالة تعد من الأعلى خلال السنوات الأخيرة وفق الأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط.

وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل يتعلق الأمر ببداية تصحيح حقيقي لمسار سياسة التشغيل؟ أم بمحاولة متأخرة لإعادة ترتيب البيت الإداري قبل أن يحين موعد تقييم الحصيلة الحكومية؟

فالزمن السياسي ليس عنصراً محايداً في قراءة مثل هذه القرارات. فالتعيين الذي كان يمكن اعتباره قبل ثلاث أو أربع سنوات بداية لإصلاح إداري، يكتسب اليوم دلالة مختلفة تماماً لأنه يأتي بينما العد التنازلي لنهاية الولاية الحكومية قد بدأ بالفعل.

وهذا ما يجعل النقاش يتجاوز اسم المدير الجديد، لينتقل إلى سؤال أكبر: لماذا الآن؟

لقد قدمت الحكومة منذ بداية ولايتها التشغيل باعتباره أحد أعمدة برنامجها الاقتصادي والاجتماعي، وربطت بين الإصلاحات الاقتصادية وجاذبية الاستثمار وخلق فرص الشغل، كما روجت لمجموعة من البرامج الموجهة للإدماج الاقتصادي ودعم المقاولات وتحفيز الاستثمار.

لكن الأرقام الرسمية ظلت ترسم صورة أكثر تعقيداً.

فارتفاع معدل البطالة إلى مستويات تجاوزت 13 في المائة لم يكن مجرد رقم اقتصادي، بل تحول إلى مؤشر اجتماعي يعكس اتساع دائرة القلق داخل المجتمع، خاصة بين الشباب وحاملي الشهادات وسكان العالم القروي والنساء.

فالرقم في علم الاقتصاد لا يمثل نسبة مئوية فقط، وإنما يمثل آلاف الأسر التي تنتظر دخلاً مستقراً، وآلاف الشباب الذين يؤجلون مشاريع الزواج والاستقرار، وآلاف الخريجين الذين يتحول الانتظار بالنسبة إليهم إلى نمط حياة.

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

لأن البطالة ليست مجرد نقص في مناصب الشغل، وإنما أزمة ثقة بين المواطن والسياسات العمومية.

فكلما طال الانتظار دون نتائج ملموسة، بدأ المواطن يفقد ثقته في قدرة المؤسسات على تحويل الوعود إلى واقع.

ومن هنا تبرز مسؤولية وزارة التشغيل.

فالوزارة لا تملك وحدها صناعة فرص العمل، لأن الاقتصاد الوطني يرتبط بعوامل متعددة، من الاستثمار إلى المناخ الدولي إلى الجفاف والتحولات الجيوسياسية.

لكنها تظل مسؤولة عن قيادة السياسة الوطنية للتشغيل، وعن التنسيق بين مختلف القطاعات، وعن تطوير آليات الوساطة والتكوين والإدماج وربط العرض بالطلب.

وهنا يبرز سؤال مشروع في إطار النقاش العمومي المسؤول:

إذا كان القطاع يحتاج اليوم إلى مدير جديد لتدارك الاختلالات، فأين كانت الحاجة إلى هذا التغيير خلال السنوات الماضية؟

هل اكتُشفت المشاكل الآن فقط؟

أم أن الإدارة كانت تعاني منذ البداية من اختلالات في الحكامة والتدبير؟

أم أن النتائج السلبية فرضت مراجعة متأخرة للبنية الإدارية؟

هذه الأسئلة لا تستهدف الأشخاص، وإنما تبحث في منطق تدبير السياسات العمومية، لأن تقييم الأداء المؤسسي جزء من الرقابة الديمقراطية، وليس حكماً مسبقاً على الأفراد.

فالمدير الجديد، مهما كانت كفاءته وتجربته، لن يستطيع وحده تغيير واقع سوق الشغل إذا بقيت الإشكالات البنيوية قائمة.

ذلك أن أزمة التشغيل في المغرب أصبحت متعددة الأبعاد.

فمن جهة، يوجد نظام تعليمي ما زال ينتج تخصصات لا تتوافق دائماً مع حاجيات السوق.

ومن جهة ثانية، تواجه المقاولات، خصوصاً الصغرى والمتوسطة، تحديات مرتبطة بالتمويل والضرائب وارتفاع كلفة الإنتاج.

ومن جهة ثالثة، تشهد العديد من القطاعات التقليدية تباطؤاً بسبب التحولات الاقتصادية العالمية والجفاف وتغير طبيعة الاستثمار.

كما أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل سوق العمل بسرعة تفوق قدرة كثير من الأنظمة التعليمية والتكوينية على مواكبة هذا التحول.

وبالتالي، فإن الحديث عن البطالة لا يمكن اختزاله في وزارة واحدة.

إنه ملف تتقاطع فيه مسؤوليات الاقتصاد والاستثمار والتعليم والتكوين المهني والفلاحة والصناعة والمالية والجهات والجماعات الترابية.

لكن في المقابل، لا يمكن أيضاً إعفاء وزارة التشغيل من مسؤولية تقييم حصيلتها.

فأي سياسة عمومية تقاس بنتائجها.

وإذا كانت المؤشرات الرسمية تشير إلى ارتفاع البطالة، فمن الطبيعي أن يطالب الرأي العام بتفسير سياسي وإداري لهذه النتائج.

كما أن توقيت التعيين يفتح باباً آخر للنقاش.

فهل يمثل هذا القرار اعترافاً ضمنياً بأن المرحلة السابقة لم تحقق الأهداف المرجوة؟

أم أنه مجرد إجراء تنظيمي يدخل ضمن السير العادي للإدارة؟

أم أنه محاولة لضخ نفس جديد داخل قطاع أصبح تحت ضغط المؤشرات الاجتماعية؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة الكفاءات الإدارية، بل تؤكد أن نجاح أي مسؤول جديد يظل رهيناً بوجود رؤية واضحة، وصلاحيات فعلية، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، ومحاسبة دورية على النتائج.

فالإدارة ليست مجرد تغيير أسماء، وإنما تغيير في طرق التفكير وآليات التنفيذ.

وقد أثبتت التجارب الدولية أن إصلاح سوق الشغل لا يبدأ من المكاتب فقط، بل من بناء اقتصاد قادر على خلق القيمة المضافة، وتشجيع المبادرة الخاصة، وربط التكوين بالاقتصاد الحقيقي، وتحفيز الاستثمار المنتج أكثر من الاستثمار الريعي، وتوجيه السياسات العمومية نحو القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص العمل المستدامة.

كما أن نجاح أي استراتيجية للتشغيل يحتاج إلى قواعد بيانات دقيقة، وتوقعات مستقبلية لحاجيات السوق، وتنسيق دائم مع القطاع الخاص، وليس فقط انتظار ارتفاع أرقام الاستثمار دون قياس أثرها المباشر على التشغيل.

واليوم، ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يصبح المواطن أقل اهتماماً بالإعلانات وأكثر اهتماماً بالحصيلة.

فالسؤال الذي يشغل الشباب الباحث عن عمل ليس من يشغل منصب المدير، وإنما متى سيجد فرصة عمل تحفظ كرامته.

وصاحب المقاولة لا يبحث عن أسماء المسؤولين، بل عن بيئة اقتصادية تساعده على التوسع والتوظيف.

والأسرة المغربية لا تتابع تفاصيل التعيينات بقدر ما تتابع قدرتها على مواجهة غلاء المعيشة وتحسين دخلها واستقرار أبنائها.

لهذا، فإن نجاح المدير الجديد لن يقاس بعدد الاجتماعات أو المذكرات الإدارية، وإنما بعدد فرص الشغل التي ستُخلق فعلياً، وبمدى قدرة الوزارة على استعادة ثقة المواطنين في سياسات التشغيل.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأعمق بعيداً عن الأشخاص والمناصب:

إذا كانت الحكومات تُقاس بما تتركه من أثر في حياة الناس، فهل يستطيع تغيير مسؤول إداري، قبل أشهر قليلة من نهاية الولاية، أن يغير حصيلة سنوات كاملة؟ أم أن أزمة التشغيل في المغرب تكشف أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من مراجعة الفلسفة التي تُدار بها السياسات العمومية، قبل أن يبدأ بتغيير من يتولى تنفيذها؟