هل يكفي تعديل قانون العدول لإصلاح العدالة التوثيقية؟ أم أن المغرب يقترب من إعادة تعريف دور العدول داخل منظومة العدالة؟

0
110

حين يصبح قانون مهنة العدول مرآة لأسئلة أعمق حول الأمن القانوني، والثقة في المؤسسات، ومستقبل التوثيق في المغرب

لم يكن قرار مجلس الحكومة، المنعقد يوم الخميس، بالمصادقة على مشروع القانون رقم 051.26 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، مجرد محطة تشريعية عادية تضاف إلى سلسلة مشاريع القوانين التي تمر عبر المسطرة الحكومية. فخلف هذا النص تختبئ سنوات من الجدل المهني، وأحكام دستورية، واحتجاجات ميدانية، ونقاشات قانونية عميقة حول واحدة من أقدم المهن القضائية في المغرب، وهي المهنة التي تمس بشكل مباشر حياة ملايين المواطنين، من الزواج والطلاق والإرث، إلى العقود والتصرفات المدنية التي تشكل أساس الأمن القانوني داخل المجتمع.

البلاغ الحكومي اختصر المسألة في كون المشروع الجديد جاء لترتيب الآثار القانونية المترتبة عن قرار المحكمة الدستورية بشأن القانون رقم 16.22، انسجاماً مع مقتضيات الفصل 134 من الدستور، كما أشار إلى أن النص الجديد أخذ بعين الاعتبار التعديلات التي فرضها الحراك المهني الأخير وإضراب العدول الذي كشف حجم الاعتراضات داخل الجسم المهني.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق فقط بمصادقة الحكومة على مشروع جديد، بل بما كشفته هذه المحطة بأكملها عن طبيعة صناعة التشريع في المغرب، وعن العلاقة بين الدولة والهيئات المهنية، وعن قدرة القوانين على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع والاقتصاد والعدالة الرقمية.

ذلك أن مهنة العدول ليست مجرد وظيفة إدارية أو تقنية، وإنما إحدى الركائز التاريخية للأمن التعاقدي، إذ ترتبط مباشرة بحقوق المواطنين وأموالهم وأسرهم، وكل خلل في تنظيمها لا يبقى داخل المكاتب، بل ينتقل إلى المحاكم ويؤثر على الاستثمار والاستقرار الاجتماعي والثقة في المؤسسات.

عندما يكشف قانون العدول أزمة أعمق من مجرد تعديل تشريعي

في الظاهر، يبدو الأمر بسيطاً؛ المحكمة الدستورية أصدرت قراراً يستوجب إعادة صياغة بعض المقتضيات، والحكومة استجابت عبر مشروع قانون جديد. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن القضية أكبر بكثير من مجرد تنفيذ قرار قضائي.

فالنسخة السابقة من القانون فجرت موجة احتجاج غير مسبوقة داخل هيئة العدول، وصلت إلى إضرابات وطنية واسعة شلت جزءاً مهماً من خدمات التوثيق. ولم يكن الاعتراض موجهاً ضد مبدأ الإصلاح، بل ضد الطريقة التي صيغ بها الإصلاح، وضد شعور شريحة واسعة من المهنيين بأن القانون لم يعكس تطلعاتهم ولم يستوعب خصوصية المهنة.

وهنا تبرز أولى الإشكالات الكبرى: هل أصبح التشريع في المغرب يكتفي بإعداد النصوص داخل المؤسسات، أم أن نجاح أي إصلاح قانوني أصبح رهيناً بالحوار الحقيقي مع الفاعلين الذين سيطبقون تلك النصوص؟

لقد أثبتت التجربة أن القانون، مهما بلغت جودة صياغته، يفقد جزءاً كبيراً من فعاليته عندما يغيب عنه التوافق المهني والاجتماعي.

وفي العمق، تكشف هذه الأزمة تحولاً مهماً تعرفه مهنة العدول نفسها.

فالعدول اليوم يشتغلون داخل بيئة قانونية مختلفة جذرياً عن تلك التي نشأت فيها المهنة قبل عقود.

هناك رقمنة متسارعة للإدارة.

وهناك استثمارات وطنية وأجنبية تحتاج إلى سرعة التوثيق.

وهناك مغاربة العالم الذين ينتظرون خدمات أكثر مرونة.

وهناك محاكم إلكترونية بدأت تعتمد التبادل الرقمي للوثائق.

وهناك تحديات مرتبطة بمحاربة غسل الأموال، وحماية المعطيات الشخصية، والتوقيع الإلكتروني، والأرشفة الرقمية.

كل هذه التحولات تجعل السؤال الحقيقي ليس: كيف ننظم مهنة العدول؟

بل: كيف نجعل مهنة العدول جزءاً من العدالة الرقمية الجديدة؟

ومن هنا تظهر معضلة أخرى.

فالتشريع وحده لا يصنع الإصلاح.

إذا لم ترافق القانون استثمارات في التكوين المستمر، وتحديث البنيات الرقمية، وربط مكاتب العدول بمنظومة إلكترونية متكاملة، فإن النصوص ستظل متقدمة نظرياً، لكنها ستصطدم بواقع عملي محدود الإمكانيات.

ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي لهذه القضية.

فالمستثمر، سواء كان مغربياً أو أجنبياً، لا ينظر فقط إلى القوانين، بل إلى سرعة تنفيذها.

كل يوم يتأخر فيه توثيق عقد، أو يطول فيه مسار إجراء قانوني، يمثل كلفة اقتصادية حقيقية.

ولهذا أصبحت سرعة وموثوقية التوثيق أحد مؤشرات جاذبية الاستثمار في مختلف دول العالم.

أما المواطن البسيط، فإنه لا يقرأ مشاريع القوانين ولا قرارات المحكمة الدستورية، لكنه يشعر مباشرة بنتائجها عندما تتعطل معاملاته، أو تتأخر وثائقه، أو يجد نفسه وسط نزاعات كان يمكن تفاديها لو كانت منظومة التوثيق أكثر وضوحاً وفعالية.

ومن زاوية مؤسساتية، تكشف هذه القضية أيضاً الدور المتزايد الذي أصبحت تلعبه المحكمة الدستورية في هندسة التشريع المغربي.

فلم تعد المحكمة تراقب فقط دستورية القوانين، بل أصبحت عملياً أحد الفاعلين الأساسيين في تحسين جودة النصوص التشريعية، وهو ما يعكس تطوراً مهماً في الممارسة الدستورية المغربية، حيث لم يعد البرلمان أو الحكومة وحدهما ينتجان القانون، بل أصبح القضاء الدستوري يساهم كذلك في إعادة تشكيله كلما تعارض مع أحكام الدستور.

لكن يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل انتهى الخلاف فعلاً بمجرد إدخال تعديلات على المشروع؟

التجارب السابقة توحي بأن كثيراً من القوانين تبدأ بالتوافق، ثم تظهر إشكالاتها عند التطبيق.

فالقانون الحقيقي لا يُختبر داخل قاعات الاجتماعات الحكومية، بل داخل مكاتب العدول، والمحاكم، والإدارات، وعند احتكاكه اليومي بالمواطنين.

العدالة لا تُقاس بعدد القوانين، بل بدرجة الثقة التي تمنحها للمواطن

قد تمر المصادقة على مشروع قانون تنظيم مهنة العدول باعتبارها خبراً حكومياً عادياً، لكن القراءة المتأنية تكشف أنها تمثل لحظة أعمق في مسار إصلاح العدالة المغربية.

فكل تعديل قانوني في مجال التوثيق لا يمس فئة مهنية فقط، بل يمس أحد الأعمدة التي يقوم عليها الأمن القانوني للدولة.

وإذا كان الدستور يمنح القوانين الشرعية، فإن المواطنين هم الذين يمنحونها الثقة.

والثقة لا تُبنى بالنصوص وحدها، بل بالقدرة على تحويل تلك النصوص إلى خدمات عادلة، سريعة، شفافة، وآمنة.

وربما يكون السؤال الذي سيظل مفتوحاً بعد هذه المصادقة ليس: هل نجح مشروع قانون تنظيم مهنة العدول؟

بل سؤال أكبر وأكثر عمقاً:

هل يستطيع المغرب، وهو يواصل إصلاح منظومته القضائية والإدارية، أن ينتقل من إصلاح القوانين إلى إصلاح الثقافة القانونية نفسها، بحيث تصبح كل وثيقة موثقة، وكل عقد، وكل إجراء قانوني، عنواناً لثقة المواطن في العدالة، لا مجرد ورقة تحمل توقيعاً وخاتماً؟