لم يعد السؤال الجبائي في المغرب مجرد نقاش حول نسب الضرائب أو مداخيل الدولة، بل تحول تدريجياً إلى سؤال أعمق يتعلق بفلسفة العدالة نفسها: من يخضع للمراقبة؟ وكيف تُمارس سلطة الدولة في تتبع المال؟ وهل تصل عين الرقابة إلى الجميع بالصرامة نفسها؟
فمع شروع مصالح المراقبة الجبائية في مدن كبرى مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة في توجيه إشعارات إلى أصحاب حسابات بنكية سجلت تدفقات مالية لا تنسجم، في نظر الإدارة، مع المداخيل المصرح بها، عاد إلى الواجهة ذلك السؤال القديم المتجدد: «من أين لك هذا؟». سؤال يبدو في ظاهره عنواناً لمحاربة التهرب الضريبي، لكنه في عمقه يحمل أسئلة أخرى عن التوازن بين حق الدولة في معرفة مصادر الأموال، وحق المواطن في حماية خصوصيته المالية، وعن مدى قدرة النظام الجبائي على التعامل مع مختلف مستويات الثروة دون استثناء.
تستند الإدارة الضريبية، في هذه التحركات، إلى ما يمنحه لها القانون من صلاحيات، خصوصاً حق الاطلاع المنصوص عليه في المادة 214 من المدونة العامة للضرائب، والذي يسمح لها بجمع المعلومات الضرورية لفهم الوضعيات المالية وتحديد الوعاء الضريبي. غير أن ممارسة هذا الحق، رغم مشروعيتها القانونية، تفتح نقاشاً أكبر حول كيفية استعماله وحدوده، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص لا ينتمون بالضرورة إلى عالم الأعمال أو التجارة، بل قد يكونون مجرد أفراد ظهرت في حساباتهم تحويلات مالية أثارت انتباه أنظمة المراقبة.
المفارقة التي تستوقف المتابع أن من بين الملفات التي تحدثت عنها المعطيات المتداولة، توجد حسابات تعود لأشخاص عاطلين عن العمل أو لا تظهر لهم مداخيل مهنية واضحة، لكنها استقبلت تحويلات مالية مهمة خلال السنتين الأخيرتين. وهنا يبدأ الاشتباك بين منطقين مختلفين: منطق الإدارة الذي يرى في التدفقات المالية غير المفسرة مؤشرات تستوجب التحقيق، ومنطق الأفراد الذين قد يجدون أنفسهم مطالبين بإعادة تركيب قصة مالية كاملة خلال أجل محدود، لإثبات أن الأموال ليست بالضرورة دخلاً خاضعاً للضريبة.
فالتحويل البنكي، في حد ذاته، لا يعني تلقائياً وجود تهرب ضريبي. فقد يكون مصدره هبة عائلية، أو إرثاً، أو قرضاً بين أفراد، أو استرجاع دين، أو مساعدة اجتماعية أو شخصية. لذلك فإن القانون لا يجعل مجرد وجود الأموال داخل الحساب دليلاً على المخالفة، بل يربط الأمر بضرورة التحقق من طبيعة تلك الأموال ومصدرها ومدى خضوعها للقواعد الجبائية.
هنا تظهر أهمية الفصل بين مرحلتين مختلفتين: مرحلة جمع المعلومات والتحليل، ومرحلة المراقبة الجبائية الفعلية. فالمادة 214 تمنح الإدارة أدوات للاستعلام وجمع المعطيات، بينما تخضع عملية فحص مجموع الوضعية الجبائية لشروط وإجراءات أكثر دقة وفق المادة 216، من بينها إشعار المعني بالأمر وتحديد الفترة موضوع الفحص وتمكينه من حقوق الدفاع وتقديم التوضيحات والوثائق داخل الآجال القانونية.
لكن خلف هذا المسار القانوني، توجد زاوية اجتماعية لا يمكن تجاهلها. فالدولة أصبحت اليوم تمتلك أدوات تقنية متقدمة تسمح لها بربط المعلومات البنكية بالعقارات والمركبات والمعاملات المختلفة، وتحليل أنماط الإنفاق والحركة المالية. في المقابل، يجد المواطن العادي نفسه أحياناً أمام تحدي إثبات عمليات قديمة أو علاقات مالية شخصية لم تكن موثقة بشكل كامل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتحويلات داخل محيط العائلة أو بين المعارف.
وهنا يبرز سؤال العدالة في تطبيق المراقبة: هل تتحول قوة البيانات الرقمية إلى أداة لضبط الجميع بالمعايير نفسها، أم أنها قد تؤدي، في غياب شفافية كافية، إلى تركيز الرقابة على الفئات الأسهل وصولاً والأقل قدرة على التعقيد المالي؟
فالمشكل الحقيقي ليس في مراقبة الحسابات البنكية، لأن محاربة التهرب الضريبي ضرورة لأي دولة تريد بناء مالية عمومية قوية وتمويل خدماتها الاجتماعية. المشكلة تكمن في السؤال الموازي: هل تمتلك الدولة الجرأة نفسها في مراقبة الحسابات الكبرى، والثروات الكبيرة، والشركات ذات المعاملات الضخمة، وأصحاب الامتيازات الاقتصادية؟
لأن العدالة الجبائية لا تقاس فقط بعدد الملفات المفتوحة، ولا بحجم الإشعارات الموجهة إلى الأفراد، بل بمدى قدرة النظام على الوصول إلى كل مصادر الدخل غير المصرح بها، سواء كانت في حساب شخص محدود الإمكانيات أو في شبكة مالية معقدة تديرها جهات ذات نفوذ اقتصادي.
ومن هنا يصبح غياب الأرقام الرسمية عاملاً يزيد الجدل. فإذا كانت الحملة واسعة وتشمل آلاف الحسابات، فإن الرأي العام يحتاج إلى معرفة معايير الانتقاء، وعدد الملفات التي انتهت إلى تسويات أو إعادة تقييم ضريبي، وحجم المبالغ المسترجعة، وطبيعة القطاعات التي شملتها المراقبة. فالشفافية هنا ليست مطلباً إعلامياً فقط، بل جزء من الثقة التي تحتاجها أي سياسة جبائية.
كما أن الحديث عن وجود حسابات «صورية» استُعملت لإخفاء مداخيل تجارية يفرض بدوره الحذر. فبين الاشتباه والإثبات مسافة قانونية لا يمكن تجاوزها. فالمتهم بالتهرب لا يصبح كذلك بمجرد وجود حركة مالية غير معتادة، بل بعد استكمال المساطر القانونية وإثبات المخالفة.
المعادلة إذن دقيقة: الدولة تحتاج إلى عين مالية مفتوحة لمحاربة الاقتصاد غير المهيكل والتهرب الضريبي، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى يد قانونية منضبطة حتى لا تتحول المراقبة إلى شعور عام بأن المواطن مطالب دائماً بتبرير أمواله، بينما تبقى بعض الثروات الكبرى خارج دائرة الضوء.
في النهاية، لا يكمن السؤال فقط في: «من أين لك هذا؟» بل ربما أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو: «إلى أين تصل هذه الرقابة؟ ومن هم الذين تصل إليهم فعلاً؟»
فنجاح أي إصلاح جبائي لا يُقاس بقدرة الدولة على اكتشاف الأموال المخفية فقط، بل بقدرتها على إقناع المجتمع بأن ميزان العدالة الضريبية موضوع أمام الجميع بالمسافة نفسها، مهما كان حجم الحساب البنكي أو موقع صاحبه.