بعد رد محمد أوزين… هل يجرؤ خصومه على المناظرة أم يكتفون بالتشهير

0
110

لم يكن أكثر ما استوقف المتابعين في رد محمد أوزين هو حدته، ولا العبارات القاسية التي استعملها في مواجهة أحد خصومه الإعلاميين، وإنما ذلك التحدي السياسي الصريح الذي ربما مر عليه كثيرون دون أن يمنحوه ما يستحق من اهتمام. فقد أعلن الرجل، بوضوح لا يحتمل التأويل، استعداده لمناظرة علنية ومباشرة أمام المغاربة، يناقش فيها كل شيء: الممتلكات، والتصريح بها، والدعم العمومي، ومصادر التمويل، والسياسات العمومية، وكل ما يعتبره الرأي العام جديرا بالمساءلة.

وهنا تحديدا تغيرت طبيعة المعركة.

فلم يعد السؤال: ماذا كتب هذا الطرف أو ذاك؟ بل أصبح السؤال: من يملك الجرأة على الانتقال من المقال إلى المناظرة؟ ومن يثق في حججه إلى درجة القبول بمواجهة مباشرة أمام المواطنين؟

إن المناظرة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أعلى درجات الثقة في النفس السياسية. فمن يطلبها يعلن، ضمنا، أنه مستعد لأن يخضع أفكاره وسلوكه وأسئلته وأجوبته لحكم الرأي العام، لا لحكم المقالات المتبادلة ولا للعناوين المثيرة.

ومن هنا، فإن رد محمد أوزين، بغض النظر عن أسلوبه، طرح سؤالا مشروعا: إذا كان ما نشر حوله يستند إلى وقائع دامغة، فلماذا لا يتحول إلى نقاش مباشر وموثق أمام المغاربة؟ ولماذا يبقى حبيس مقالات يرد عليها بمقالات، بينما المناظرة هي الفضاء الطبيعي لحسم مثل هذه الادعاءات سياسيا وأخلاقيا؟

واللافت أيضا أن جوهر اعتراض أوزين لم يكن على النقد السياسي في حد ذاته، بل على طبيعة هذا النقد. فهو لم يقل إن السياسي فوق المساءلة، بل قال إن مساءلته يجب أن تكون حول مواقفه، واختياراته، وحصيلته، وأدواره داخل المؤسسات، لا حول مساحة شقته، أو مرآبها، أو طريقة اقتنائها بقرض بنكي، وهي أوضاع يعيشها ملايين المغاربة يوميا دون أن تتحول إلى “سبق صحفي”.

وهنا يطرح سؤال مهني لا يقل أهمية عن السؤال السياسي: متى يتحول التحقيق الصحفي إلى نقاش في الشأن العام، ومتى ينزلق إلى تتبع تفاصيل الحياة الخاصة؟ وأين ينتهي حق الصحافة في الرقابة، وأين يبدأ واجبها في احترام الحدود التي تجعل النقاش العمومي أكثر جودة، لا أكثر إثارة؟

كما أن رد أوزين أثار مسألة أخرى تستحق التأمل، وهي توظيف الرموز الوطنية والمؤسسات الدستورية في خصومات شخصية. فالملكية، والوحدة الترابية، والمؤسسات الأمنية، والعلاقات الخارجية، ليست عناصر تزينية تمنح أي مقال ثقلا إضافيا، وليست أدوات بلاغية تستدعى كلما اشتد الخلاف بين شخصين. إنها مؤسسات وقضايا جامعة، وإقحامها في معارك فردية قد يخلط بين ما هو وطني جامع وما هو سياسي قابل للنقد والاختلاف.

ومن زاوية أخرى، قلب أوزين معادلة المساءلة نفسها. فإذا كان من حق الإعلام أن يسأل السياسي عن ممتلكاته، فمن حق الرأي العام أيضا أن يسأل المؤسسات الإعلامية عن مصادر تمويلها، وكيفية استفادتها من الدعم العمومي، ومدى التزامها بأخلاقيات المهنة. فالشفافية، إذا كانت قيمة ديمقراطية، لا يمكن أن تكون انتقائية؛ تُطلب من السياسي وتُستثنى منها المنابر التي تنصب نفسها قاضية على الجميع.

لهذا، فإن النقاش الحقيقي الذي خلفه هذا السجال لا يتعلق بمن ربح جولة كلامية، بل بأي نموذج للحياة العامة نريد. هل نريد سياسة تتنافس فيها البرامج والرؤى، وإعلاما يراقب بالأدلة والوثائق؟ أم نريد مشهدا تتراجع فيه الأفكار لصالح التشهير، وتتحول فيه الحياة الخاصة إلى البديل الأسهل عن النقاش السياسي؟

لقد وضع محمد أوزين على الطاولة عرضا واضحا: مناظرة مفتوحة أمام المغاربة، دون وسطاء، ودون مونتاج، ودون عناوين مثيرة. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال موجها إليه وحده، بل أصبح موجها أيضا إلى خصومه.

فإذا كانت الملفات قوية كما يقال، فما الذي يمنع من كشفها أمام الرأي العام في مواجهة مباشرة؟ وإذا كانت الحجة متماسكة، فلماذا يظل النقاش أسير المقالات المتبادلة؟

في النهاية، قد يختلف كثيرون مع محمد أوزين في مواقفه أو في أسلوبه، وهذا حقهم الكامل. لكنهم سيجدون أنفسهم أمام سؤال يصعب تجاوزه: هل يكون الرد على الدعوة إلى المناظرة بالقبول… أم بالصمت؟

وهنا، ربما تبدأ المعركة الحقيقية.