لم تكن الصورة التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي لشابة أنهكتها أمواج البحر قبل أن ترفع شارة النصر على اليابسة مجرد مشهد إنساني عابر، بل تحولت في ساعات قليلة إلى رمز احتفاء جماعي أعاد إنتاج سردية قديمة تُقدِّم الوصول باعتباره نهاية سعيدة لقصة الهجرة السرية. آلاف التعليقات احتفت بـ”الإنجاز”، وآلاف المشاركات أعادت نشر اللقطة بوصفها انتصاراً للإرادة على المستحيل، بينما كانت العدسات تلتقط لحظة النجاة وتُسقط، من حيث لا تدري أو ربما من حيث تدري، عشرات القصص الأخرى التي لم تجد من يوثق نهايتها.
ذلك هو الوجه الذي يراه الجميع. أما الوجه الآخر، فيختبئ بعيداً عن خوارزميات الإعجاب والمشاركة، داخل بيوت أطفئت فيها الحياة منذ أيام، حيث لم يعد الزمن يُقاس بالساعات، بل بعدد الاتصالات التي لم تأتِ، وعدد الرسائل التي بقيت دون جواب، وعدد الأخبار المتضاربة التي تزيد القلوب اضطراباً بدل أن تمنحها يقيناً. هناك آباء وأمهات يعيشون بين احتمالين قاسيين؛ أن يكون الابن قد وصل دون أن يتمكن من الاتصال، أو أن يكون البحر قد ابتلعه دون أن يترك حتى فرصة للوداع.
المأساة الحقيقية لا تبدأ عند لحظة الغرق، بل عند لحظة الاختفاء. ففي حالات كثيرة لا تُسلَّم جثة، ولا تصدر شهادة وفاة، ولا يصل خبر حاسم. يبقى المفقود معلقاً بين الحياة والموت، وتبقى الأسرة سجينة انتظار مفتوح لا تعرف له نهاية. إنه نوع من الألم يختلف عن كل أشكال الفقد، لأن الإنسان يستطيع أن يتصالح مع الحقيقة مهما كانت قاسية، لكنه ينهار أمام الغموض الذي لا يمنحه حق الحداد ولا يسمح له باستعادة الأمل.
المفارقة المؤلمة أن الفضاء الرقمي أصبح، في كثير من الأحيان، يعرض نصف الحقيقة فقط. فهو يُضخم قصص الناجين لأنها تحمل عناصر الإثارة والانتصار، بينما لا تحظى صور الأمهات الباكيات، ولا نداءات البحث عن المفقودين، ولا قوائم الأسماء التي تنتظر التعرف عليها، بالانتشار نفسه. وهكذا تتشكل في وعي بعض الشباب صورة مضللة، توحي بأن البحر طريق صعب لكنه قابل للعبور، في حين أن الواقع يقول إن كثيرين دخلوا الماء ولم يخرجوا منه أبداً، وأن عدداً آخر اختفى دون أثر، لتبدأ بعده معاناة عائلات بأكملها.
الأخطر من ذلك أن تكرار مشاهد الاحتفال بالوصول، دون وضعها في سياقها الحقيقي، يساهم في تطبيع فكرة “الحريك” وتحويلها تدريجياً إلى نموذج نجاح بديل. فالمتلقي، وخاصة المراهق أو الشاب الذي يعيش شعوراً بالاختناق الاجتماعي أو الاقتصادي، لا يرى المقبرة البحرية الممتدة بين الضفتين، بل يرى فقط من نجح في الوصول. إنها آلية نفسية معروفة؛ فقصص النجاة تُروى، أما قصص الغرق فتغيب مع أصحابها في الأعماق، ولذلك يبدو النجاح أكثر شيوعاً مما هو عليه في الحقيقة.
ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة من كُتب له النجاة، ولا بمصادرة فرحة أسرة استعادت ابنها أو ابنتها بعد رحلة كانت قد تتحول إلى مأساة. فالنجاة نعمة تستحق الحمد، والفرح بها حق إنساني لا جدال فيه. لكن المسؤولية الأخلاقية والإعلامية تفرض ألا تتحول تلك اللحظة إلى مادة تمجّد طريقاً يدفع كثيرون ثمنه من أرواحهم، أو إلى رسالة غير مباشرة تشجع آخرين على الاعتقاد بأن البحر صار ممراً مضموناً نحو مستقبل أفضل.
إن خلف كل منشور يبحث عن مفقود، وكل صورة شخصية تتحول فجأة إلى إعلان استغاثة، وكل رقم هاتف يُطلب الاتصال به عند العثور على صاحبه، حكاية أسرة كاملة تعيش انهياراً صامتاً. هناك أم تراقب الأمواج وكأنها تنتظر أن يعيد لها البحر ما أخذه، وأب يفتش في كل قائمة للناجين وفي كل صورة للمهاجرين أملاً في العثور على وجه مألوف، وإخوة يعيشون بين الدعاء والخوف، غير قادرين على إغلاق باب الأمل ولا على مواجهة احتمال الفاجعة.



