خطاب العرش 2026… حين ترسم الدولة أولويات المرحلة بلغة الاستمرارية

0
131
صورة: و.م.ع

ليست خطابات العرش مجرد مواعيد دستورية تتجدد مع نهاية كل سنة من سنوات الحكم، ولا مجرد مناسبة لاستعراض حصيلة مرحلة أو الإعلان عن توجهات جديدة، بل أصبحت، مع مرور الزمن، نصوصاً سياسية تؤدي وظيفة أعمق؛ فهي تعكس الطريقة التي تنظر بها الدولة إلى نفسها، وإلى موقعها داخل التحولات الوطنية والإقليمية والدولية. ومن هذا المنطلق، لا تُقرأ هذه الخطابات فقط بما تتضمنه من قرارات أو أرقام، وإنما أيضاً بالمنطق الذي ينظمها، وبالرسائل التي تختار إبرازها، وبالترتيب الذي توزع من خلاله أولويات المرحلة.

وانطلاقاً من هذه الزاوية، يبدو خطاب العرش لسنة 2026 أقرب إلى خطاب يؤطر مرحلة سياسية أكثر من كونه خطاباً يؤسس لمرحلة جديدة. فلم يكن الهاجس الأساسي هو الإعلان عن سياسات غير مسبوقة، بقدر ما كان تثبيت رؤية تعتبر أن ما تحقق خلال السنوات الماضية يشكل قاعدة ينبغي تعزيزها، وأن المرحلة المقبلة ليست قطيعة مع ما قبلها، وإنما امتداد لمسار اختارت الدولة أن تؤكد استمراره.

منذ الفقرات الأولى، يلفت الانتباه أن الخطاب لم يبن رسالته على فكرة التغيير، بل على فكرة التراكم. فالمفردات الأكثر حضوراً لم تكن الإصلاح أو التحول أو المراجعة، وإنما الثقة، والاستمرارية، والإنجاز، والتقدم، وهي مفردات لا تعمل منفصلة عن بعضها، بل تشكل معاً إطاراً لغوياً يعكس رؤية سياسية واضحة: قوة الدولة تقاس بقدرتها على الحفاظ على اتجاه استراتيجي ثابت، حتى وهي تواجه متغيرات داخلية وخارجية متسارعة.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد اختيار لغوي، لأن اللغة في الخطابات الكبرى ليست حيادية. فالكلمات لا تؤدي وظيفة الوصف فقط، وإنما ترسم أيضاً الإطار الذي يراد أن تُقرأ من خلاله المرحلة. لذلك بدا واضحاً أن الخطاب يدعو إلى النظر إلى المغرب باعتباره مشروعاً مستمراً، تُبنى خطواته بالتراكم، لا بالتقلب، وبالاستمرارية، لا بردود الفعل الظرفية.

ولعل أكثر ما يكشف هذه الفلسفة هو الطريقة التي عالج بها الخطاب فكرة الزمن. فهو لم يحصر الإنجازات داخل ولاية حكومية أو دورة انتخابية، بل أعاد ربطها بمسار ممتد عبر سنوات طويلة، بما يجعل الزمن الاستراتيجي للدولة أوسع من الزمن السياسي للمؤسسات المنتخبة. وبهذا المعنى، لا يقدم الخطاب الحكومات باعتبارها بداية للمشاريع أو نهايتها، وإنما باعتبارها حلقات متعاقبة في ورش وطني يتجاوز الإيقاع الانتخابي ويستند إلى رؤية بعيدة المدى.

وهنا تظهر إحدى السمات البارزة في بنية الخطاب. فبدلاً من تقديم الإنجازات بوصفها نتائج لبرامج حكومية متفرقة، جرى وضعها ضمن سردية واحدة عنوانها استمرارية الاختيارات الكبرى. إنها طريقة في بناء الرواية الوطنية تجعل المشروع أهم من مراحله، والمسار أهم من محطاته، بحيث تصبح مختلف المؤسسات جزءاً من دينامية واحدة تتقاطع فيها الأدوار داخل أفق استراتيجي مشترك.

ومن هذه الزاوية أيضاً، يكتسب الحديث عن الانتخابات التشريعية المقبلة دلالة مختلفة. فالخطاب لم يتناولها باعتبارها لحظة تعيد تعريف الخيارات الكبرى للدولة، وإنما باعتبارها محطة دستورية لتجديد المؤسسات ومواصلة العمل داخل المشروع الوطني نفسه. وهنا لا يقدم النص الانتخابات بوصفها قطيعة بين مرحلتين، بل باعتبارها آلية لتجديد الفاعلين وتعزيز استمرارية المؤسسات في إطار رؤية ثابتة.

هذه المقاربة لا تلغي أهمية التنافس الديمقراطي، لكنها تضعه داخل تصور أشمل يعتبر أن استقرار التوجهات الاستراتيجية يمثل قاعدة يتحرك فوقها الفاعل السياسي، بينما يبقى مجال التنافس مرتبطاً بوسائل التنزيل ونجاعة التدبير وجودة الأداء. ومن خلال هذا البناء، يرسم الخطاب علاقة تكامل بين استمرارية الدولة ودورية المؤسسات، دون أن يضعهما في موقع التعارض.

وإذا كان الزمن هو الخيط الأول الذي نظم الخطاب، فإن الاقتصاد كان الخيط الثاني الذي منح هذه الرؤية مضمونها العملي. فالحيز الذي خصصه النص للتحولات الاقتصادية لم يكن مجرد استعراض لمؤشرات النمو أو المشاريع الصناعية، بل كان جزءاً من سردية أوسع تقدم الاقتصاد باعتباره إحدى الأدوات الرئيسية لترسيخ موقع المغرب في عالم يتغير بسرعة. لذلك حضرت الصناعات الجديدة، وسلاسل الإنتاج، والطاقات المتجددة، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية، والأسواق المالية، بوصفها عناصر ضمن رؤية متكاملة لإعادة تموقع المملكة داخل الاقتصاد العالمي.

واللافت أن الخطاب لم يعرض هذه القطاعات باعتبارها نجاحات منفصلة، وإنما كحلقات مترابطة داخل مشروع تنموي واحد. فالصناعة تقود إلى الاستثمار، والاستثمار يقود إلى التشغيل، والانفتاح الاقتصادي يقود إلى تعزيز الموقع الجيوسياسي، وهو ترابط يعكس أن الدولة تنظر إلى الاقتصاد باعتباره رافعة للسيادة بقدر ما هو رافعة للنمو.

ومن هنا يمكن فهم سبب انتقال الخطاب من الاقتصاد إلى المكانة الدولية للمغرب بصورة سلسة. فالحضور الخارجي لم يقدم باعتباره مجالاً منفصلاً عن التنمية الداخلية، بل بوصفه امتداداً لها. وكأن الرسالة تقول إن تعزيز الشراكات، وتوسيع الحضور الاقتصادي، وترسيخ الموقع الإقليمي، كلها نتائج لمسار تنموي يراد له أن ينعكس على صورة المغرب ومكانته في محيطه الإقليمي والدولي.

وفي المقابل، اختار الخطاب أن يمنح الأولوية للقضايا الاستراتيجية الكبرى أكثر من التفاصيل القطاعية اليومية. وهذا ليس غياباً لتلك القضايا بقدر ما يعكس طبيعة الخطاب نفسه؛ فهو خطاب يؤطر الاتجاه العام أكثر مما يدخل في تفاصيل السياسات العمومية التي تبقى من اختصاص المؤسسات التنفيذية. ولذلك جاءت الأولوية لرسم الأفق العام الذي تتحرك داخله مختلف الأوراش الوطنية، بدلاً من الوقوف عند الملفات التدبيرية أو الجزئية.

ومن الناحية البلاغية، يمكن ملاحظة أن الخطاب حافظ على إيقاع هادئ ومتدرج، بعيد عن لغة الاستعجال أو الأزمة. فحتى عند حديثه عن التحديات، لم يعتمد مفردات القطيعة أو الانكسار، وإنما استعمل لغة تقوم على الثقة في القدرة على مواصلة البناء، وهو اختيار يعزز الانطباع بأن الرسالة الأساسية لم تكن تعبئة الرأي العام لمواجهة ظرف استثنائي، بل ترسيخ الثقة في مسار تعتبره الدولة متماسكاً وقادراً على مواصلة التطور.

وهذا الإيقاع اللغوي ينسجم مع البنية العامة للنص. فالخطاب لا ينتقل من مشكلة إلى حل، كما يحدث في البرامج الحكومية، وإنما ينتقل من رؤية إلى رؤية، ومن ورش إلى ورش، ومن أفق إلى أفق، بما يجعله أقرب إلى وثيقة تؤطر الاتجاه العام للدولة، لا إلى برنامج عمل تفصيلي. وهذه سمة ظلت ترافق خطابات العرش خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت تؤدي وظيفة التأطير الاستراتيجي أكثر من وظيفة التدبير اليومي.

ومن يقرأ الخطاب بهذه الزاوية يلاحظ أن قيمته السياسية لا تكمن فقط في مضامينه المباشرة، وإنما في الطريقة التي يعيد بها ترتيب العلاقة بين عناصر المشهد الوطني. فالاقتصاد لا يقدم منفصلاً عن السيادة، والمؤسسات لا تُقرأ بمعزل عن استمرارية الدولة، والانتخابات لا تُطرح خارج المشروع الوطني، والعلاقات الخارجية لا تنفصل عن التحولات الداخلية. إنها بنية متكاملة تجعل كل محور يفسر الآخر، وتمنح الخطاب وحدته الفكرية.

ولهذا، فإن القراءة التي تكتفي بإحصاء ما ورد في الخطاب أو ما لم يرد فيه، تظل قراءة ناقصة، لأنها تتعامل مع النص بوصفه قائمة موضوعات، بينما تكمن أهميته الحقيقية في المنطق الذي يربط بين هذه الموضوعات ويمنحها معناها السياسي. فالخطابات الكبرى لا تُقاس بعدد الملفات التي تناولتها، بل بالتصور الذي تنتجه للدولة ولموقعها ولمسارها.

وفي النهاية، يمكن القول إن خطاب العرش لسنة 2026 قدم نفسه بوصفه خطاباً للاستمرارية الواعية أكثر منه خطاباً للتغيير الظرفي. فقد رسم صورة لدولة ترى أن قوتها تكمن في وضوح اتجاهها، وفي تراكم منجزاتها، وفي قدرتها على مواصلة العمل وفق رؤية طويلة النفس، مع تجديد المؤسسات وتطوير الأدوات كلما اقتضت المرحلة ذلك. ومن هذه الزاوية، فإن الخطاب لم يكن مجرد مناسبة لتوصيف الواقع، بل كان أيضاً إعادة تأكيد للفلسفة التي اختارت الدولة أن تجعلها الإطار الناظم لمرحلتها المقبلة: الاستمرارية في الرؤية، والتدرج في الإنجاز، والثقة في المستقبل بوصفها أساساً لمواصلة البناء.