50 ألف مغربي عبروا إلى سبتة… عندما يصبح الهروب استفتاءً صامتاً على الوطن
هناك أرقام تُقرأ في نشرات الأخبار، وأرقام أخرى تهز الضمير. والخمسون ألفاً الذين عبروا إلى سبتة خلال ساعات لا يمثلون مجرد موجة هجرة غير نظامية، بل يختزلون لحظة تاريخية مؤلمة، لأنها تكشف أن الأزمة لم تعد أزمة حدود، بل أزمة ثقة بين الإنسان ووطنه. فحين يتحرك هذا العدد الهائل دفعة واحدة، وبينهم أطفال وقاصرون ونساء وشباب وذوو إعاقة، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: كيف عبروا؟ بل: لماذا قرروا أن يعبروا أصلاً؟
الأرقام التي أعلنتها السلطات الإسبانية غير مسبوقة. فقد تحدثت وزارة الداخلية عن دخول نحو خمسين ألف مهاجر إلى سبتة، بينهم ما لا يقل عن سبعة آلاف قاصر، قبل أن يعود نحو خمسة وعشرين ألفاً منهم طوعاً إلى المغرب بعد ساعات فقط، بعدما اصطدموا بواقع مختلف عن الصورة التي رسمها لهم الحلم أو الوهم أو شبكات التضليل. كما أكدت السلطات أن المدينة شهدت ضغطاً هائلاً على مرافقها، في وقت ارتفعت فيه حصيلة الوفيات إلى عشرات الضحايا أثناء محاولات العبور.
لكن اختزال المشهد في كونه “عملية هجرة جماعية” يظلم الحقيقة.
ما وقع هو، في جوهره، انفجار اجتماعي صامت.
فالإنسان لا يضع حياته في البحر من أجل مغامرة عابرة، ولا يدفع بطفله نحو المجهول من أجل نزوة مؤقتة. الإنسان يفعل ذلك عندما يقتنع، أو يُقنع، بأن المستقبل الذي ينتظره خارج وطنه، مهما كان مجهولاً، يبدو أقل قسوة من الحاضر الذي يعيشه داخله.
هنا تبدأ القراءة العميقة.
لقد أصبح المغرب، خلال السنوات الأخيرة، يحقق مؤشرات اقتصادية كبرى، ويطلق مشاريع استراتيجية عملاقة، من الموانئ إلى الطاقات المتجددة، ومن البنيات التحتية إلى الاستثمارات الصناعية. وهي منجزات حقيقية لا يمكن إنكارها. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل شعر المواطن البسيط بأن هذه الإنجازات انعكست على حياته اليومية؟
لأن المواطن لا يقيس التنمية بعدد المؤتمرات ولا بحجم الاستثمارات، وإنما يقيسها عندما يجد عملاً، ويحصل على علاج كريم، ويؤمن تعليم أطفاله، ويستطيع شراء حاجياته دون أن يشعر بأن راتبه ينتهي قبل منتصف الشهر.
وهنا يظهر التناقض الأخطر.
فالدولة تتحدث بلغة الأرقام الكلية، بينما يتحدث المواطن بلغة معاناته اليومية.
الدولة ترى معدل النمو.
والمواطن يرى فاتورة الكهرباء.
الدولة ترى نسب الاستثمار.
والمواطن يرى البطالة.
الدولة ترى المشاريع.
والمواطن يرى جيبه.
وعندما تتسع المسافة بين هاتين اللغتين، يصبح البحر وسيطاً بين الإحباط والأمل.
ولعل أكثر ما يوجع في هذه الموجة ليس عدد الذين عبروا، وإنما طبيعة من عبروا.
سبعة آلاف قاصر رقم يكفي وحده لإطلاق حالة طوارئ وطنية في التفكير، لأن الطفل الذي يقرر مغادرة وطنه لا يملك حسابات سياسية ولا تحليلات اقتصادية، بل يحمل إحساساً واحداً فقط: أنه لا يرى مستقبله حيث ولد.
أما المفارقة الأكثر قسوة فهي أن نصف هؤلاء عادوا طواعية إلى المغرب بعد ساعات قليلة، بعدما اكتشفوا أن الضفة الأخرى ليست الجنة التي تخيلوها. وجدوا أنفسهم في شوارع مكتظة، بلا مأوى، وبلا غذاء كافٍ، وبلا ماء، وسط انتشار أمني كثيف وظروف إنسانية بالغة الصعوبة.
وهنا تتكشف مأساة مزدوجة.
لقد هربوا من واقع لم يعودوا يحتملونه، ثم اصطدموا بواقع آخر أكثر قسوة.
أي أن الخاسر الحقيقي لم يكن فقط من بقي في سبتة، بل حتى من عاد إلى المغرب، لأنه عاد محملاً بانكسار جديد.
ولذلك فإن المسؤولية لا يمكن أن تختزل في شبكات الاتجار بالبشر، رغم خطورتها، ولا في الإشاعات التي استغلت ثغرات قانونية أو قرارات قضائية في إسبانيا، كما تقول مدريد. فهذه العوامل قد تفسر لحظة الانفجار، لكنها لا تفسر قابلية عشرات الآلاف للمجازفة بحياتهم.
الاستعداد للمخاطرة يولد داخل المجتمع، لا على الحدود.
وهنا يصبح السؤال أكثر إيلاماً.
ما الذي يجعل شاباً في العشرين، أو فتاة في الثامنة عشرة، أو حتى طفلاً، يقتنع بأن احتمال الموت في البحر أقل رعباً من احتمال البقاء؟
ذلك السؤال لا تجيب عنه الأجهزة الأمنية.
ولا تجيب عنه البلاغات الرسمية.
بل يجيب عنه الواقع الاجتماعي.
إن المقارنة التي تخطر في أذهان كثيرين، مهما كانت مؤلمة، تستحق التأمل لا للمساواة بين السياقات، بل لفهم البعد الإنساني. ففي أماكن تعيش حروباً مدمرة، يتمسك كثير من السكان بأرضهم رغم الخطر، بينما يدفع الإحباط الاجتماعي والاقتصادي في أماكن أخرى بعض الناس إلى المخاطرة بالرحيل. لكل حالة ظروفها السياسية والأمنية والإنسانية المختلفة، لكن الجامع بينها هو سؤال الانتماء والأمل: متى يشعر الإنسان أن وطنه، رغم كل شيء، يستحق أن يبقى فيه؟
ليس المطلوب من المسؤولين أن يغضبوا من هذا السؤال.
المطلوب أن يخافوا منه.
لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة ليس أن يغادرها الناس، بل أن يفقدوا الإيمان بإمكان بناء مستقبل داخلها.
لقد تعاملت السلطات المغربية والإسبانية مع الجانب الأمني واللوجستي للعبور والعودة، وهو أمر فرضته طبيعة الأزمة. لكن معالجة التداعيات الإنسانية والأسباب البنيوية تبقى التحدي الأكبر، لأن الأمن يضبط الحدود، أما الأمل فهو الذي يمنع الناس من التفكير في مغادرتها.
وفي النهاية، ليست القضية قضية سبتة فقط.
وليست قضية حدود.
وليست قضية هجرة.
إنها قضية وطن.
والوطن لا يقاس بعدد من يدخل إليه أو يخرج منه، وإنما بعدد الذين يستيقظون كل صباح مقتنعين بأن مستقبلهم يبدأ من داخله، لا من خارجه.
فإذا أصبح الهروب حلم آلاف الشباب، فإن السؤال لم يعد موجهاً إلى المهاجرين، بل إلى السياسات العمومية، وإلى النموذج التنموي، وإلى كل من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام.
لأن خمسين ألف شخص لا يكتبون بياناً سياسياً.
لكنهم، بأقدامهم، كتبوا رسالة لا يجوز أن تُقرأ بعين الأمن وحدها، بل بعين الدولة والمجتمع معاً.