بين بحرٍ ابتلع الأطفال وعودة 48 ألف مهاجر إلى المغرب… سبتة تكشف الوجه الآخر لأزمة الهجرة

0
115

سبتة بعد العاصفة… 57 قتيلاً ابتلعهم البحر و48 ألف مهاجر عادوا إلى المغرب: حين تكشف أزمة الهجرة حدود الأمن وعمق الاختلالات الاجتماعية

لم يكن البحر الذي يفصل المغرب عن سبتة مجرد مسار لعبور المهاجرين، بل تحول في لحظة مأساوية إلى مقبرة مفتوحة حملت أرواح عشرات الأشخاص الذين كانوا يبحثون عن منفذ نحو ضفة أخرى. خلف رقم 57 قتيلاً توجد قصص إنسانية قاسية: أطفال، وأسر، وأمهات حملن أطفالهن في رحلة مجهولة المصير، بينهم رضع لم يكونوا يملكون قرار الهجرة ولا القدرة على فهم معنى الخطر الذي وجدوا أنفسهم داخله.

هذه الصورة هي الوجه الأكثر قسوة للأزمة، لأنها تنقل النقاش من مجرد ملف أمني يتعلق بالحدود إلى سؤال أعمق حول الأسباب التي تجعل الإنسان يصل إلى لحظة يرى فيها البحر، بكل مخاطره، أقل قسوة من واقعه اليومي.

فالأزمة لم تبدأ عند شاطئ سبتة، ولم تبدأ لحظة محاولة العبور، بل بدأت قبل ذلك بكثير؛ في مسارات اجتماعية يشعر فيها البعض بأن الفرص ليست متاحة للجميع، وأن الوصول إلى العمل والاستقرار والعيش الكريم أصبح مرتبطاً أحياناً بعوامل تتجاوز الجهد الفردي.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: من يتحمل مسؤولية هذه الأرواح التي اختفت في البحر؟ هل المسؤولية تقع فقط على شبكات التهريب التي تستغل أحلام الناس؟ أم أنها تعكس أيضا أزمة أوسع مرتبطة بسياسات عمومية لم تنجح دائماً في معالجة جذور التهميش والإقصاء وضعف تكافؤ الفرص؟

إن الفقر، والهشاشة الاجتماعية، والشعور بانسداد الأفق، ومظاهر الزبونية والمحسوبية التي تنتقدها شرائح من المجتمع، كلها عوامل تساهم في صناعة مناخ يجعل الهجرة تبدو للبعض كطريق للخلاص. وهي ليست سبباً مباشراً لكل حالة، لكنها جزء من البيئة التي تنتج اليأس وتدفع إلى المخاطرة.

في الجانب الآخر، تكشف الأرقام الرسمية الإسبانية أن الأزمة عرفت تحولاً سريعاً في مرحلتها الأولى. فقد أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن 48 ألفاً و300 مهاجر عادوا إلى المغرب طواعية من أصل نحو 50 ألف شخص دخلوا مدينة سبتة بطريقة غير نظامية، أي أن أكثر من 96 في المائة من الوافدين غادروا المدينة.

هذا الرقم يعكس نجاحاً في احتواء الضغط الميداني الذي واجهته سبتة، بعدما وجدت المدينة نفسها أمام وضع استثنائي تجاوز قدرات مرافق الاستقبال والأجهزة الأمنية والخدمات الاجتماعية. لكنه لا يعني أن الأزمة انتهت، لأن عودة المهاجرين لا تجيب عن السؤال الأساسي: لماذا وصل هذا العدد الكبير إلى محاولة العبور في وقت واحد؟

كما أن الأرقام الرسمية الإسبانية بقيت محل اختلاف مع تقديرات أخرى، بعدما تحدث رئيس حكومة سبتة المحلية خوان خيسوس فيفاس عن أعداد أكبر، وهو ما يعكس طبيعة الأزمات الكبرى التي تتداخل فيها الحسابات الإنسانية والأمنية والسياسية.

وقد حاولت مدريد وضع ما حدث داخل إطار حماية السيادة والحدود، حيث وصف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز الأحداث بأنها انتهاك لسيادة إسبانيا، بينما استمر التنسيق بين الرباط ومدريد لإعادة المهاجرين وضبط تدفقات العبور.

لكن خلف لغة الأمن والسيادة تبقى الحقيقة الإنسانية الأكثر إلحاحاً: الحدود يمكن مراقبتها، والعمليات يمكن احتواؤها، والمهاجرون يمكن إعادتهم، لكن الأسباب التي تدفع الناس إلى الرحيل لا تختفي بمجرد إغلاق المعابر.

إن مأساة سبتة لم تكن فقط أزمة هجرة، بل كانت لحظة كشفت هشاشة التوازن بين الأمن والإنسان، وبين حماية الحدود ومعالجة الأسباب. فالـ57 قتيلاً ليسوا مجرد ضحايا رحلة فاشلة، بل هم نتيجة سلسلة طويلة من الاختلالات والأسئلة التي لا يمكن للبحر أن يبتلعها معه.

فبعد عودة 48 ألف مهاجر، يبقى السؤال الأكبر مفتوحاً: هل تم احتواء الأزمة، أم تم فقط تأجيل انفجار سؤال اجتماعي وإنساني أعمق؟