الرياضة المغربية بين «المهمة» و«المهنة»… هل آن الأوان لإعلان نهاية النموذج القديم؟

0
184

ليست كل التدوينات التي تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي تستحق أن تتحول إلى مادة للنقاش العام، لكن بعضها يتجاوز حدود الرأي الشخصي ليصبح وثيقة سياسية وإدارية تستحق التوقف عندها. وهذا ما ينطبق، إلى حد بعيد، على التدوينة المطولة التي نشرها محمد الداودي، الكاتب العام السابق للجامعة الملكية المغربية للتيكواندو، والتي لم يكتف فيها بانتقاد بعض الممارسات داخل الجامعات الرياضية، بل وضع إصبعه على جرح ظل مفتوحاً لعقود، يتعلق بطبيعة الحكامة الرياضية في المغرب، وبالسؤال الذي تهرب منه المؤسسات كلما عاد الأبطال بخيبة جديدة من الألعاب الأولمبية أو البطولات العالمية.

فالداودي لم يكتب من موقع المتفرج، بل من موقع من عاش تفاصيل التدبير الرياضي من الداخل. لذلك تبدو كلماته أقرب إلى شهادة منها إلى تدوينة، وأقرب إلى تشريح بنية كاملة منها إلى تصفية حساب مع هذا الرئيس أو ذاك. وفي هذا تكمن قيمة النص؛ لأنه لا يطلب من القارئ أن يصدق أحكامه، بل يدعوه إلى طرح سؤال بسيط: لماذا تتحول رئاسة جامعة رياضية، التي يُقال إنها عمل تطوعي لا أجر فيه ولا امتياز، إلى معركة قد تمتد سنوات، وتُرفع بسببها الدعاوى، وتُنسج التحالفات، ويُستنزف فيها المال والوقت والجهد؟

إنه السؤال الذي ينبغي أن يقلق الدولة قبل أن يقلق الرياضيين.

فالمنطق يقول إن العمل التطوعي يهرب منه الناس، بينما الواقع الرياضي المغربي يكشف أن هناك من لا يمل من العودة إلى سباق الرئاسة مرة بعد أخرى، مهما كانت النتائج، ومهما كانت الانتقادات، ومهما كانت الإخفاقات. وإذا كان المنصب، كما يقال، لا يمنح سوى الإرهاق وتحمل المسؤولية، فلماذا يتحول إلى غاية في حد ذاته؟ ولماذا لا يكاد رئيس يغادر موقعه إلا ليعود إليه أو يبحث عن وسيلة للبقاء قريباً منه؟

هنا يبدأ محمد الداودي في تفكيك ما يعتبره المفارقة الكبرى. فهو لا ينكر وجود رجال ونساء تطوعوا بإخلاص لخدمة الرياضة، لكنه يرى أن هذا النموذج أصبح استثناء أكثر منه قاعدة. أما القاعدة، في نظره، فهي أن رئاسة الجامعة الرياضية تحولت، في حالات متعددة، من مهمة وطنية مؤقتة إلى مهنة غير معلنة، لها قواعدها، وطقوسها، وتحالفاتها، وآلياتها في إنتاج النفوذ وإعادة إنتاجه.

إنها ليست مهنة بالمعنى القانوني، وإنما بالمعنى السياسي والإداري؛ أي نمط دائم من ممارسة السلطة، حيث يصبح المنصب غاية في حد ذاته، ويغدو الحفاظ عليه أهم من تطوير الرياضة التي يفترض أن يخدمها.

وهنا تكمن أخطر رسالة في تدوينة الداودي. فهو لا يهاجم القانون، بل يلمح إلى أن القانون، عندما يغيب عنه التدقيق والمحاسبة الفعلية، قد يتحول إلى مظلة توفر المشروعية الشكلية لممارسات لا تحقق بالضرورة الحكامة الجيدة. فوجود التوقيعات، والوثائق، والمحاضر، والتقارير، لا يعني دائماً أن المال العام يُصرف وفق فلسفة النتائج، بل قد يعني فقط أن الإجراءات الشكلية قد استُوفيت.

وهذا هو الفارق الكبير بين الشرعية القانونية والشرعية الأخلاقية في تدبير المال العمومي.

فالرياضة ليست جمعية خيرية، وليست شركة خاصة، بل قطاع يستثمر فيه المال العام من أجل صناعة الإنسان، ورفع العلم الوطني، وتحقيق الإشعاع الدولي. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل احترمت الجامعة المساطر؟ بل: ماذا حققت مقابل الأموال التي وضعتها الدولة رهن إشارتها؟

ومن هنا تصبح العودة المتكررة بخيبات أولمبية وعالمية سؤالاً عن النموذج، لا عن النتائج فقط.

لقد اعتدنا، بعد كل دورة أولمبية، أن ينشغل الجميع بأسماء الرياضيين، والمدربين، والحكام، بينما يغيب السؤال الأهم: من يحاسب نموذج التدبير نفسه؟ فمنذ سنوات طويلة تتغير الحكومات، ويتغير الوزراء، ويتغير المديرون، لكن البنية الأساسية للحكامة الرياضية تكاد تبقى كما هي، وكأن الزمن توقف داخل الجامعات الرياضية.

الأخطر من ذلك أن بعض الجامعات أصبحت تنتج حول رؤسائها هالة يصعب اختراقها. فكل مؤسسة تحتاج إلى قيادة، لكن القيادة شيء، وصناعة الزعيم الأبدي شيء آخر. وعندما تصبح المؤسسة مرتبطة بشخص أكثر من ارتباطها بالقواعد والمؤسسات، فإنها تدخل في منطق الولاءات، لا في منطق الحكامة.

ولذلك يتحدث الداودي عن ظاهرة “المصفقين”. ولا يقصد بها كل من يدعم رئيساً أو يسانده، وإنما يقصد تلك الحلقة التي تتحول وظيفتها الأساسية إلى صناعة صورة مثالية للرئيس، وتقديمه باعتباره المنقذ الوحيد، وصاحب الفضل المطلق، حتى يصبح أي نقد موجهاً إليه بمثابة اعتداء على الرياضة نفسها.

إنها ظاهرة لا تخص الرياضة وحدها، لكنها تصبح أكثر خطورة داخل قطاع يعيش أساساً على المال العمومي.

وإذا كان المال العمومي هو الوقود الذي يحرك الجامعات الرياضية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل آليات المراقبة الحالية كافية لضمان أن كل درهم يصرف ينعكس على تكوين الرياضيين، وتأهيل الأطر، وتوسيع قاعدة الممارسة، وتحقيق النتائج؟

هذا سؤال لا يجيب عنه رئيس جامعة، ولا وزارة، وإنما تجيب عنه منظومة كاملة للمحاسبة.

ومن هنا يصبح من الصعب الفصل بين ما كتبه الداودي وبين الصورة العامة للرياضة المغربية. فالرجل يتحدث عن الجامعات، لكن الواقع يقودنا إلى ما هو أبعد منها. فالجامعات ليست سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ من السياسة الرياضية للدولة، مروراً بطريقة توزيع الدعم، وآليات التقييم، وأسلوب الرقابة، وانتهاء بثقافة الإفلات من المحاسبة.

ولهذا فإن تحميل رؤساء الجامعات وحدهم مسؤولية الأزمة سيكون تبسيطاً للمشهد.

فالمنظومة الإدارية التي أشرفت على القطاع لعقود تتحمل بدورها جزءاً من المسؤولية، ليس لأنها ارتكبت بالضرورة أخطاء قانونية، بل لأنها لم تنجح في بناء نموذج حديث للحكامة الرياضية يجعل النتائج هي معيار الاستمرار، لا العلاقات، ولا التوازنات، ولا القدرة على البقاء داخل دوائر القرار.

وهنا يبرز سؤال أكبر من الأشخاص، وأكبر من الجامعات، وأكبر حتى من الوزارة نفسها: هل ما زالت البنية الحالية لتدبير الرياضة المغربية قادرة على مواكبة طموحات المغرب؟

يصعب الجزم بالإجابة، لكن الوقائع تدفع إلى الاعتقاد بأن الإصلاح الجزئي لم يعد كافياً.

إن تعديل بعض النصوص، أو تغيير بعض الرؤساء، أو ضخ اعتمادات مالية إضافية، لن يغير كثيراً إذا بقيت الفلسفة نفسها. فالمنظومات لا تُصلح بتغيير الوجوه فقط، وإنما بإعادة تصميم قواعد اللعبة.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن المغرب أصبح في حاجة إلى نقاش وطني شجاع حول مستقبل حكامة الرياضة. نقاش لا يقتصر على تعديل قانون أو مرسوم، وإنما يعيد التفكير في الهندسة المؤسساتية للقطاع برمته.

فقد يكون من المناسب فتح ورش إحداث وزارة مستقلة للرياضة، تمتلك رؤية استراتيجية، وصلاحيات تنفيذية، وأدوات للتقييم والمساءلة، بعيداً عن المقاربات الإدارية التقليدية. وقد يكون الخيار الأنسب هو إنشاء مجلس أعلى للرياضة الوطنية، يضم خبرات في الإدارة والاقتصاد والقانون والطب الرياضي والحكامة، ويضطلع بوضع السياسات الكبرى، وتقييم أداء الجامعات، وربط التمويل بالنتائج، مع الحفاظ على استقلالية الحركة الرياضية واحترام القوانين المنظمة لها.

هذه ليست دعوة إلى إلغاء الجامعات، ولا إلى مصادرة استقلاليتها، وإنما إلى بناء سلطة استراتيجية عليا تجعل الرياضة قضية دولة، لا مجرد ملف إداري.

فالمغرب، الذي أصبح قوة رياضية صاعدة في كرة القدم، ويستعد لاحتضان أكبر التظاهرات العالمية، لا يمكنه أن يظل يعتمد في باقي الرياضات على نموذج تدبير يعود في كثير من تفاصيله إلى عقود مضت.

إن الدولة التي استثمرت في البنيات التحتية، وفي الملاعب، وفي الأكاديميات، مطالبة اليوم بأن تستثمر بالقدر نفسه في إصلاح الحكامة. لأن المنشآت وحدها لا تصنع الأبطال، كما أن الميزانيات وحدها لا تصنع الإنجازات.

وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لتدوينة محمد الداودي لا تكمن في أنها تنتقد هذا الرئيس أو ذاك، وإنما في أنها أعادت فتح سؤال ظل مؤجلاً طويلاً: هل أصبحت بعض الجامعات الرياضية تُدار لخدمة الرياضة، أم أن الرياضة أصبحت، في بعض الحالات، تُدار لخدمة استمرار الجامعات ورؤسائها؟

ذلك هو السؤال الذي يجب ألا يبقى حبيس صفحات فيسبوك.

إنه سؤال دولة.

وسؤال دولة لا يُجاب عنه ببلاغات التبرير، ولا بخطابات المجاملة، ولا بإحصاء عدد الميداليات التي تحققت هنا أو هناك. وإنما يُجاب عنه بإصلاح مؤسساتي عميق يعيد تعريف معنى المسؤولية الرياضية، ويجعل رئاسة الجامعة تكليفاً مؤقتاً يخضع للتقييم والمحاسبة، لا موقعاً دائماً تُبنى حوله الولاءات وتتشكل داخله موازين القوى.

فحين تتحول “المهمة” إلى “مهنة”، تصبح الرياضة أول الخاسرين.

وعندما تصبح حماية المنصب أهم من صناعة البطل، فإن الخلل لا يعود خللاً في الأشخاص، بل في النموذج نفسه.

ولعل اللحظة قد حانت ليقال بوضوح: إن المغرب في حاجة إلى ثورة هادئة في حكامة الرياضة، ثورة تنقل القطاع من منطق تدبير الملفات إلى منطق صناعة الإنجاز، ومن ثقافة النفوذ إلى ثقافة الكفاءة، ومن شرعية البقاء إلى شرعية النتائج.

فالأمم لا تُقاس بعدد الجامعات الرياضية التي تمتلكها، بل بعدد الأبطال الذين تصنعهم، وبعدد المؤسسات التي تعرف كيف تحاسب نفسها قبل أن يحاسبها التاريخ.