عيد العرش… وسبتة: هل كان التوقيت هو الرسالة؟

0
135
وقفت يوم عرفة

بينما كانت الساحات المغربية تتزين بألوان الاحتفال بعيد العرش، وكانت الأنظار تتجه إلى الخطاب الملكي الذي استعرض حصيلة الإنجازات ورسم ملامح المرحلة المقبلة، كان مشهد آخر يتشكل، على بعد كيلومترات قليلة فقط، عند تخوم سبتة. آلاف الشبان المغاربة كانوا يتدفقون نحو الحدود الإسبانية في واحدة من أكبر موجات العبور التي عرفتها المدينة. لم يكن التناقض بين المشهدين وحده هو ما يستوقف المراقب، بل تزامنهما أيضاً. فمن المشروع أن يُطرح السؤال: هل كان ذلك مجرد تقاطع زمني فرضته الظروف، أم أن هذا التوقيت استغلته جهات ما لتحقيق أثر إعلامي أو سياسي يتجاوز واقعة الهجرة نفسها؟

يزداد هذا السؤال مشروعية عندما نستمع إلى شهادات عدد من الشباب الذين أكدوا، أمام عدسات الصحافة، أن قرار التوجه نحو سبتة لم يتشكل في الميدان، بل بدأ على شاشات هواتفهم، بعد وصول رسائل ومنشورات تتحدث عن فتح باب العبور. هنا تنتقل القصة من الحدود إلى الفضاء الرقمي، ومن حركة بشرية إلى سؤال أكبر يتعلق بمصدر المعلومة وكيفية انتشارها.

في العمل الصحفي، ليست قيمة المقابلة فيما يُقال فقط، بل في الأسئلة التي يختار الصحفي ألا يطرحها. فعندما سألت إحدى الصحفيات أحد العائدين: «من أخبركم بأن الجمارك أو باب العبور إلى سبتة مفتوح حتى تأتوا إلى هنا؟» جاء الجواب لافتاً: «الإسبان… صفحات إسبانية ظهرت فجأة في هواتفنا.» كان ذلك، بالنسبة لأي صحفي استقصائي، بداية التحقيق لا نهايته.

هذه الشهادة لا تثبت، بمفردها، وجود حملة منظمة، لكنها تفتح باباً واسعاً لأسئلة تستحق التحقيق. ما هي تلك الصفحات؟ من يقف وراءها؟ هل كانت حسابات معروفة أم مجهولة؟ هل انتشرت رسائلها بصورة طبيعية، أم استفادت من أدوات الترويج الرقمي والخوارزميات للوصول إلى أكبر عدد من المستخدمين؟ وهل كان انتشار هذه الرسائل عفوياً، أم أن هناك من عمل على تضخيمها في توقيت بالغ الحساسية؟

هذه هي الأسئلة التي تسمح بها الوقائع، وهي أسئلة مشروعة لا يجوز القفز فوقها. أما الجزم بأن ما حدث كان مؤامرة أو محاولة لإسقاط النظام أو أي توصيف مماثل، فهو أمر يحتاج إلى أدلة وقرائن لا توفرها هذه الشهادات وحدها. لذلك فإن قوة التحقيق الصحفي لا تكمن في إطلاق الاتهامات، بل في تتبع الخيوط التي قد تقود إلى الحقيقة.

وإذا ثبت، من خلال تحقيق مهني مدعوم بالأدلة، أن جهة ما تعمدت نشر معلومات مضللة، أو ضخمت أخباراً كاذبة، أو استغلت مناسبة وطنية بحجم عيد العرش لدفع آلاف الشباب نحو الحدود، فإن السؤال لن يكون فقط: من حرك هؤلاء الشباب؟ بل لماذا اختير هذا التوقيت تحديداً؟ وهل كان الهدف صناعة أزمة حدودية؟ أم إحراج المغرب إعلامياً في لحظة وطنية ذات رمزية عالية؟ أم فرض صورة مختلفة على واجهة الأخبار العالمية، بحيث يتقاسم مشهد الحدود مساحة الاهتمام مع احتفالات عيد العرش؟

من هنا، قد لا تكون القصة الحقيقية هي الهجرة في حد ذاتها، فالهجرة ظاهرة متكررة في حوض المتوسط. الجديد في هذه الواقعة هو التوقيت، والرسائل الرقمية التي قال عدد من الشباب إنها وصلت إلى هواتفهم قبل التحرك. لذلك يصبح السؤال المركزي الذي ينبغي أن ينطلق منه أي تحقيق جاد هو: من صنع الرواية قبل أن تتحول إلى حدث؟ لأن الأزمات الحديثة لا تبدأ دائماً عند الحدود، بل كثيراً ما تبدأ برسالة على هاتف، أو بمنشور على منصة رقمية، أو بخبر ينتشر بسرعة، ثم يتحول في ساعات إلى واقع يفرض نفسه على الأرض وعلى نشرات الأخبار في آن واحد.