من داخل المنظومة إلى منصة الاتهام… ماذا يريد محمد الداودي أن يقول عن الرياضة المغربية؟

0
173

لم يعد محمد الداودي يتحدث بصفته مسؤولاً سابقاً داخل إحدى الجامعات الرياضية، بل أصبح يقدم نفسه باعتباره شاهداً على ما جرى داخل المنظومة التي كان جزءاً منها. وفي أحدث خرجاته المصورة، لم يكتف بإدانة الاختلالات التي يعرفها القطاع الرياضي، بل ذهب أبعد من ذلك عندما ربط بين مشاهد “الحريك” التي عرفها شمال المغرب وبين ما وصفه بالإخفاقات المتراكمة في تدبير الجامعات الرياضية. إنه انتقال من نقد الأداء إلى مساءلة النموذج برمته، ومن الحديث عن النتائج الرياضية إلى الحديث عن مصير الإنسان الرياضي نفسه.

منذ الدقائق الأولى، يحرص الداودي على رسم حدود مداخلته. فهو يعلن أنه لن يناقش الأسباب السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية للهجرة، لأنها، في رأيه، تناولها كثيرون. لكنه يختار زاوية يعتبرها غائبة عن النقاش العمومي: هل أصبحت المنظومة الرياضية نفسها أحد العوامل التي تدفع بعض الرياضيين إلى فقدان الأمل؟ بهذا السؤال، يضع المتلقي أمام أطروحة جديدة، مفادها أن الهجرة لم تعد تعكس فقط أزمة الاقتصاد أو سوق الشغل، بل قد تعكس أيضاً أزمة المؤسسات التي كان يفترض أن تحتضن المواهب وتحولها إلى قصص نجاح.

ولإسناد هذه الأطروحة، يستحضر الداودي صوراً تداولها الرأي العام لرياضيين ولاعبين كانوا ضمن محاولات الهجرة، ويتوقف عند مشهد شاب استطاع قطع مسافة طويلة سباحة في البحر. بالنسبة إليه، لا يمثل هذا الشاب مجرد مهاجر، بل موهبة رياضية ضاعت لأن المنظومة لم تستطع اكتشافها وتأطيرها. هنا ينتقل الخطاب من البعد الإنساني إلى البعد المؤسساتي؛ فالمشكلة، كما يصورها، ليست في الشباب، وإنما في المؤسسات التي أخفقت في تحويل قدراتهم إلى مشروع رياضي ومستقبل مهني.

ومن هذه النقطة يبدأ الداودي في بناء مرافعته ضد طريقة تدبير الجامعات الرياضية…

من انتقاد النتائج إلى اتهام طريقة التدبير

بعد أن ربط محمد الداودي بين “الحريك” وبين ما يعتبره فشل المنظومة الرياضية في احتضان مواهبها، ينتقل إلى مستوى آخر من الخطاب. فهو لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يبدأ في البحث عن المسؤول عنها. هنا يتحول كلامه من خطاب إنساني إلى خطاب مساءلة، موجهاً أصابع الاتهام إلى الجامعات الرياضية وطريقة إدارتها.

ولعل أول رسالة يريد إيصالها هي أن الأزمة ليست أزمة إمكانيات. فهو يستحضر برامج الدعم التي عرفتها الرياضة المغربية في مراحل سابقة، ويتحدث عن المبادرات الملكية التي خصصت اعتمادات مالية لإعداد الرياضيين، وعن المنح الشهرية وبرامج التحضير للألعاب الأولمبية. لكنه يتوقف عند سؤال يعتبره جوهر القضية: إذا كانت الإمكانيات موجودة، فلماذا بقيت النتائج ضعيفة؟

هذا السؤال ليس بريئاً. فالداودي لا يناقش حجم الميزانيات، بل يناقش مردودها. وهو يريد أن يقول إن المشكلة لم تعد في نقص الموارد، وإنما في طريقة توظيفها. لذلك يعيد أكثر من مرة التذكير بأن الأموال صُرفت، لكن الإنجاز الرياضي لم يرتقِ إلى مستوى تلك الاستثمارات.

في هذا السياق، يوجه انتقاداً مباشراً إلى مسؤولي الجامعات الرياضية. فهو يرى أنهم، بدل أن يتوقفوا لتقييم أسباب الإخفاق، يكتفون بعد كل دورة أولمبية أو بطولة عالمية بتقديم المبررات نفسها. ومن خلال هذا الطرح، يحاول إقناع المتلقي بأن الأزمة أصبحت بنيوية، لأنها تتكرر من دورة إلى أخرى دون مراجعة حقيقية.

استدعاء الرسالة الملكية… ومقارنة مع الواقع

من بين أكثر اللحظات دلالة في حديثه، استحضاره للرسالة الملكية التي دعت إلى التعامل مع الرياضيين بمنطق “الأب”. لم يكن هذا الاستحضار عابراً، بل جاء في قلب حجته.

فالداودي يقول، بصورة غير مباشرة، إن الفلسفة التي أرادها الملك تقوم على الرعاية والاحتضان والمتابعة، بينما الواقع الذي عاشه داخل الجامعات يسير في اتجاه مختلف. لذلك يفسر مفهوم “الأبوة” ليس باعتباره وصفاً أخلاقياً، بل باعتباره نموذجاً في التدبير؛ نموذج يجعل الرياضي محور الاهتمام، لا مجرد وسيلة لتحقيق نتيجة ظرفية.

وبهذا الربط، يمنح انتقاداته بعداً أكبر، لأنه لا يقارن بين جامعة وأخرى، بل بين ما تعتبره الدولة رؤية استراتيجية للرياضة، وما يعتبره هو ممارسة يومية داخل بعض الجامعات.

“الرهان لم يعد الميدالية”… أخطر ما قاله الداودي

في منتصف حديثه تقريباً، يطلق محمد الداودي ما يمكن اعتباره أخطر تصريح في المقطع. فهو يقول إن الرهان عند بعض الجامعات لم يعد تحقيق الميداليات، وإنما الاستفادة من الموارد المالية المرتبطة ببرامج الإعداد والمشاركة.

هنا ينتقل الخطاب من نقد سوء التدبير إلى التشكيك في الأولويات التي تحكم بعض المسؤولين.

ورغم أنه لا يسمي أشخاصاً أو جامعات بعينها، فإن الرسالة واضحة: في نظره، أصبحت هناك منظومة تستفيد من استمرار الوضع كما هو، أكثر مما تستفيد من تحقيق الإنجازات الرياضية.

وهذا التصريح تحديداً يحتاج، إذا أريد تحويله إلى اتهام ثابت، إلى أدلة ووثائق تتجاوز الانطباع الشخصي، لكنه في سياق خطابه يمثل خلاصة تجربته كما يرويها هو.

مليارات الدراهم… ولكن أين الأثر؟

بعد ذلك، ينتقل الداودي إلى الحديث عن ميزانيات الجامعات الرياضية، مشيراً إلى أن عشرات الجامعات تدبر اعتمادات مالية ضخمة على امتداد المواسم الرياضية.

غير أن النقطة التي يريد الوصول إليها ليست قيمة هذه الأموال، وإنما أثرها.

فهو يتساءل: لماذا لا ينعكس هذا الإنفاق على حياة الرياضيين؟ ولماذا لا تشعر الأسر بأن الرياضة أصبحت قادرة على ضمان مستقبل أبنائها؟

بهذا الطرح، يربط الداودي بين المال العام وبين الثقة المجتمعية. فبالنسبة إليه، نجاح أي سياسة رياضية لا يقاس فقط بعدد الميداليات، بل أيضاً بقدرتها على جعل الأسرة المغربية تؤمن بأن الرياضة يمكن أن تكون مساراً للحياة، لا مجرد هواية تنتهي بانتهاء المنافسات.

ومن هنا يعود مرة أخرى إلى فكرته الأولى: عندما يفقد الرياضي الثقة في مستقبله داخل بلده، يصبح البحث عن مستقبل آخر خارج الحدود خياراً مطروحاً، حتى وإن كان محفوفاً بالمخاطر.

هل تكمن الأزمة في القانون أم في من يطبقه؟

بعد انتقاده لطريقة صرف الأموال، ينتقل محمد الداودي إلى مستوى أكثر حساسية، وهو الإطار القانوني الذي يحكم الجامعات الرياضية. لكنه لا يدخل في تفاصيل النصوص القانونية بقدر ما يطرح سؤالاً عملياً: من يدير هذه المؤسسات؟ وهل يتوفر فعلاً على الكفاءة التي تتناسب مع حجم المسؤولية؟

فالداودي يرى أن بعض المناصب داخل الجامعات، خاصة تلك المرتبطة بالتدبير المالي والإداري، أصبحت تُسند لأشخاص لا يمتلكون، في تقديره، المؤهلات العلمية أو المهنية التي تفرضها إدارة مؤسسات تتلقى دعماً عمومياً بملايين الدراهم. ومن خلال هذا الطرح، يحاول نقل النقاش من الأشخاص إلى المنظومة القانونية التي تسمح، بحسب رأيه، بوصول هذه النخب إلى مواقع القرار.

إنه لا يهاجم فرداً بعينه، بل يشكك في آلية إنتاج القيادات الرياضية نفسها. فحين تغيب معايير الكفاءة والخبرة، يصبح استمرار الاختلالات، من وجهة نظره، نتيجة طبيعية لا استثناءً.

أين دور الوزارة؟

لا يوجه الداودي انتقاداته إلى الجامعات وحدها، بل يوسع دائرة المسؤولية لتشمل القطاع الحكومي الوصي على الرياضة. فهو يتساءل بصراحة عن سبب عدم تفعيل الأدوار الرقابية التي يمنحها القانون للإدارة، ويتحدث عن حضور ممثل الوزارة داخل أجهزة التسيير باعتباره آلية للمواكبة والمراقبة، قبل أن يلمح إلى أن هذا الدور، في نظره، لا يمارس بالفعالية المطلوبة.

وهنا تتغير طبيعة الخطاب مرة أخرى. فالقضية، بالنسبة إليه، لم تعد مجرد سوء تدبير داخل بعض الجامعات، بل أصبحت، في تصوره، أزمة رقابة ومحاسبة. فإذا كانت الدولة تمول، والقانون ينظم، فمن المسؤول عن ضمان حسن التدبير؟ هذا هو السؤال الذي يتركه معلقاً أمام الرأي العام.

“الوجوه التي لا تغادر”

من أكثر العبارات التي تحمل شحنة سياسية في حديث الداودي، تساؤله عن استمرار بعض المسؤولين في مواقعهم لسنوات طويلة، رغم توالي الإخفاقات. إنه لا يذكر أسماء، لكنه يصف ظاهرة يعتبرها أحد أسباب الجمود داخل الرياضة المغربية.

وفي هذا السياق، يربط بين استمرار الأشخاص واستمرار النتائج نفسها. فحين تبقى القيادات ذاتها، والآليات ذاتها، والعلاقات ذاتها، يصبح الفشل، في نظره، أمراً متوقعاً لا مفاجئاً.

إنها دعوة غير مباشرة إلى تجديد النخب الرياضية، وربط المسؤولية بالنتائج، لا بطول مدة البقاء في المنصب.

أخطر لحظة في الخطاب… الاعتراف

وسط سلسلة الانتقادات، يتوقف الداودي فجأة ليقول: “لا أزكي نفسي… أنا أيضاً كنت جزءاً من هذا المعنى.”

قد تبدو الجملة قصيرة، لكنها ربما أكثر جملة تمنح خطابه ثقلاً. فهو لا يقدم نفسه باعتباره خصماً تاريخياً للمنظومة، بل باعتباره شخصاً شارك فيها، ثم انتهى إلى مراجعة تجربته.

هذا الاعتراف يؤدي وظيفتين في آن واحد. فمن جهة، يحاول أن يمنح شهادته مصداقية أكبر، لأنه يتحدث من موقع من عاش التفاصيل، لا من موقع المراقب الخارجي. ومن جهة ثانية، يخفف من حدة اتهاماته، لأنه لا يعفي نفسه من المسؤولية الأخلاقية عن المرحلة التي كان جزءاً منها.

غير أن هذا الاعتراف يفتح، في المقابل، سؤالاً مشروعاً: إذا كان الداودي يعتبر نفسه جزءاً من هذه المنظومة، فما حجم المسؤولية التي يتحملها هو نفسه؟ وهو سؤال لا يجيب عنه في هذا المقطع، ويظل مفتوحاً أمام أي قراءة نقدية لخطابه.

“لن يبقى الوضع على حاله”… رسالة إلى من؟

في خاتمة حديثه، يبتعد الداودي عن لغة النقد المباشر، ويتجه إلى لغة التوقع. فهو يقول إنه لا يعتقد أن ما يجري داخل بعض الجامعات الرياضية سيستمر كما هو، ويدعو إلى “تراكم” الشهادات والمعطيات وكشف “الزوايا المظلمة” التي لا يعرفها الرأي العام.

هذه الخاتمة ليست مجرد أمنية، بل تحمل رسالة سياسية وإدارية واضحة. فهو يوحي بأن مرحلة كشف الملفات قد بدأت، وأن تراكم المعلومات قد يقود، في نهاية المطاف، إلى مساءلة أوسع لمنظومة التسيير الرياضي.

وفي الوقت نفسه، يحرص على التعبير عن ثقته في مؤسسات الدولة، بما يوحي بأن رهانه ليس على الصراع الإعلامي وحده، بل على أن تصل هذه الرسائل إلى الجهات المعنية، فتتحول إلى إصلاحات أو إلى مساءلات، إذا ثبتت الوقائع بالأدلة.

بين الشهادة والاتهام… أين يقف خطاب محمد الداودي؟

عند جمع مختلف تصريحاته، يتبين أن الداودي لا يقدم رواية تقنية عن اختلالات الجامعات الرياضية، بل يبني سردية متكاملة قوامها أن الأزمة ليست في قلة الإمكانيات، ولا في ضعف المواهب، بل في نموذج الحكامة الذي يدير الرياضة المغربية.

لكنه، في الوقت نفسه، لا يقدم وثائق أو معطيات تفصيلية داخل هذا المقطع تثبت كل ما يطرحه، وإنما يعتمد أساساً على تجربته الشخصية وعلى قراءته لمسار الجامعات الرياضية. لذلك يبقى خطابه، في جوهره، شهادة من فاعل سابق داخل المنظومة تستحق النقاش والتحقق، أكثر من كونه حكماً نهائياً على جميع الجامعات أو جميع المسؤولين.

ومن هنا تكتسب تصريحاته أهميتها؛ فهي لا تكمن فقط في مضمون الانتقادات، بل في هوية من يطلقها. فحين يتحدث شخص يقول إنه كان جزءاً من المنظومة، فإن كلماته تتحول من مجرد رأي إلى شهادة تستدعي، إن كانت مدعومة بالوثائق والمعطيات، نقاشاً مؤسساتياً حول الحكامة الرياضية، وآليات صرف المال العام، ومستقبل آلاف الشباب الذين ما زالوا يؤمنون بأن الرياضة يمكن أن تكون طريقاً للنجاح، لا طريقاً ينتهي عند شاطئ الهجرة.

هل بدأ محمد الداودي معركة إصلاح… أم معركة تصفية حسابات؟

يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد الاستماع إلى هذا المقطع كاملاً: ماذا يريد محمد الداودي من كل هذه الخرجات المتتالية؟ هل هو مجرد مسؤول سابق قرر أن يكشف ما عاشه داخل المنظومة الرياضية؟ أم أنه يخوض معركة لإعادة فتح ملف الحكامة الرياضية في المغرب؟

الإجابة ليست بسيطة، لأن الرجل يتعمد في هذا التسجيل، كما في تسجيلات سابقة، ألا يحصر انتقاداته في جامعة رياضية واحدة أو في شخص بعينه، بل يوجهها إلى نموذج كامل من التسيير. فهو يتحدث عن التمويل، وعن الانتخابات، وعن التمثيلية، وعن غياب الكفاءة، وعن استمرار الوجوه نفسها، وعن ضعف المردودية، ثم ينتهي إلى نتيجة واحدة: الخلل، في نظره، أصبح بنيوياً، وليس مجرد أخطاء فردية.

غير أن قوة هذا الخطاب لا تعفيه من سؤال مضاد. فالداودي يعترف بأنه كان جزءاً من هذه المنظومة، بل يصرح بوضوح: “لا أزكي نفسي… أنا أيضاً كنت جزءاً من هذا المعنى.” وهذا الاعتراف يجعل الرأي العام يتساءل: لماذا اختار الحديث اليوم؟ وهل كان يرى هذه الاختلالات وهو في موقع المسؤولية؟ وإذا كان يراها، فما الذي منعه آنذاك من إعلانها للرأي العام؟

إنها أسئلة لا تنتقص من قيمة ما يطرحه، لكنها جزء من أي قراءة نقدية متوازنة، لأن الشهادة تكتسب قوتها عندما تكون قابلة للنقاش، لا عندما تتحول إلى حقيقة مطلقة.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الداودي يكرر، في أكثر من مناسبة، أن هدفه ليس مهاجمة الأشخاص، وإنما كشف ما يعتبره اختلالات تمس مستقبل الرياضة المغربية. ولذلك يحرص على استحضار الرسائل الملكية، وعلى التأكيد أن الدولة وفرت التمويل، وأن المشكلة، بحسب تصوره، تكمن في الحلقة التي تتولى تدبير هذا التمويل. بهذا المعنى، فهو يحاول نقل النقاش من سؤال “كم صرفنا؟” إلى سؤال أكثر إزعاجاً: “ماذا حققنا بما صرفناه؟”

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا المقطع أنه لم يعد يتحدث عن الميداليات فقط، بل عن الإنسان الرياضي. فالرياضي، في خطابه، لم يعد مجرد مشروع بطل أولمبي، بل أصبح شاباً يبحث عن مستقبل كريم. وعندما ينتهي الأمر ببعض هؤلاء إلى ركوب البحر، فإن الداودي يعتبر ذلك دليلاً على أن الأزمة تجاوزت حدود المنافسة الرياضية، وأصبحت تمس الوظيفة الاجتماعية للرياضة نفسها.

لكن، في المقابل، فإن الربط الذي يقيمه بين ظاهرة “الحريك” وبين أداء الجامعات الرياضية يبقى طرحاً تحليلياً يقدمه هو، وليس استنتاجاً أثبتته دراسة علمية أو تقرير رسمي. فالهجرة غير النظامية ظاهرة متعددة الأسباب، تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والأسرية، إلى جانب عوامل أخرى، ولا يمكن إرجاعها إلى سبب واحد.

وهنا تكمن أهمية هذه الخرجات الإعلامية. فهي لا تقدم أجوبة نهائية، بقدر ما تطرح أسئلة محرجة. أسئلة حول المال العام، وحول الحكامة، وحول المسؤولية، وحول مصير آلاف الشباب الذين يدخلون القاعات الرياضية وهم يحلمون بمنصة التتويج، ثم يغادر بعضهم البلاد وهم يحلمون فقط بفرصة حياة.

وفي النهاية، سواء اتفق المتابع مع محمد الداودي أو اختلف معه، فإن ما يقوله يضع المنظومة الرياضية أمام اختبار صعب. فإذا كانت تصريحاته مجرد انطباعات شخصية، فإن الرد عليها يكون بالوقائع والأرقام والشفافية. أما إذا كانت تستند إلى معطيات ووثائق، فإنها تتحول إلى دعوة صريحة لفتح نقاش وطني حول حكامة الرياضة المغربية، لأن الرياضة لم تعد تقاس بعدد الميداليات فقط، بل أيضاً بقدرتها على حماية مواهبها، وصناعة الأمل، ومنع اليأس من أن يتحول إلى قارب في عرض البحر.

وهنا تتجاوز تصريحات محمد الداودي حدود النقد الرياضي، لتتحول إلى مساءلة سياسية وأخلاقية لنموذج تدبير ظل لعقود يقدم نفسه باعتباره صانع الأبطال، بينما يسأل هو اليوم: إذا كنا نصنع الأبطال فعلاً، فلماذا أصبح بعضهم يبحث عن مستقبله خارج الوطن؟