من «تقنين السوشل ميديا» إلى تنظيم المجال العام: ماذا تريد الحكومة فعلاً من قوانين الإعلام الرقمي؟

0
80

تتحرك الحكومة المغربية نحو إعادة رسم الحدود القانونية للفضاء الرقمي في لحظة أصبح فيها الهاتف المحمول منافساً مباشراً للتلفزيون والصحافة والإذاعة في صناعة الرأي العام. مشروع تعديل قانون الاتصال السمعي البصري، الذي تقول وزارة الثقافة والشباب والتواصل إن صياغته انتهت، ومشروع قانون مكافحة الأخبار الزائفة، يبدوان في ظاهرهما استجابة طبيعية لتحولات تكنولوجية تجاوزت التشريع القائم. لكن جمع الخيوط يكشف أن المسألة أوسع من سد فراغ قانوني: الدولة تستعد لإدخال فضاء كانت تتحكم فيه المنصات والمستخدمون والخوارزميات إلى مجال تنظيمي وطني تكون فيه المسؤوليات محددة، والجهة الرقابية معروفة، والمنصة الأجنبية مطالبة بالتعامل مع الدولة داخل قواعدها.

الفكرة الأساسية ظهرت بوضوح منذ عرض محمد المهدي بنسعيد أمام البرلمان في ماي 2025. الوزير تحدث آنذاك عن إطار وطني متكامل لتنظيم المحتوى الرقمي، وتوسيع صلاحيات الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وإلزام المنصات التي تستهدف الجمهور المغربي بتعيين ممثل قانوني داخل المغرب. كما تحدث عن أنظمة لتعديل المحتوى، وحماية القاصرين، والتعامل مع المضامين غير القانونية، مستلهماً التجربة الأوروبية في قانون الخدمات الرقمية. هذه التفاصيل مهمة لأنها تكشف أن المشروع لم يولد كرد فعل على حادثة معينة، وإنما من تصور سابق يريد إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمنصة الرقمية: المنصة التي كانت تعمل فوق المجال الوطني من دون مخاطب قانوني مباشر، ستصبح مطالبة، وفق التصور المعلن، بأن يكون لها عنوان قانوني ومسؤولية قابلة للمساءلة.

وهنا تحديداً توجد أول نية عميقة في المشروع: استعادة الدولة جزءاً من السيادة على المجال المعلوماتي. فالمشكلة بالنسبة إلى صانع القرار لم تعد أن شخصاً نشر تدوينة كاذبة، وإنما أن شركات عالمية تملك البنية التحتية التي تحدد ما يراه ملايين المغاربة، وأن الخوارزمية تستطيع أن تمنح فيديو مجهولاً انتشاراً يفوق ما تحصل عليه مؤسسة إعلامية مهنية. لطيفة أخرباش، رئيسة الهاكا، وصفت هذا التحول بوضوح عندما تحدثت عن انتقال المنصات الكبرى من مجرد وسائط تقنية إلى «فاعل بنيوي» في تشكيل الفضاء العمومي، وعن تراجع الوساطة التقليدية وتسارع الزمن الإعلامي وتنامي التضليل. لذلك فإن توسيع اختصاص الهاكا ليس تفصيلاً إدارياً؛ إنه محاولة لإيجاد مؤسسة وطنية تقف في النقطة التي تلتقي فيها التكنولوجيا بالإعلام والسياسة والمصلحة العامة.

لكن المشروع يحمل في الوقت نفسه مفارقة دقيقة. الدولة تقول إنها لا تريد المساس بحرية التعبير، وهذا موقف معلن ومتكرر، بينما تمنح نفسها عبر التشريع أدوات أوسع لمراقبة المحتوى وتحديد مسؤوليات الفاعلين. هنا لا يكفي الاطمئنان إلى النوايا المعلنة؛ لأن جوهر المسألة يوجد في التعريفات. من هو «الخبر الزائف»؟ هل هو الخبر الذي ثبت كذبه قضائياً، أم الذي يتبين لاحقاً أنه غير دقيق، أم الذي تعتبره جهة إدارية مضللاً؟ ومتى يتحول الخطأ الصحافي إلى تضليل؟ ومتى يتحول النقد السياسي الحاد إلى محتوى يهدد «تماسك النسيج المجتمعي»؟ هذه ليست أسئلة نظرية، لأن اتساع المفاهيم القانونية يوسع معها هامش السلطة التقديرية في التطبيق.

وتزداد حساسية الأمر مع وجود مشروع ثانٍ يتعلق بمكافحة الأخبار الزائفة، بالتوازي مع ورش تعديل القانون الجنائي. الربط بين النصوص هنا مقصود من الناحية القانونية: الوزارة تريد تفادي التناقض بين قانون خاص بالمجال الرقمي والمقتضيات الجنائية العامة، وهو ما يفسر التنسيق مع وزارة العدل. لكن النتيجة المحتملة هي بناء منظومة متعددة الطبقات تستطيع التعامل مع المحتوى من أكثر من مدخل قانوني. وقد يصبح السؤال، بالنسبة إلى الصحافي والمواطن، أقل ارتباطاً بوجود قانون واحد وأكثر ارتباطاً بحدود تداخل هذه القوانين.

المسألة لا تتعلق بالأخبار الكاذبة وحدها. فالمشروع الأصلي الذي عرضته الوزارة وضع ضمن دائرة الاهتمام العنف وخطاب الكراهية والمضامين غير الملائمة للقاصرين والإشهار المضلل والخصوصية، إلى جانب الأخبار الزائفة. وهذه أهداف يصعب الاعتراض على أصلها؛ بل إن المنصات نفسها أصبحت مطالبة دولياً بتحمل مسؤولية أكبر عن المحتوى الذي تستضيفه وتوزعه. الهاكا نفسها دعت المنصات الرقمية في يونيو 2026 إلى وقف تحقيق الأرباح من التضليل الإعلامي، معتبرة أن لديها الوسائل التقنية للتعرف إلى الحسابات والمضامين التي تحقق أرباحاً بفضل التضليل أو انتحال الهوية الإعلامية.

لكن الفرق بين تنظيم المنصة وتنظيم الرأي العام يكمن في الجهة التي تمتلك القرار النهائي. فإذا أصبحت المنصة مطالبة بتعديل المحتوى وفق القانون المغربي، وأصبحت الهاكا تملك صلاحيات أوسع، وأصبح نشر بعض المضامين قابلاً للمعالجة بموجب نصوص جنائية، فإن الدولة تكون قد انتقلت من مرحلة ملاحقة المخالفة بعد وقوعها إلى مرحلة بناء بنية استباقية لحوكمة المحتوى. وهذه هي النقلة الأهم في المشروع، لأنها تغير طبيعة العلاقة بين المواطن والفضاء الرقمي: لم يعد الإنترنت منطقة رمادية خارج النظام الإعلامي، وإنما يصبح تدريجياً جزءاً من المجال العام المنظم.

وتظهر أهمية التوقيت عندما نضع هذا الورش بجانب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026. الهاكا اعتمدت بالفعل قراراً خاصاً بضمان التعددية السياسية خلال الفترة الانتخابية الممتدة من 15 غشت إلى 22 شتنبر، وحددت قواعد دقيقة للبرامج الانتخابية والتعبير السياسي في خدمات الاتصال السمعي البصري. لا يعني ذلك أن قوانين المنصات أُعدت خصيصاً للانتخابات، فالمشروع يعود إلى ورش أُعلن عنه قبل ذلك. لكن لا يمكن تجاهل أن الدولة تدخل موسمًا انتخابياً وهي تدرك أن المعركة السياسية لم تعد تجري فقط عبر القنوات والصحف واللقاءات الحزبية؛ إنها تجري أيضاً عبر الفيديوهات القصيرة، والحسابات المجهولة، والإعلانات الموجهة، والذكاء الاصطناعي، والشائعات التي تستطيع الانتشار قبل أن تلحق بها عملية التحقق.

وهنا تكمن الفائدة السياسية المحتملة للحكومة من هذا التشريع: تقليص قدرة الفوضى الرقمية على إنتاج واقع سياسي مستقل عن المؤسسات التقليدية. فالسلطة السياسية لم تعد تواجه فقط صحافة لها مدير نشر ومسؤول قانوني، وإنما تواجه مؤثراً قد يصل إلى ملايين الأشخاص من غرفة نومه، وصفحة مجهولة قد تشعل نقاشاً وطنياً، وفيديو مركباً يمكن أن ينسب إلى مسؤول تصريحاً لم يقله. لذلك تريد الدولة قواعد تجعل هذه القوة الجديدة قابلة للتحديد والمساءلة.

غير أن هذا الهدف المشروع يمكن أن ينقلب إلى مشكلة إذا تحولت محاربة التضليل إلى احتكار لتعريف الحقيقة. الديمقراطية لا تحتاج إلى فضاء رقمي بلا قواعد، لكنها تحتاج إلى قواعد لا تجعل السلطة هي الحكم الوحيد في تحديد ما يجوز قوله وما لا يجوز قوله. لذلك ستكون قيمة القانون المغربي في ضماناته أكثر منها في عدد مواده: استقلال الجهة المنظمة، وضوح التعريفات، التناسب بين المخالفة والعقوبة، حق الاعتراض والطعن، حماية الصحافة الاستقصائية، وعدم استخدام مفهوم «الأخبار الزائفة» لمعاقبة معلومة خاطئة بحسن نية أو رأي سياسي مزعج.

والأهم أن الدولة المغربية لا تبدأ من الصفر في هذا المجال. الهاكا تتوفر على خبرة طويلة في تنظيم السمعي البصري والتعددية، وهي اليوم نفسها تعيد التفكير في التقنين بسبب التحول الرقمي. لذلك فإن الرهان الحقيقي ليس فقط على إضافة صلاحيات جديدة إلى الهيئة، بل على قدرة المؤسسات على الانتقال من ثقافة مراقبة البث إلى ثقافة حوكمة منظومة رقمية كاملة، تختلف جذرياً في سرعتها وأدواتها وطبيعة فاعليها.

ما تفعله الحكومة، في المحصلة، هو إعادة تعريف مفهوم الإعلام نفسه. الصحافي لم يعد وحده من يصنع المعلومة، والتلفزيون لم يعد وحده من يملك الجمهور، والمنصة لم تعد مجرد وسيط تقني. الجميع يدخلون تدريجياً إلى فضاء قانوني واحد، لكن بدرجات مختلفة من المسؤولية. وهذا التحول قد يكون ضرورياً لحماية المواطن من التضليل وحماية الصحافة المهنية من الفوضى الرقمية، شرط ألا تتحول حماية المجتمع إلى ذريعة لتضييق المجال العام.

السؤال الذي سيحسم مستقبل هذه القوانين ليس ما إذا كانت الحكومة تريد «ضبط السوشل ميديا»؛ فهذا أصبح واضحاً. السؤال هو كيف ستضبطها، ومن سيضبط من يضبطها؟ فإذا كان الهدف إنهاء فوضى رقمية أصبحت تهدد جودة المعلومة، فذلك إصلاح يحتاجه المغرب. أما إذا أصبح التنظيم وسيلة لتحديد حدود النقاش السياسي والاجتماعي مسبقاً، فإن الدولة لن تكون قد نظمت الفضاء الرقمي، بل ستكون قد أعادت رسم حدود المجال العام نفسه. وبين الهدفين مسافة صغيرة، لكنها المسافة التي سيحددها نص القانون، وتطبيقه، والقضاء، وقدرة الصحافة والمجتمع على مراقبة السلطة وهي تمارس سلطة التنظيم.