هناك دوائر انتخابية في المغرب لا تبدأ فيها المنافسة يوم وضع الترشيحات، لأن المعركة تكون قد بدأت قبل ذلك بسنوات، داخل ذاكرة الناخبين وشبكات النفوذ المحلي وصورة الأسماء التي اعتادت أن تكون جزءاً من المشهد. وبولمان تبدو اليوم واحدة من هذه الدوائر، بعدما دخلت مبكراً في سباق يضع ثلاثة أسماء وازنة في الواجهة: امحند العنصر عن الحركة الشعبية، ومحمد شوكي عن التجمع الوطني للأحرار، ورشيد حموني عن التقدم والاشتراكية، وهم جميعاً أسماء سبق أن ارتبطت انتخابياً بهذه الدائرة.
المثير في عودة امحند العنصر ليس فقط أنه سياسي مخضرم يبلغ من العمر 84 سنة، ولا أنه أمين عام سابق للحركة الشعبية ووزير سابق ورجل دولة راكم عقوداً من الحضور السياسي، وإنما أن عودته إلى بولمان تأتي بعد غياب انتخابي طويل. فالعنصر كان نائباً عن الدائرة في ولايات سابقة، لكنه لم يخض فيها الانتخابات منذ 2011، تاركاً المجال لاحقاً لابنه حسن الذي حمل راية الحركة الشعبية وفاز بالمقعد في 2021. لذلك فإن الحديث عن «الاستمرار الانتخابي» هنا يحتاج إلى شيء من الدقة: الاستمرار لم يكن دائماً في الشخص نفسه، وإنما في الاسم السياسي والعائلي نفسه.
وهنا تحديداً يبدأ السؤال الذي يتجاوز بولمان: متى يتحول الحضور السياسي الطويل إلى ظاهرة تستحق أن تُسأل ديمقراطياً؟ أن يترشح السياسي مرة أخرى حق انتخابي مشروع، وأن يفوز إذا اختاره الناخبون، فهذا جزء من اللعبة الديمقراطية. لكن حين تتكرر الأسماء نفسها، أو تنتقل المنافسة من الأب إلى الابن ثم تعود إلى الأب، يصبح من المشروع أن نسأل: هل نحن أمام استمرارية سياسية نابعة من ثقة الناخب، أم أمام بنية انتخابية تجعل بعض الأسماء أكثر قدرة من غيرها على الوصول إلى صندوق الاقتراع وهي محمولة أصلاً على تاريخها وشبكاتها ورمزيتها؟
نتائج بولمان نفسها تقدم مادة لافتة لهذا السؤال. ففي انتخابات 2016 كان المشهد يضم حسن العنصر وأحمد شوكي ورشيد حموني، وانتهت العملية، بعد تصحيح قضائي للنتائج، إلى انتخاب هؤلاء الثلاثة. وفي انتخابات 2021 تكرر المشهد تقريباً، إذ أُعلن انتخاب محمد شوكي وحسن العنصر ورشيد حموني، وهو ما ثبتته المحكمة الدستورية بعد رفض الطعون المقدمة ضد النتيجة.
أي أن بولمان لا تستقبل في 2026 ثلاثة غرباء عن صندوقها الانتخابي، بل تستقبل وجوهاً يعرفها الناخب جيداً. وهذه نقطة قوة انتخابية، لكنها في الوقت نفسه نقطة اختبار حقيقية. فالمرشح القديم يدخل السباق وهو يحمل رصيداً من المعرفة والولاءات والخصومات، بينما يدخل الناخب الانتخابات وهو يحمل ذاكرة النتائج السابقة. ولذلك فإن المعركة لا تدور فقط حول من يستطيع إقناع الناخب اليوم، وإنما حول من يستطيع إعادة تفسير ماضيه أمامه.
الأكثر دلالة أن محمد شوكي، الذي يواجه العنصر هذه المرة، لم يعد مجرد مرشح محلي للتجمع الوطني للأحرار، بل أصبح رئيساً للحزب. وفي انتخابات 2021 تصدر نتائج بولمان بفارق كبير، بينما حافظ حسن العنصر ورشيد حموني على المقعدين الآخرين. وتظهر أرقام تلك الانتخابات أن شوكي حصل على أكثر من 28 ألف صوت، مقابل 9499 لحسن العنصر و8874 لحموني، وفق المعطيات المنشورة حول النتائج.
وهذا يجعل عودة الأب أكثر من محاولة لاسترجاع مقعد عائلي. إنها، سياسياً، محاولة لاستعادة موقع كانت الحركة الشعبية تعتبره جزءاً من مجال نفوذها التقليدي. وقد عبّر العنصر نفسه عن رغبته في استعادة المبادرة وعودة الحزب إلى مواقع متقدمة، بينما وصف محمد أوزين عودته المحتملة بأنها فرصة لتعويض ابنه في المقعد اعتماداً على شعبيته داخل الإقليم.
أما رشيد حموني، فقصته تضيف طبقة أخرى إلى المعركة. فهو ليس وافداً جديداً على بولمان؛ فقد كان اسمه حاضراً في انتخابات 2016، بل إن المحكمة الدستورية أعلنت فوزه بالمقعد بعد تصحيح النتائج وإلغاء انتخاب محمد دريسي. ثم عاد وفاز في 2021. بذلك يصبح حموني طرفاً في معركة لا تقوم فقط على صراع «قديم وجديد»، وإنما على اختبار قدرة مرشح ثالث على المحافظة على موقعه وسط مواجهة أكثر صخباً بين الحركة الشعبية والأحرار.
لكن السؤال الأكثر حساسية يبقى خارج أسماء المرشحين أنفسهم: لماذا تستطيع بعض الشخصيات أن تعود إلى الانتخابات بعد عشرات السنين وما زالت قادرة على إنتاج المعركة حولها؟ الجواب لا يمكن اختزاله في «الشعبية» وحدها. هناك التاريخ السياسي، والعلاقات المحلية، والقدرة التنظيمية للأحزاب، والرمزية العائلية، ومعرفة الجغرافيا الانتخابية، وكلها عناصر تجعل المنافسة غير متساوية بالضرورة بين شخص يملك ذاكرة انتخابية عمرها عقود ومرشح يدخل للمرة الأولى.
من هنا تصبح «دائرة الموت» تسمية جذابة صحفياً، لكنها لا تكفي لفهم ما يحدث في بولمان. الموت الانتخابي الحقيقي قد لا يكون في سقوط هذا المرشح أو ذاك، وإنما في أن تتحول الانتخابات إلى إعادة تدوير مستمرة للوجوه ذاتها، بحيث يصبح السؤال المتكرر هو: من سيفوز هذه المرة؟ بدل السؤال الأهم: ما الذي تغير في بولمان حتى يستحق الناخبون وجوهاً وبرامج وأفكاراً جديدة؟
وفي النهاية، لا توجد مشكلة ديمقراطية في أن يعود امحند العنصر إلى صناديق الاقتراع، كما لا توجد مشكلة في أن يدافع شوكي عن مقعده أو أن يسعى حموني إلى ولاية جديدة. المشكلة تبدأ فقط عندما يصبح طول العمر الانتخابي دليلاً بحد ذاته على الأهلية، أو عندما تتحول الدائرة إلى مساحة مغلقة تدور فيها المنافسة بين أسماء يعرفها الجميع، بينما يبقى السؤال عن حصيلة السنوات والبرامج والبدائل مؤجلاً إلى ما بعد إعلان النتائج.
بولمان لذلك قد تكون «دائرة الموت» فعلاً، لكن المعركة الأعمق ليست بين العنصر وشوكي وحموني. إنها بين منطق الاستمرارية ومنطق التداول، بين ذاكرة الناخب وحاجته إلى الجديد، وبين اسم سياسي يستطيع العودة بعد سنوات طويلة وبين جيل جديد يريد أن يعرف إن كان صندوق الاقتراع مفتوحاً فعلاً للجميع، أم أن بعض المقاعد لها ذاكرة أطول من أصحابها.