«رخفوا شوية على المغاربة».. البنزين المغربي يصل إلى روسيا، فيتوقف عند باب السوق بسبب خلاف على السعر

0
110

وصل البنزين المغربي إلى روسيا في لحظة تحتاج فيها موسكو إلى كل لتر إضافي من الوقود، بعد أن أدت الهجمات الأوكرانية على عدد من مصافي النفط إلى تراجع الإنتاج وظهور اختناقات في الإمدادات وارتفاع الأسعار في مناطق روسية عدة. شحنة تقارب 30 ألف طن من بنزين AI-92 غادرت ميناء طنجة على متن ناقلة ترفع علم بنما في منتصف يوليوز، قبل أن تصل إلى ميناء مورمانسك على الساحل الروسي، في أول عملية معروفة لاستيراد البنزين بحراً من المغرب إلى روسيا في خضم أزمة الوقود الحالية.

لكن المفارقة بدأت بعد وصول الشحنة. فبحسب ما نقلته وكالة «إنفوتيك» الروسية عن مصادر في قطاع الطاقة، لم يكن الخلاف حول وجود الحاجة إلى البنزين، بل حول السعر الذي يمكن أن يباع به داخل السوق الروسية. الشركات التي استوردت شحنات من المغرب والهند تطالب بسعر يقارب 150 ألف روبل للطن، باعتباره يعكس كلفة الاستيراد والعمليات اللوجستية المعقدة، بينما تدفع الجهات التنظيمية باتجاه البيع وفق أسعار السوق المحلية. وهكذا وجد البنزين طريقه من طنجة إلى مورمانسك، لكنه اصطدم عند بوابة السوق بالسؤال الذي يبدو بسيطاً في ظاهره: من يتحمل الفارق بين كلفة جلب الوقود من الخارج والسعر الذي يمكن أن يتحمله المستهلك في الداخل؟

هذه الواقعة الروسية تكتسب دلالتها في المغرب لأنها تأتي في الوقت الذي يشتد فيه الجدل حول سعر المحروقات محلياً، وحول المسافة بين كلفة الاستيراد والسعر الذي يصل به البنزين والغازوال إلى المستهلك. وفي الوقت الذي كان فيه الحسين اليماني يرفع صوته مطالباً بـ«رخفو شوية على المغاربة»، مقدراً في أحد حساباته أن السعر المفترض للتر الغازوال لا يتجاوز 9.80 دراهم والبنزين 7.30 دراهم، كانت السوق الروسية نفسها تكشف الوجه الآخر للمشكلة: حين ترتفع كلفة الاستيراد، يصبح السؤال عن من يدفع الفارق سؤالاً مركزياً في أي سوق، لا تفصيلاً محاسبياً هامشياً.

والأهم أن الحديث هنا ليس عن بنزين روسي عالق في ميناء مغربي، ولا عن شحنة مغربية فشلت في الوصول إلى وجهتها. الشحنة وصلت إلى روسيا، والمعلومات المتاحة لا تثبت «حجزها» بالمعنى القانوني، وإنما تتحدث عن تعطل أو تأخر تفريغها وتسويقها بسبب خلاف حول سعر البيع الداخلي. وهذه الدقة مهمة، لأن تحويل الواقعة من نزاع تجاري وتنظيمي إلى «حجز» قد يعطي القصة معنى لم تثبته المصادر. المؤكد أن روسيا نفسها، التي تعد من كبار منتجي النفط والمكررين عالمياً، اضطرت في هذه الظروف إلى اللجوء إلى الاستيراد، بعدما هبط إنتاج البنزين إلى نحو 65 في المائة من متوسط الاستهلاك الصيفي، واتخذت السلطات إجراءات من بينها تقييد صادرات الوقود وتشجيع الواردات.

هنا تحديداً تستحق القصة أن تُقرأ بعيداً عن البهرجة التي قد ترافق خبر «البنزين المغربي في روسيا». فالمغرب ليس بلداً منتجاً للبنزين بالمعنى الذي قد يوحي به الوصف، بعدما توقفت مصفاته الوحيدة «سامير» عن العمل منذ سنوات، وأصبح يعتمد على استيراد المنتجات النفطية المكررة. وتؤكد معطيات حديثة أن المغرب ظل يعتمد بصورة كبيرة على الواردات لتأمين حاجاته من الديزل والبنزين، فيما تدير شركات خاصة عمليات الاستيراد والتوزيع في السوق المحلية. لذلك فإن وصول شحنة بنزين من طنجة إلى روسيا لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة للتباهي بقدرة المغرب على «تزويد» دولة نفطية كبرى، بقدر ما ينبغي أن يفتح سؤالاً أكثر واقعية: كيف دخل هذا البنزين إلى المغرب، وبأي كلفة، ولماذا أصبح من المجدي تجارياً أن يعاد توجيهه إلى سوق أخرى عندما تكون روسيا نفسها مستعدة للشراء؟

ذلك هو السؤال الذي يقود مباشرة إلى قلب الجدل المغربي حول الأسعار. فإذا كانت السوق الروسية، في لحظة نقص حاد، تناقش ضرورة تعويض المستورد عن الفرق بين كلفة الاستيراد والسعر المحلي، فإن النقاش المغربي يستحق بدوره أن يتوقف عند الكلفة الفعلية التي يتحملها المستهلك، وعند الهوامش والضرائب وآليات التسعير. مجلس المنافسة، من جهته، لا يقدم صورة تسمح باختزال كل الفرق في «أرباح الموزعين»: فقد بلغ متوسط الهامش التجاري الخام المرجح في الربع الرابع من 2025 نحو 1.23 درهم للتر من الغازوال و1.85 درهم للبنزين، وهو هامش تجاري خام لا يساوي الربح الصافي.

لكن هذه الحقيقة لا تلغي السؤال الذي يطرحه ارتفاع الأسعار على المواطن. فحين بلغ سعر البنزين في المحطات، وفق الأرقام التي استند إليها اليماني، 15.30 درهماً والغازوال 14.30 درهماً، مقابل تقديرات أقل بكثير في حساباته، فإن الفارق يصبح قضية عامة تستحق تفسيراً واضحاً، لا مجرد تبادل للاتهامات. والأرقام التي يقدمها اليماني ليست أسعاراً رسمية أعلنتها الدولة، بل تقديرات مبنية على منهجية خاصة به، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها ادعاءً قابلاً للفحص لا حقيقة نهائية.

والمفارقة أن اليماني نفسه قدم في اليوم التالي تقريباً تقديراً مختلفاً، عندما تحدث عن 14.13 درهماً للغازوال و12.95 درهماً للبنزين وفق تركيبة الأسعار التي كانت معمولاً بها قبل تحرير السوق. اختلاف الأرقام لا يعني بالضرورة تناقضاً، لأن المرجع الحسابي والفترة والسعر الدولي المستخدم يمكن أن تتغير، لكنه يكشف شيئاً أهم: المواطن المغربي لا يملك في النهاية آلة شفافة أمامه يستطيع بواسطتها أن يعرف كيف انتقل سعر البرميل أو المشتق النفطي في السوق الدولية إلى الرقم الموجود على لوحة محطة الوقود.

وهنا تصبح قصة الشحنة المغربية في مورمانسك أكثر من خبراً روسياً عابراً. ففي روسيا، الدولة نفسها تدخلت عندما أصبحت كلفة تأمين الوقود من الخارج أكبر من السعر الذي يمكن فرضه داخلياً، وجرى الحديث عن آلية «المخمد» لتعويض شركات النفط عن الفارق بين الأسعار المحلية وبديل التصدير والحفاظ على استقرار السوق. أما في المغرب، فالسؤال الذي يظل مطروحاً أمام الدولة هو: أين تنتهي ضرورات السوق وأين يبدأ ما يمكن للدولة أن تفعله لحماية القدرة الشرائية؟

المواطن لا يعيش داخل معادلات «البرنت» وسعر الصرف والشحن والتخزين والتأمين، ولا يعنيه كثيراً من ربح في كل حلقة من حلقات السلسلة. هو يرى ثمن الوقود في المحطة، ثم يدفع ثمن انتقاله إلى النقل والسلع والخدمات. وكل ارتفاع في المحروقات يخرج من محطة الوقود ليدخل، بصورة أو بأخرى، في كلفة المعيشة. لذلك فإن الحديث عن السلم الاجتماعي الذي ربطه اليماني بأسعار المحروقات ليس تفصيلاً خطابياً، حتى وإن ظلت تقديراته المالية بحاجة إلى تدقيق مستقل.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يصل إلى المسؤولين ليس: هل اليماني محق في كل أرقامه؟ ولا: هل شركات المحروقات مذنبة في كل ما يدفعه المغاربة؟ السؤال الأكثر فائدة هو: لماذا لا تُعرض للمغاربة معادلة السعر كاملة وبوضوح، من لحظة شراء المشتق النفطي في الخارج إلى لحظة وصوله إلى خزان سياراتهم؟ إذا كانت هناك ضرائب، فليُكشف وزنها. وإذا كانت هناك تكاليف نقل وتأمين وتخزين، فلتُشرح. وإذا كانت هناك هوامش تجارية، فليكن النقاش حولها مبنياً على أرقام. وإذا كانت الأسعار الدولية تفرض جزءاً من الكلفة، فليُقل ذلك بوضوح. أما أن يبقى المواطن أمام رقم نهائي لا يرى كيف تشكل، فذلك هو الذي يغذي الشك أكثر مما يبدده.

لقد أصبحت لدينا مفارقة يصعب تجاهلها: روسيا، في لحظة أزمة، تبحث عن البنزين في الخارج وتدخل في خلاف مع مستورديه لأن سعر الاستيراد لا ينسجم مع سعر السوق الداخلية؛ والمغرب، وهو بلد مستورد للمحروقات، يواجه بدوره سؤالاً حول المسافة بين كلفة اقتناء الوقود والسعر الذي يؤديه المواطن. في الحالتين توجد الدولة في مواجهة السؤال نفسه تقريباً: من يدفع ثمن اضطراب السوق عندما لا يكون السعر التجاري وحده قادراً على حماية المستهلك؟

لهذا، فإن القضية لا تحتاج إلى مزيد من المزايدات ولا إلى شيطنة الشركات ولا إلى تحويل كل تصريح نقابي إلى حقيقة مقدسة. تحتاج إلى عصا الدولة التنظيمية حين يكون السوق عاجزاً عن حماية التوازن الاجتماعي، وإلى شفافية حقيقية تجعل المواطن يعرف لماذا يدفع ما يدفعه. وإذا كانت هناك آليات يمكن أن تخفف الكلفة، فلماذا لا تُستخدم؟ وإذا كان هناك هامش يمكن مراجعته، فلماذا لا يُراجع؟ وإذا كانت الضرائب جزءاً من السعر، فلماذا لا يناقش أثرها على القدرة الشرائية في هذه الظروف؟

في النهاية، لا يحتاج المغاربة إلى أن يسمعوا كل يوم أن السوق العالمية ارتفعت أو أن النفط انخفض أو أن ناقلة وصلت إلى مورمانسك. يحتاجون إلى جواب بسيط عن سؤال بسيط: لماذا يظل البنزين والغازوال بهذا الغلاء، ومن يستطيع أن يضع حداً للجزء الذي يمكن للدولة أن تتدخل فيه؟

فإذا كان البنزين المغربي قد وصل إلى روسيا ثم توقف عند عتبة السعر، فربما آن الأوان ألا يتوقف النقاش في المغرب عند عتبة التبرير أيضاً. أليس في هذا البلد رجل رشيد يحرك العصا التنظيمية في الوقت المناسب، فيرد للسوق توازنها، وللمواطن بعضاً من قدرته على التنفس، ويجعل من حماية القدرة الشرائية جزءاً من معنى الاستقرار؟ المغرب الذي نريده آمناً مطمئناً لا ينبغي أن يكون فيه المواطن هو الحلقة التي تتحمل دائماً فاتورة كل اضطراب، فيما تتوزع المسؤولية بين السوق والضرائب والتكلفة والهوامش. «رخفوا شوية على المغاربة» ليست فقط عبارة اليماني؛ إنها، في جوهرها، سؤال عن عدالة السعر، وعن قدرة الدولة على أن تقول للسوق: إلى هنا، وبعد ذلك يأتي حق المواطن.