من بلاغ صحفي إلى شبكة نفوذ: ماذا يريد «نادي سفراء المقاولات الصغرى»؟

0
103

تبدو الرسالة الموجهة إلى المؤسسات الإعلامية بسيطة في ظاهرها: هل نشرتم البلاغ الصحفي الصادر عن الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة؟ وإذا لم تنشروه بعد، فهل تعتزمون ذلك؟ لكن قراءة الرسالة في سياقها الاقتصادي والمؤسساتي تكشف أن الأمر يتجاوز بكثير طلباً عادياً لتغطية مبادرة جديدة. نحن أمام محاولة لبناء شبكة اتصالات عابرة للحدود، يكون الإعلام أحد مكوناتها الأساسية، في لحظة أصبحت فيها معركة المقاولات الصغيرة مع الدولة والسوق والتمويل معركة تمثيلية بقدر ما هي معركة اقتصادية.

البلاغ يعلن إحداث «نادي سفراء المقاولات الصغرى» باعتباره شبكة دولية تابعة للكونفدرالية، تضم أعضاء من بلدان مختلفة، من بينهم مهنيون وفاعلون في الإعلام والتواصل. هذه الصياغة مهمة؛ لأنها تنقل نشاط الكونفدرالية من الدفاع عن مصالح المقاولات داخل المجال الاقتصادي الوطني إلى بناء دائرة من العلاقات والواجهات التي يمكن أن تحمل خطابها إلى الخارج وتعيد إنتاجه داخل المجال الإعلامي.

وتأتي هذه الخطوة في وقت أصبحت فيه المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة في قلب النقاش حول مستقبل الاقتصاد المغربي. فالمعطيات الرسمية تشير إلى أن المقاولات الصغيرة جداً تمثل نحو 94% من النسيج الإنتاجي الوطني، فيما تؤكد مصادر أخرى، بينها تصريحات رئيس الكونفدرالية نفسها، أن مجموع المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة يتجاوز 98% من مجموع المقاولات ويشغل أكثر من 83% من اليد العاملة. وفي ديسمبر 2025 وقعت مؤسسات حكومية ومالية ومهنية، من بينها وزارة الاقتصاد والمالية وبنك المغرب و«تمويلكم» و«مغرب المقاولات» وCGEM، ميثاقاً خاصاً بتمويل ومواكبة المقاولات الصغيرة جداً.

هذه الأرقام تجعل السؤال أكبر من حجم النادي نفسه: من يتحدث باسم الكتلة الاقتصادية الأكبر عدداً في البلاد؟ فالمشكلة لم تعد في الاعتراف بأن المقاولات الصغيرة مهمة، وإنما في تحديد الجهة التي تستطيع أن تحول هذا الوزن العددي إلى قوة تفاوضية ومؤسساتية. ولهذا ظل رئيس الكونفدرالية عبد الله الفركي يضغط في اتجاه معالجة ما يعتبره فجوة بين البرامج الحكومية وبين استفادة المقاولات الصغيرة جداً منها، مطالباً، من بين أمور أخرى، بآليات تمويل أكثر ملاءمة لهذه الفئة. وقد ظهر هذا الخطاب بوضوح في النقاشات المتعلقة بميزانية 2026 وبسياسات التشغيل والاستثمار.

من هنا يمكن فهم معنى إدخال الإعلام في قلب «نادي السفراء». فالمقاولة الصغيرة لا تعاني فقط من نقص التمويل؛ إنها تعاني أيضاً من ضعف القدرة على الوصول إلى مراكز القرار، والأسواق، والمعلومة، والرأي العام. والمقاولة التي لا تستطيع أن تجعل مشكلتها مرئية تظل، مهما كان حجمها العددي، أقل قدرة على التأثير من المؤسسات الأكثر تنظيماً والأقرب إلى دوائر القرار. لذلك يصبح الإعلام بالنسبة إلى شبكة من هذا النوع أداة تمثيل، وليس مجرد وسيلة لنشر البلاغات.

واللافت في الرسالة أنها لا تكتفي بالقول إن بعض المؤسسات الإعلامية نشرت البلاغ، بل تشير إلى أن «عدة مؤسسات إعلامية من المغرب وفرنسا وإفريقيا» انضمت بالفعل إلى النادي. هنا تظهر الرسالة الثانية المضمرة: النادي يريد أن يقدم نفسه منذ بدايته باعتباره شبكة تتجاوز الحدود الوطنية. الانتماء إليه لا يُعرض فقط كعضوية في إطار مهني، وإنما كجزء من فضاء دولي يربط المقاولات بالإعلام والتواصل والعلاقات العابرة للحدود.

وهذا التوجه له منطقه في حالة المغرب تحديداً. فالمقاولات الصغيرة المغربية لا تعمل داخل سوق مغلقة؛ كثير منها يرتبط بالجالية، والأسواق الأوروبية، وإفريقيا، وسلاسل التوريد العابرة للحدود. ولذلك فإن بناء شبكة إعلامية ومهنية في المغرب وفرنسا وإفريقيا يمكن أن يمنح هذه المقاولات قناة للتعريف بنفسها، والدفاع عن مصالحها، وخلق علاقات جديدة، وربما التأثير في النقاشات الاقتصادية التي تتجاوز القرار الوطني.

لكن قوة الفكرة ستتوقف على ما سيحدث بعد مرحلة العضوية والبلاغات الصحفية. فهناك فرق كبير بين «نادي سفراء» بوصفه قائمة أسماء وشعارات، وبين شبكة لها وظيفة حقيقية. إذا بقيت المهمة في حدود نشر البلاغات وتبادل الشعارات، فلن يختلف المشروع كثيراً عن عشرات الشبكات المهنية التي ظهرت ثم خفت حضورها. أما إذا تحول السفراء إلى نقاط اتصال حقيقية للمقاولات الصغيرة، ينقلون المعلومات والفرص والأسواق والمشاكل من بلد إلى آخر، فإن النادي يمكن أن يتحول إلى أداة اقتصادية فعلية.

وهنا تحديداً تكمن المسألة الأكثر حساسية: هل النادي شبكة تواصل، أم شبكة تأثير؟ الفرق بين الاثنين ليس لغوياً. شبكة التواصل تنشر وتعرّف وتربط الأشخاص، أما شبكة التأثير فتساعد على تغيير طريقة النظر إلى قضية ما، ورفعها إلى مستوى النقاش العام، وربطها بصناع القرار والأسواق والمؤسسات.

السياق الاقتصادي يجعل هذا الطموح مفهوماً. فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يعتبر المقاولات الصغيرة جداً والصغيرة مكوناً أساسياً من النسيج الاقتصادي والاجتماعي بسبب وزنها الديموغرافي ومساهمتها في التشغيل، لكنه يسجل في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالتمويل والاستمرارية والتحديث والقدرة على النمو. كما أن تقارير ودراسات حديثة حذرت من هشاشة هذا النسيج ومن ارتفاع معدلات توقف المقاولات الصغيرة جداً عن النشاط.

لذلك، فإن إنشاء «سفراء» لهذه الفئة يحمل رسالة سياسية واقتصادية غير مباشرة: المقاولات الصغيرة لا تريد أن تكون مجرد مستفيد صامت من البرامج الحكومية، بل تريد أن تكون طرفاً له صوت وشبكة وحضور وقدرة على الدفاع عن مصالحه.

أما مخاطبة المؤسسات الإعلامية والسؤال عن نشر البلاغ، فهي تكشف الوجه العملي لهذه الاستراتيجية. فالكونفدرالية لا تريد فقط أن يكون النادي موجوداً؛ تريد أن يكون مرئياً. وفي اقتصاد تتحول فيه السمعة والصورة والمعلومة إلى جزء من القوة الاقتصادية، فإن بناء الحضور الإعلامي يصبح جزءاً من بناء النفوذ.

المشروع، إذن، يستحق أن يُقرأ باعتباره محاولة لبناء «دبلوماسية اقتصادية للمقاولات الصغيرة». نجاحها لن يقاس بعدد السفراء المنضمين، ولا بعدد الروابط التي ستُنشر، وإنما بقدرتها على تحويل التشتت الكبير للمقاولات الصغيرة إلى شبكة منظمة، وتحويل الشكوى الفردية إلى قضية جماعية، وتحويل الحضور الإعلامي إلى قدرة على التأثير.

وهنا سيكون الاختبار الحقيقي لعبد الله الفركي والكونفدرالية: هل يستطيع «نادي سفراء المقاولات الصغرى» أن ينتقل من نادي علاقات إلى بنية تأثير؟ فإذا حدث ذلك، فقد تكون الرسالة الموجهة إلى الصحافة اليوم مجرد الحلقة الأولى في مشروع أكبر بكثير من مجرد نشر بلاغ صحفي.