من مونديال الرجال إلى «لبؤات الأطلس».. حين تصبح النجاعة آخر ما ينقص كرة القدم المغربية

0
68

بعد أيام قليلة من خروج المنتخب المغربي للرجال من كأس العالم 2026، تتكرر أمام الجمهور المغربي صورة أخرى من صور الإقصاء، هذه المرة من بوابة كأس أمم إفريقيا للسيدات. الفارق أن المنتخب الأول غادر المونديال من ربع النهائي أمام فرنسا بنتيجة 2-0، بعدما بلغ دور الثمانية للمرة الثانية تواليا، بينما توقفت رحلة «لبؤات الأطلس» في نصف نهائي البطولة الإفريقية المقامة بالمغرب، أمام الكاميرون بركلات الترجيح بعد تعادل سلبي امتد إلى 120 دقيقة. لذلك فإن وضع الإقصاءين في السياق نفسه لا يعني مساواتهما رياضيا، لكنه يطرح السؤال ذاته حول المسافة التي ما تزال تفصل كرة القدم المغربية، رغم ما راكمته من استثمار وبنية تحتية وتكوين، عن لحظة التحول من المنافسة إلى حسم الألقاب.

كرة القدم المغربية لم تعد تتحرك بمنطق الإمكانات المحدودة. فالاستثمار في المنظومة توسع خلال السنوات الأخيرة، والنتائج الدولية للمنتخبات والاهتمام بالتكوين والاحتراف والبنية التحتية أصبحت جزءا من مشروع رياضي أكبر. وحتى كرة القدم النسائية دخلت منذ سنوات مسار الاحتراف والتنظيم، مع رفع الدعم الموجه للأندية وتوسيع مسابقات الفئات العمرية والاستثمار في التكوين، فيما بلغت النفقات المرتبطة بكرة القدم النسائية 57.3 مليون درهم في موسم 2023-2024، وفق معطيات نشرتها SNRT نقلا عن التقرير المالي للعصبة الوطنية لكرة القدم النسوية.

لكن المال لا يلعب المباراة نيابة عن اللاعبين، ولا يحول التفوق الميداني إلى أهداف بصورة آلية. وهذه هي النقطة التي كشفتها مباراة الكاميرون بوضوح أكبر من أي خطاب عن قوة المنتخب. المغرب امتلك الكرة وفرض إيقاعه، وبلغت نسبة استحواذه أكثر من 63 في المائة وسدد 13 مرة مقابل سبع محاولات للكاميرون، لكنه خرج من المباراة بلا هدف. وفي كرة القدم، قد يكون الفريق الأفضل في البناء والضغط والاستحواذ، لكنه يصبح الفريق الخاسر عندما يعجز عن ترجمة أفضليته في اللحظة التي تُقاس فيها المباراة فعليا.

ثم جاءت الدقيقة 118 لتختصر المشكلة كلها. حصلت سكينة أوزراوي على ركلة جزاء، وكان بإمكان المنتخب المغربي أن يحسم التأهل قبل الوصول إلى السيناريو الأكثر قسوة، لكن فاطمة تكناوت لم تنجح في التسجيل أمام الحارسة الكاميرونية ميشالي بيهينا. وبعدها لم تكن ركلات الترجيح رحيمة بالمغرب؛ سجلت حنان أيت الحاج ركلة واحدة، بينما أهدرت كنزة شابيل ومريم عتيق وسكينة أوزراوي، في حين تصدت الحارسة الكاميرونية لثلاث ركلات مغربية. هنا لا تعود القضية مجرد حظ عاثر في ركلات الترجيح، بل تتصل بالقدرة على إدارة لحظة حاسمة تحت ضغط هائل.

مدرب المنتخب المغربي خورخي فيلدا وضع يده بدوره على جوهر المشكلة عندما تحدث عن حاجة فريقه إلى مزيد من النجاعة الهجومية. وهي ملاحظة تبدو بسيطة، لكنها تختزل سؤالا أكبر: ماذا ينقص منتخب وصل إلى هذه المرحلة، ويمتلك لاعبات محترفات وتجربة قارية متراكمة وجمهورا يملأ مدرجات ملعب مولاي الحسن؟ الجواب لا يبدو في غياب القدرة على المنافسة، بل في عدم تحويل القدرة إلى نتيجة. المنتخب المغربي كان وصيف نسختي 2022 و2024، وبلغ نصف النهائي للمرة الثالثة، لكنه وجد نفسه مرة أخرى أمام امتحان التفاصيل الصغيرة التي تفصل المنتخب الطامح إلى اللقب عن المنتخب الذي يكتفي بالاقتراب منه.

والأهم أن الإقصاء لم يأت بعد بطولة فاشلة. المغرب تصدر مجموعته دون هزيمة، ثم تجاوز جنوب إفريقيا في ربع النهائي بنتيجة 2-1، وضَمِن بذلك التأهل إلى كأس العالم للسيدات 2027 للمرة الثانية تواليا. كما أن بلوغ الجزائر نصف النهائي ضمن لها هي الأخرى بطاقة المونديال. أي أن المشروع النسائي المغربي يحقق تقدما حقيقيا من حيث الحضور القاري والاستمرارية والتأهل العالمي؛ المشكلة أن التطور في البنية والنتائج لا يزال يحتاج إلى أن يترجم نفسه في لحظة التتويج.

ومن هنا تصبح مباراة المركز الثالث أمام الجزائر أكثر من مباراة ترتيبية. المنتخب المغربي سبق أن فاز على الجزائر 1-0 في دور المجموعات، لكن إعادة المواجهة في هذه المرحلة تمنحها معنى مختلفا: فريقان مغاربيان خرجا من حلم النهائي، وكلاهما يبحث الآن عن منصة تحفظ شيئا من قيمة الرحلة. وبالنسبة للمغرب تحديدا، ستكون المباراة اختبارا لقدرة المجموعة على تجاوز ضربة نفسية قاسية، وتحويل خيبة نصف النهائي إلى ميدالية بدلا من إنهاء البطولة خالي الوفاض.

المسألة في النهاية لا تتعلق بما إذا كان المغرب يستثمر في كرة القدم؛ الأرقام والوقائع تقول إنه يفعل ذلك وبصورة متزايدة. فحتى البطولة الاحترافية للرجال وصلت ميزانيتها المعلنة في يوليوز 2026 إلى 965 مليون درهم ضمن خارطة إصلاح وتطوير للكرة الوطنية. السؤال الأصعب هو ماذا نريد أن تشتريه هذه الاستثمارات: مشاركة قوية، أم قدرة دائمة على الفوز عندما تصل المباراة إلى لحظتها الأخيرة؟

خروج الرجال أمام فرنسا من ربع نهائي المونديال لا يمكن اعتباره إخفاقا بالنظر إلى أن المغرب أصبح أول منتخب إفريقي يبلغ ربع النهائي في نسختين متتاليتين، كما أن إقصاء السيدات أمام الكاميرون لا يمحو ما تحقق من تأهل للمونديال وبلوغ نصف النهائي للمرة الثالثة. لكن الإنجازات نفسها ترفع سقف السؤال. فحين تصبح المنتخبات المغربية قادرة على الوصول باستمرار إلى الأدوار المتقدمة، فإن النقاش الطبيعي ينتقل من سؤال «هل نستطيع الوصول؟» إلى سؤال أكثر إزعاجا: «هل نعرف كيف نحسم؟».

وهذا هو الامتحان الحقيقي الذي تركته الكاميرون خلفها في الرباط. فقد امتلك المغرب الأدوات التي تجعله منافسا، لكنه فقد في لحظة الحسم الشيء الذي يحول المنافس إلى بطل: الهدف في الوقت المناسب، والقرار الصحيح تحت الضغط، والهدوء عندما تصبح كل كرة فاصلة. أما مباراة الجزائر، السبت 15 غشت، فلن تمنح «لبؤات الأطلس» فرصة لاستعادة النهائي، لكنها ستمنحهن فرصة أخرى لإثبات أن الإقصاء يمكن أن يكون نهاية حلم، من دون أن يكون نهاية مشروع.