حين يأتي الموت من الجهة التي لا نتوقعها:
هناك أخبار لا تصل إلى القلب كما تصل الأخبار الأخرى، لا تمر عبر العين لتستقر في الذاكرة، وإنما تنزل دفعة واحدة إلى ذلك القاع المعتم من الروح، حيث لا تكون الكلمات قد وجدت أسماءها بعد. هكذا جاءني خبر رحيل محمد السرغيني. شعرت كأن بابا ثقيلاً أُغلق فجأة في جهة من جهات الذاكرة، وكأن صوتا كنت أظنه جزءا ثابتا من المشهد الشعري المغربي قد انقطع، لا لكي يصمت فقط، وإنما لكي يترك وراءه صمتا أكبر من الكلام. منذ لحظة وصول الخبر أحسستُ بفقر لغتي وبعجزها عن التعبير بشكل أساس، ذلك لأن ثمة أسماء لا يجوز الاقتراب منها باللغة العادية، وأن ثمة موتاً لا تكفيه جملة رثاء، لأن الراحل ليس مجرد رجل غادر الحياة، وليس مجرد شاعر انطفأت يده عن الكتابة، وإنما هو جزء من تاريخ القصيدة المغربية الحديثة، وجزء من ذاكرة جيل كامل، وجزء، بالنسبة إليّ، من سيرة شخصية لا أستطيع أن أفصل فيها الشاعر عن الشاعر، ولا الناقد عن معلمه، ولا الإنسان عن ذلك الوجه الذي ظل يرافقني في مراحل كثيرة من الطريق.
إن رحيل محمد السرغيني لا يشبه غياب شخص من المشهد، بقدرما يشبه سقوط ظلٍّ كان يحمي شجرة الشعر من شمس النسيان، أو انطفاء نافذة ظل الضوء يدخل منها الضوء إلى غرف كثيرة دون أن يسأل أحد من أين جاء. ولذلك فإنني لا أكتب اليوم عن موت شاعر فقط، بل أكتب عن ذلك الجزء من الضوء الذي فقدناه ونحن نعرف أن بعض الأضواء، حين تنطفئ، لا تترك العتمة وحدها، وإنما تجعلنا نكتشف للمرة الأولى كم كنا نعيش في ضوئها بالرغم من كثافة العتمات.
الشاعر الذي كان يفتح أبوابا في اللغة لا يراها إلا المستبصرون:
لم يكن محمد السرغيني بالنسبة إليّ شاعرا من أولئك الذين نقرأهم ثم نضع كتبهم في رفوف الذاكرة، كان من طينة أولائك الشعراء الذين يتركون وراء القراءة أثرا يشبه ارتعاش الضوء على سطح الماء، كان من الشعراء المشائين الذين عبروا أجيالا عدة من الشعراء، إذ علمني أن الصورة كلما استقرت، تحركت من جديد، وكلما حسبت أنك أمسكت بالمعنى، اكتشفت أن المعنى كان يخبئ خلفه معنى آخر. كان شعره، في تجربتي معه، واحدا من تلك الأمكنة التي لا تدخلها اللغة من بابها المعتاد. كانت الكلمة عنده تتجاوز وظيفتها المباشرة لتصير جسرً بين المرئي والمخفي، بين الحضور والغياب، بين ما تقوله الأشياء وما تعجز عن قوله. ولهذا كان الاقتراب من عالمه الشعري أشبه بالدخول إلى مدينة لا تنتهي حدودها عند ما تراه العين، فكل مكان فيها يقود إلى مكان آخر، وكل صورة تفتح نافذة على صورة ثانية، وكل استعارة تحمل في جوفها ظلاً لا يظهر إلا لمن يطيل النظر.
ولقد كان هذا من أعمق ما شدني إليه: ذلك الإيمان بأن الشعر ليس تسميةً للعالم، وإنما إعادة خلق له، وأن الشاعر لا يصف الأشياء كما هي، بل يستنطق ما تختبئ وراءه من أسرار. كنت أقرأ السرغيني فأشعر أن القصيدة لا تستقر على الصفحة، وإنما تنهض منها متحولة ومتغيرة ومُزنَّرة بضوئها الداخلي، تتحول الكلمات إلى بئر سحيق، والجمل إلى حركة مدوِّخة، والصور إلى مرايا، والصمت بين المقاطع إلى جزء من المعنى. ومن هنا، ربما، بدأت علاقتي العميقة بسؤال الصورة في الشعر، بذلك السؤال الذي سيكبر معي لاحقاً حتى يصير مشروعاً نقدياً وأكاديمياً، لأنني اكتشفت، في حضرة قصيدته، أن الشعر يمكن أن يكون فناً للرؤية مثلما هو فن للقول، وأن العين قد تكون شريكة الأذن في بناء القصيدة، وأن الكلمة قد تحمل في داخلها لونا وشكلا وحركةً وفضاءً، حتى عندما لا تذكر شيئاً من ذلك بشكل صريح داخل القصيدة.
الشاعر الحقيقي هو من يعلّمنا كيف نرى، لا كيف نكتب فقط:
أدين لمحمد السرغيني بالشيء الكثير، بفضائل تتجاوز حدود التأثير الأدبي المباشر. فقد كان، بالنسبة إليّ، معلما بالمعنى الأعمق للكلمة، والمعلم الحقيقي ليس من يملأ رأسك بالمعارف، وإنما من يغيّر الطريقة التي ترى بها العالم. كان بوسعه أن يجعل المعرفة أقل شبها بالدرس وأكثر شبها بالاكتشاف، وأن يجعل الحوار القصير يمتد في داخلك سنوات طويلة. لم يكن يحتاج إلى أن يعلن أستاذيته، لأن حضوره كان يقوم بهذه المهمة من تلقاء نفسه. كانت معرفته تمشي بهدوء، وكان الشعر في حديثه لا يبدو زينة للثقافة، بل أحد أشكال الوجود.
ما تعلمته من السرغيني لم يكن وصفة جاهزة للقصيدة، ولا طريقاً معبداً إلى الكتابة، وإنما كان شيئاً أكثر خطورة وأبعد أثراً: تعلمت منه أن الشاعر يحتاج قبل أن يكتب إلى أن يتعلم كيف ينظر، وأن الناقد لا يستطيع أن يقرأ النص حقاً إذا لم يتعلم كيف يصغي إلى ما لا يقوله النص، وأن المعرفة لا تكون حية إلا حين تترك في صاحبها قلقاً جديداً. كان السرغيني من أولئك الذين يضعون في يدك، بحضوره وشعره، مفتاحا دون أن يقولوا لك أي باب تفتح؟ يتركون لك لذة البحث، ومخاطرة الاكتشاف، ومسؤولية الوصول. ولهذا ظل أثره في داخلي يتسع كلما ابتعدت عن البدايات، لأنني اكتشفت، مع مرور السنوات، أن بعض المعلمين لا نعرف مقدار ما صنعوه فينا إلا عندما نصل إلى مكان بعيد في الطريق ونلتفت إلى الوراء، فنرى آثار أقدامهم في أول الطريق. عندها نفهم أن ما حسبناه اختيارا شخصيا خالصا كان في جانب منه ثمرة إشارات قديمة، وأن بعض الأصوات التي نظن أننا تجاوزناها تظل، في الحقيقة، تسكن الطريقة التي بها نتكلم ونكتب ونقرأ ونفكر.
كيف نرثي اليوم شاعرا كانت مهمته، طوال حياته، أن يعلّم اللغة كيف تنجو من الموت؟ كيف نكتب عن محمد السرغيني بصيغة الغياب، وهو الذي جعل من الشعر إقامةً أخرى في الوجود، ومن القصيدة بيتاً لا تهدمه الرياح، ومن الكلمة نافذةً تطل على ما وراء المرئي؟ منذ أن وصلني خبر رحيله، وأنا أشعر أن شيئا في داخلي قد انكسر بصمت. ليس لأن شاعراً كبيراً غادرنا فحسب، وإنما لأن رجلاً كان يسكن في مكان عميق من ذاكرتي الشعرية والمعرفية قد أطفأ مصباحه الأخير. ومنذ تلك اللحظة، صارت الكلمات أثقل من أن تحمل هذا الحزن، وصارت اللغة نفسها تخشى بل تتردد في الاقتراب من اسمه. إذ كيف يستطيع المرء أن يكتب مرثية لمن كان أحد الذين علّموه، في البدايات، كيف يصغي إلى ارتعاش الكلمة قبل أن يكتبها؟ ليس محمد السرغيني خبراً من أخبار الموت. إنه جرحٌ جديد في جسد الشعر المغربي.
حين اخترت أن أجعل من (الخطاب البصري في الشعر المغربي المعاصر) موضوعاً لأطروحتي في الدكتوراه، لم أكن أبحث عن موضوع أكاديمي وحسب. كنت أبحث، من حيث لا أدري، عن سرٍّ قديم. عن ذلك الشيء الذي يجعل القصيدة تُرى. عن تلك اللحظة التي تتحول فيها الكلمة إلى لون، والاستعارة إلى شكل، والإيقاع إلى حركة، والفضاء الشعري إلى لوحة لا تُعلَّق على جدار، وإنما تُعلَّق في الذاكرة. كنت أبحث عن العين التي تسكن القصيدة. وكان السرغيني واحداً من الشعراء الذين أناروا لي الطريق في إنجاز هذا العمل البحثي، وجعلوني أؤمن بأن الشعر لا يعيش في الأذن وحدها، وأن القصيدة يمكن أن تكون فناً للرؤية بقدر ما هي فناً للقول.
من هنا أستطيع اليوم أن أقول، وأنا أستعيد مساري البحثي والعلمي كذلك بأثر رجعي، إن محمد السرغيني لم يكن بعيداً عن أطروحتي، حتى حين لم يكن اسمه عنواناً لها. كان يسكن في سؤالها. كان أحد الظلال البعيدة التي جعلتني أقترب من ذلك السؤال. كان في الخلفية، حيث لا يظهر المعلم عادةً في النص، لكنه يظل حاضراً في الطريقة التي نصوغ بها أسئلتنا، وفي الزاوية التي ننظر منها إلى الأشياء. لقد أنار لي الطريق، لا لأنه أعطاني أجوبة جاهزة، بل لأنه جعلني أكتشف أن السؤال نفسه يمكن أن يكون قصيدة أخرى. وهذه، في اعتقادي، هي أعظم هدايا المعلمين.
كان محمد السرغيني معلماً من طراز نادر ورفيع. لا يثقل عليك بمعرفته، ولا يحول الثقافة إلى سلطة، ولا يجعل من تجربته جداراً يقف بينه وبين الآخرين. كان يترك المعرفة تمشي إليك في هيئة حديث، أو إشارة، أو ابتسامة، وموقف، وملاحظة عابرة قد تبدو صغيرة في لحظتها، ثم تكتشف بعد سنوات أنها كانت حجراً أساسياً في بناء شيء ما بداخلك. وهكذا كان بعض الذين أحببتهم من كبار الشعراء. لا يمنحونك قصيدة. وإنما يمنحونك عيناً ترى بها القصيدة. لا يمنحونك فكرة. بل يمنحونك القدرة على اكتشاف الأفكار المختبئة وراء الأشياء. لا يعلّمونك كيف تكتب. بل يعلّمونك كيف ولماذا ينبغي أن تكتب. وهذا هو السر الذي جعل أثر السرغيني في داخلي يتجاوز حدود القراءة إلى حدود التكوين. لقد كان واحدا من أولئك الذين تركوا في تجربتي الشعرية والنقدية علامة لا تُمحى، علامة لا أستطيع أن أحدد لها تاريخاً دقيقاً، ولا لحظة بعينها، لأنها تشكلت ببطء، مثل الضوء حين يدخل غرفة مظلمة من شق صغير ثم لا ننتبه إلى أنه، بعد وقت، صار يملأ المكان كله.
من هنا، لا يبدو موت محمد السرغيني خاتمة. إنه انتقال من حضور الجسد إلى حضور الأثر. من صوت كان يصلنا من فم الشاعر إلى صوت سيظل يصلنا من الكتب. من لقاءات كانت تحدُث في الأمكنة (تازة وفاس خصوصا) إلى لقاءات ستحدث داخل اللغة. وهناك، في تلك المسافة التي لا يصل إليها الموت، سيظل السرغيني حياً. وأنا، شخصياً، سأظل أحمل نصيبي من هذا الأثر. سأظل أذكر أن شاعراً كبيراً كان، في مرحلة من مراحل حياتي، واحداً من الذين جعلوا الشعر أكثر اتساعاً ومغايَرة في عيني. وسأظل أذكر أن بعض أسئلتي النقدية لم تولد في الكتب وحدها، وإنما ولدت أيضاً في حضرة شعراء كبار جعلوني أؤمن بأن الشعر يمكن أن يكون معرفة، وأن النقد يمكن أن يكون شكلاً آخر من أشكال المحبة. والصداقات الرفيعة والباذخة.
ليس سهلاً كذلك أن نكتب عن محمد السرغيني الآن. وليس سهلاً أن نضع الكلمات في مواجهة هذا الغياب الفادح، وأن نحاول أن نرسم بالحروف ملامح شاعر كان أكبر من الكلمات، وأعمق من أن تختصره سيرة أو كتاب أو مجموعة من القصائد. ثمة أشكال من الرحيل حين تحدُث لا يترك وراءها فراغاً عادياً، وإنما تقتطع من ذاكرة المكان جزءاً من ضوئها، ومن ذاكرة اللغة نافذة كانت مفتوحة دائماً على احتمالات الشعر والجمال والمعرفة.
اليوم، ونحن نودّع واحداً من كبار شعراء المغرب، أشعر أنني لا أكتب عن شاعر رحل فحسب، وإنما أكتب عن جزء من تكويني الشعري والنقدي، عن رجل كان بالنسبة إليّ أكثر من شاعر، وأكثر من أستاذ، وأكثر من اسم كبير في خريطة الشعر المغربي الحديث. كان معلماً بالمعنى العميق للكلمة، وكان نموذجاً شعرياً وإنسانياً، وكان واحداً من أولئك الذين يتركون في حياة الآخرين أثراً لا تمحوه السنوات. ولعل أصعب ما في الكتابة عنه الآن أنني كلما حاولت أن أقترب من صورته، وجدتني أقترب في الوقت نفسه من صورتي، من بداياتي، ومن الأسئلة الأولى التي دفعتني إلى الشعر، ومن ذلك الطريق الطويل الذي قادني من القصيدة إلى النقد، ومن التأمل في اللغة إلى البحث في الصورة والخطاب البصري.ىلقد كان محمد السرغيني بالنسبة إليّ أحد الذين جعلوا الشعر يبدو ممكناً، ومغامرة تستحق أن نخوضها حتى النهاية.
محمد السرغيني، الشاعرٌ الذي كان يكتب من وراء تخوم الضوء:
لم يكن السرغيني شاعراً عابراً في المشهد الشعري المغربي. كان من أولئك الشعراء الذين ساهموا في إعادة تشكيل الحساسية الشعرية المغربية، وفي توسيع أفق القصيدة، وفي جعل اللغة مجالاً للبحث والتجريب والكشف. كانت قصيدته تتحرك في منطقة تتجاور فيها المعرفة والخيال، الفكر والإيقاع، المرئي واللامرئي، الواقع والحلم، التراث والحداثة. ولذلك لم تكن علاقته بالشعر علاقة كتابة فحسب، وإنما كانت علاقة وجود. كان الشعر عنده طريقة في النظر إلى العالم، وطريقة في مساءلة الأشياء، وطريقة في اكتشاف ما تختبئ وراءه الكلمات من ظلال وأسرار. وكان الشاعر فيه لا يكتفي بأن يرى العالم، وإنما كان يريد أن يعيد بناءه داخل اللغة. ولعل هذا هو أحد الأسرار الكبرى التي جعلتني، وأنا أقترب من تجربته في الكتابة والحياة، أشعر بأن الشعر يمكن أن يكون معرفة، وأن المعرفة نفسها يمكن أن تكون شعراً إذا امتلكت حساسية النظر وعمق التأمل. لقد علمني السرغيني، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن القصيدة ليست ما نقوله فقط، وإنما ما نتركه من مساحات للصمت بين الكلمات؛ ليست الصورة التي نضعها أمام القارئ فقط، وإنما تلك الصور الخفية التي توقظها اللغة في مخيلته. علمني أن الشعر لا يُقرأ بعين واحدة، وأن القصيدة يمكن أن تكون فضاءً بصرياً بقدر ما هي فضاء لغوي وإيقاعي. كان السرغيني واحداً من الذين أناروا لي هذا الطريق.
السرغيني، ذلك المعلمٌ لم يرفع أبدا راية الأستاذية:
كانت علاقتي بالراحل محمد السرغيني علاقة إنسانية وشعرية ومعرفية عميقة. وما أستعيده الآن من تلك العلاقة لا يتعلق فقط بما قاله أو كتبه، وإنما أيضاً بما كان يمثله حضوره الشخصي نفسه في الكثير من أزمنتي. كان من أولئك الشعراء والمثقفين الذين لا يحتاجون إلى إعلان أستاذيتهم. يكفي أن تجلس إليه، أن تستمع إلى حديثه، أن تتابع طريقته في النظر إلى الشعر والأدب والثقافة، حتى تشعر أنك تتعلم. كانت المعرفة عنده لا تأتي في هيئة درس جاهز، وإنما تتسرب إليك عبر الحوار، وعبر الإشارة، وعبر سؤال صغير يفتح أمامك باباً واسعاً من متعة الفكر والشعر.
وكنت أراه دائماً بعين الشاعر الذي يعلّم من دون أن يدّعي تقديم المواعظ الشعرية والدروس، وبعين المثقف الذي يضيء الطريق دون أن يطلب من الآخرين أن يسيروا في ظله. لقد كان ملهماً لي، ونموذجاً فيما كتبته من نصوص، ومعلماً في كثير من الأسئلة التي حملتها معي في مسيرتي. وما زلت أعتقد أن بعض المعلمين الحقيقيين لا نكتشف حجم فضلهم إلا بعد أن نبتعد عن البدايات، وننظر إلى المسافة التي قطعناها، فنكتشف أنهم كانوا هناك، في أول الطريق، يضعون لنا علامات خفية على الجدران كي لا نضل المسار. كان السرغيني واحداً من هؤلاء.
أيها الشاعر الذي ترك لنا نافذة مفتوحة في القصيدة.
محمد السرغيني، يا صديقي ومُعلمي، كيف يمكن للكلمات أن ترثي شاعراً كانت مهمته الأساسية أن يجعل الكلمات أكثر حياة؟ كيف يمكن أن نقول: رحل، لشاعر ترك في اللغة كل هذا الحضور؟ إن الشاعر الكبير لا يغادر تماماً. قد يغيب جسده، وقد يصمت صوته، وقد تتوقف يده عن كتابة قصيدة جديدة، لكن القصائد التي تركها تتحول إلى نوع آخر من الحياة. تصير ذاكرة، وتصير أسئلة، وتصير مرايا. وكلما عدنا إليها اكتشفنا أن الشاعر لم يكن يكتب لنفسه وحدها، وإنما كان يترك لنا مفاتيح لندخل بها إلى غرف اللغة المغلقة. وأنت يا معلمي، تركت لنا كثيراً من هذه المفاتيح.
تركت لنا قصيدتك، وتركت لنا حضورك الثقافي، وتركت لنا ذلك الأثر الذي لا يقاس بعدد الدواوين والكتب، وإنما بما أحدثته في نفوس الذين اقتربوا منك، وفي عقول الذين قرؤوك، وفي تجارب الذين تعلموا منك. وأنا واحد من هؤلاء. ولهذا فإن حزني عليك ليس حزن قارئ فقد شاعراً كبيراً فقط، وإنما حزن شاعر فقد عزيزا ومعلماً، وكاتب فقد واحداً من منابع الأسئلة الأولى، وإنسان فقد صديقاً ترك في الذاكرة مكاناً لا يمكن أن يملأه أحد. هكذا سيظل محمد السرغيني حيا في ذاكرتي. يعيش في قصيدتي. يعيش في تلك اللحظة التي بدأت فيها أتعامل مع الشعر باعتباره فضاءً للرؤية، لا مجرد فضاء للقول. ويعيش، قبل ذلك كله، في معنى المعلم الذي لا يكتفي بأن يعلمك كيف تكتب، وإنما يعلمك كيف ترى بشكل أساس.
محمد السرغيني، شاعر المغرب الذي لا يغلق قصيدته:
لقد خسر المغرب اليوم شاعراً كبيراً، وخسرت القصيدة المغربية واحداً من أصواتها المتميزة، وخسرت الثقافة المغربية واحداً من رموزها الذين جعلوا من الشعر والكتابة والمعرفة مشروعاً متكاملاً. لكنني لا أحب أن أنظر إلى رحيل السرغيني من زاوية الفقد وحدها. أحب أن أراه الآن واقفاً في الجهة الأخرى من القصيدة، حيث الشعر الحقيقي لا يموت. أراه بين كتبه، بين قصائده، بين الذكريات الجميلة التي جمعتنا وذاكرة الذين أحبوه وقرأوه وعرفوه، بين أجيال من الشعراء والباحثين الذين سيعودون إلى تجربته كلما أرادوا أن يفهموا جانباً من تحولات الشعر المغربي الحديث. فالشاعر الحقيقي لا ينتهي حين تنتهي حياته، يبدأ، بعد رحيله، نوع آخر من حياة جديدة. حين يدخل نصه في ذاكرة القراء. ويبدأ حين يتحول شعره إلى سؤال. ويبدأ حين يكتشف شاعر شاب، بعد سنوات، أنه كان يقرأه دون أن يعرف أن بعضاً من صوته الشعري كان يتشكل هناك، في المسافة الخفية بين القراءة والكتابة. شكراً يا معلمي لأنك كنت هناك.
وفي هذه اللحظة الموجعة، لا أملك إلا أن أنحني أمام ذكراك، لا بوصفك شاعراً كبيراً من شعراء المغرب فقط، وإنما بوصفك واحداً من الذين ساهموا في صناعة الطريق الذي مشيت فيه. سلام عليك، أيها الشاعر الذي جعل من اللغة وطناً. سلام عليك، أيها المعلم الذي لم يكن يحتاج إلى أن يقول: “أنا معلم”, سلام عليك، يا محمد، في رحيلك وفي شعرك وفي الذاكرة التي لن تستطيع الأيام أن تمحوها بعد رحيلك. ولعل أجمل ما يمكن أن أهديه إليك الآن ليس قصيدة رثاء، وإنما ذلك الوفاء الصامت الذي يبقى في قلب التلميذ حين يغيب معلمه، فيرفع عينيه نحو الطريق الذي علّمه السير فيه، ثم يواصل المشي. نم هادئاً أيها الشاعر الكبير. لقد تركت لنا ما يكفي من الضوء كي لا نضل الطريق.
يا محمد، كيف يرثي التلميذ اليد التي دلته على الطريق؟
ثمة حرج كبير في أن يرثي الإنسان من كان له معلماً؛ لأن الرثاء، في هذه الحالة، لا يكون كلاماً عن الآخر فقط، وإنما يصبح اعترافاً بجزء من الذات. وأنا حين أرفع اليوم الكلفة بيننا وأناديك فقط باسمك الشخصي، وأكتب عن اسمك المجيد أشعر أنني أكتب عن بدايات كثيرة في داخلي، عن شاعر شاب كان يبحث عن صوته، وعن قارئ كان يفتش عن الشعر وراء الشعر، وعن باحث لم يكن قد اكتشف بعد أن الأسئلة التي يحملها في قلبه ستقوده إلى مشروع نقدي طويل. كيف أقول لك يا محمد إن لك في بعض ما كتبتُ أثراً؟ وكيف أضع هذا الاعتراف في عبارة لا تبدو صغيرة أمام اتساع الفضل؟ لقد كنت ملهماً ونموذجاً ومعلمَ طريق، وكنت واحداً من الذين جعلوني أؤمن بأن الشعر لا ينبغي أن يكون مجرد إقامة في اللغة، وإنما سفر دائم داخل أسئلتها المجهولة.
كنتَ من أولئك الذين جعلوا الشعر يبدو لي مسؤولية جمالية ومعرفية، لا مجرد رغبة في الكتابة. ولذلك فإنني، حين أنظر اليوم إلى مساري الشعري والنقدي، أجد اسمك في مناطق لا تظهر في العناوين، لكنه حاضر في البنية العميقة للأسئلة. حاضر في الطريقة التي أنظر بها إلى الصورة، وفي حساسيتي تجاه العلاقة بين الشعر والفنون البصرية، وفي إيماني بأن القصيدة يمكن أن تكون مرآة للعين بقدر ما هي مرآة للروح. وربما لهذا أشعر أنني لا أرثيك من الخارج؛ إنني أرثي شيئاً مني تركته ذات يوم في الطريق، شيئاً من ذلك الفتى الذي كان يتعلم الشعر منك دون أن يعرف أنه يتعلم، والذي كان يلتقط من حضورك أكثر مما تلتقطه الكلمات. إن فقدان المعلم ليس فقدان شخص فقط، إنه فقدان شاهد على البدايات، شاهد يعرف من أين بدأنا، وما الذي كنا نحلم بأن نصير إليه، وما هي الأسماء التي فتحت لنا الأبواب الأولى في مغامرة الكتابة.
الموت يأخذ الجسد، لكنه يعجز عن إطفاء الأثر:
وأنا أخاطبك اليوم وأنت في الجهة الأخرى من اليقين، لا أفكر في الموت الآن بوصفه نهاية، وإنما بوصفه ذلك الباب الغامض الذي يعبر منه الإنسان من حضوره الشخصي إلى حضوره في ذاكرة الآخرين. ومثلما تتحول النار بعد انطفائها إلى جمر مخفي تحت الرماد، يتحول الشاعر بعد رحيله إلى أثر موزع بين القصائد والكتب والذاكرة والأسئلة. فمحمد السرغيني لم يعد، بعد اليوم، ملك حياته الخاصة وحدها، لقد صار ملكاً لذاكرة الشعر المغربي، وللقراء الذين سيعودون إلى نصوصه، وللباحثين الذين سيكتشفون في تجربته طبقات لم ننتبه إليها بعد، وللشعراء الذين سيجدون في قصيدته ما يشبه البوصلة حين تتشوش أما عيونهم الجهات.
إن الشاعر الكبير لا يغادر دفعة واحدة، ينسحب جسده أولاً، ثم يبقى صوته، وتبقى عباراته، وتبقى ظلاله في اللغة، ثم يأتي جيل بعد جيل ليكتشف أن الغائب لم يكن غائباً تماماً. هكذا سيحدث مع السرغيني. سيظل اسمه يتردد في الذاكرة الشعرية المغربية لا كاسم محفوظ في تاريخ الأدب، وإنما كعلامة دالة على مرحلة كاملة من تحولات القصيدة، وكصوت من الأصوات التي وسعت إمكانات الشعر وجعلته أكثر قدرة على ملامسة الأسئلة الجمالية والمعرفية. ستأتي أجيال لم تر وجهه، لكنها ستلتقي به في كتبه، ولن تعرف نبرة صوته في الحديث، لكنها ستسمع نبرته في القصيدة، ولن تجلس إلى جواره، لكنها ستجلس في المساحة التي تركتها نصوصه مفتوحة على الضوء. وهذه هي الحياة الثانية للشاعر: أن يتحول من إنسان نعرفه إلى نص لا ينتهي، ومن وجه يواجهنا إلى سؤال نواجهه، ومن حضور محدود بالزمن إلى أثر لا يعرف تماماً أين تنتهي حدوده.
ما يبقى من المعلم حين يغيب:
سأظل، وأنا أواصل الكتابة، أفتش عنك في الأشياء التي علمتني أن أراها. سأفتش عنك في القصيدة التي ترفض أن تكون سطحاً، وفي الصورة التي تخفي وراءها صورة أخرى، وفي الكلمة التي لا تنتهي عند معناها الأول. سأفتش عنك في تلك المسافة بين الشعر والنقد، حيث لا يكون النقد تشريحاً بارداً للجمال، وإنما محاولة لاستعادة دهشة القراءة، وفي تلك المنطقة التي يصبح فيها التحليل شكلاً من أشكال الوفاء للنص. ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله تلميذ أمام غياب معلمه ألا يكتفي بالبكاء عليه، وإنما يواصل الطريق الذي فتحه له. لهذا سأعتبر أن الوفاء لك ليس في كثرة الكلمات التي أكتبها اليوم، وإنما في أن أظل أميناً لذلك القلق الذي زرعته في داخلي: أن أقرأ أكثر، وأن أرى أبعد، وأن أسائل القصيدة بدل أن أستسلم لسطحها، وأن أظل أؤمن بأن الشعر أحد أجمل أشكال مقاومة العتمة.
غبتَ اليوم، لكن الطريق الذي دللتني عليه لم يغلق. ولعل المعلم الحقيقي هو الذي يستطيع أن يغيب جسده دون أن يستطيع الغياب أن يلغي ما صنعه في تلاميذه، لأن ما يزرعه المعلم في الروح لا يُقتلع بالموت. قد تتغير الوجوه، وتتبدل الأزمنة، وتغلق الكتب أو تُفتح، لكن البذرة تظل تعمل في الظلام، ببطء، وبصمت، حتى تخرج شجرة أخرى. وربما كان هذا هو عزاؤنا الوحيد أمام رحيلك: أن ما تركته في الشعر لن يبقى مجرد ماضٍ، وأن ما تركته فينا لن يكون مجرد ذكرى، وإنما سيظل قوة خفية تدفعنا إلى مواصلة الكتابة، كأننا نواصل حديثاً بدأناه معك ولم تمنحنا الحياة فرصة أن نقول كلمته الأخيرة.
أيها الراحل الذي ترك لنا مصباحاً في آخر الطريق:
محمد السرغيني، يا صديق الشعر ورفيق الذاكرة ومعلم البدايات، لا أعرف كيف يمكن أن أختم كلاماً عنك دون أن أشعر أنني أخون اتساع الغياب. فكل خاتمة تبدو صغيرة أمام رجل ترك وراءه هذا الامتداد من الضوء. لذلك لن أقول إنك رحلت وانتهى الأمر، سأقول إنك انتقلت من جهة الحضور إلى جهة الأثر، من مقعد الإنسان إلى فضاء القصيدة، من صوتك الذي كنا نسمعه إلى صوت سيظل يأتينا من الكتب، من زمن اللقاء إلى زمن الذاكرة. وسأقول إن المغرب الشعري فقد اليوم واحداً من أعمدته، وإنني فقدت، إلى جانب ذلك، شيئاً لا يمكن أن تستعيده الكلمات: فقدت معلماً وصديقاً ووجهاً من وجوه الطريق الذي مشيت فيه، وفقدت شاهداً على مرحلة من تكويني لا يمكن محوها من سيرتي. لكنني، وسط هذا الألم، أتشبث بفكرة واحدة: أن الشاعر الكبير لا يُقاس بما أخذه الموت منه، وإنما بما عجز الموت عن أخذه.
والموت لم يأخذ منك اسمك العزيز، ولا شعرك، ولا أسئلتك، ولا أثر حضورك، ولا ما زرعته في نفوس من عرفوك. لم يأخذ منك تلك المساحة التي احتللتها في ذاكرة الشعر المغربي، ولا تلك الشرارة التي انتقلت منك إلى آخرين، ولا ذلك الضوء الذي وصل إليّ ذات يوم وظل، منذ ذلك الحين، ينير لي الطريق. لذلك، وأنا أكتب إليك من جهة الفقد، لا أريد أن أضع نقطة النهاية. سأترك الجملة مفتوحة، مثل قصيدة لم تكتمل بعد، لأنك علمتني أن الشعر لا ينبغي أن يغلق أبوابه تماماً. سأترك اسمك معلقاً في آخر السطر، مثل مصباح بعيد في ليل طويل، وأقول فقط: سلام عليك يا محمد، أيها الشاعر الذي غاب جسده وبقيت القصيدة، غاب صوته وبقي صداه، غاب وجهه وبقي الضوء الذي تركه على الطريق. سلام عليك في رحيلك، وسلام عليك في شعرك، وسلام عليك في كل قصيدة ستولد ذات يوم من أثرٍ لم نعد نعرف من أين بدأ، لكننا سنعرف دائماً أنه مرّ ذات يوم من هنا. أقول لك فقط فيما يشبه دهشة الشعر: ميتٌ يتوسّد اسمَه / وشاهدةُ الرخام لا تعرف كيف توزّع ظلها / هنا يرقدُ شاعر خانته المسافة!


