الداودي حفر البئر… فمن يجرؤ على قياس عمق اقتصاد الرياضات القتالية؟

0
100

حين تحدث الداودي محمد عن اختلالات تدبير الرياضة، لم يكن يتحدث عن ورقة إدارية معزولة ولا عن خلاف عابر داخل جامعة. الرجل الذي سبق أن تحمل مسؤولية الكاتب العام للجامعة الملكية المغربية للتايكواندو يعرف جيداً كيف تشتغل هذه المنظومة من الداخل، ولذلك فإن بعض ما قاله يستحق أن يؤخذ بجدية، لا لأن كل ما يقوله يصبح حقيقة بمجرد صدوره، ولكن لأن تجربته السابقة تجعل الأسئلة التي يطرحها أكثر إزعاجاً لمن اعتادوا أن تبقى الملفات الرياضية داخل دائرة الصمت. وتؤكد وثائق منشورة أن الداودي كان فعلاً كاتباً عاماً للجامعة، وأن اسمه ورد في تقاريرها الأدبية والمالية بصفته مسؤولاً عنها.

الداودي أشار إلى الشواهد والأحزمة والبطولات والتكوينات والتأمينات، لكنه لم يكن بحاجة إلى أن يرسم وحده الصورة كاملة. فالمشهد الذي يعرفه العاملون في الرياضات القتالية منذ سنوات يكشف أن الأمر يتعلق بمجال أصبحت فيه ممارسة الرياضة مرتبطة بسلسلة من الأداءات: انخراط، تأمين، جواز رياضي، مشاركة في بطولة، اجتياز درجة، دورة تكوينية، ثم شهادة. وكل واحدة من هذه الحلقات قد تبدو في حد ذاتها مبلغاً صغيراً، إلى أن تضع أمامها عشرات الآلاف من الممارسين. عندها لا تعود المسألة «واجباً بسيطاً» يؤديه الأب عن ابنه، بل اقتصاداً قائماً على تكرار المبالغ الصغيرة على نطاق واسع.

خذوا أباً مغربياً يريد أن يسجل ابنه في رياضة قتالية. الدخول المدرسي على الأبواب، واللوازم المدرسية تنتظره، والمصاريف لا تحتاج إلى شرح. ثم يقال له إن مشاركة ابنه في بطولة تستلزم مئات الدراهم. وإذا شارك أربع أو خمس مرات في السنة، فإن الرقم وحده يبدأ في الكلام. ثم يأتي التأمين، والجواز، والدرجة، واللباس، وربما دورة تكوينية. السؤال هنا ليس هل يجوز أن تكون للرياضة كلفة؛ طبعاً لها كلفة. السؤال الذي يستحق جواباً هو: متى تنتهي كلفة ممارسة الرياضة وتبدأ صناعة المال من ممارسة الرياضة؟

والحديث عن التأمين يحتاج بدوره إلى كشف الأرقام، لا إلى الشعارات. إذا كانت بعض الأندية تجمع مثلاً 150 أو 250 درهماً عن الرياضي، بينما كلفة التأمين الفعلية أقل بكثير، فلابد أن يعرف المنخرط ماذا يغطي بالضبط هذا الفرق، ومن يستفيد منه، وما العقد المبرم مع شركة التأمين. لا يكفي أن يقال للأب: «هذا هو واجب التأمين». من حقه أن يعرف قيمة التغطية، وشروطها، والجهة المؤمنة، وحصة الجامعة، وحصة النادي، وما إذا كانت هناك خدمات أخرى تدخل في المبلغ. فحين يتعلق الأمر بعشرات الآلاف من الأطفال والشباب، تصبح الشفافية هنا واجباً وليس ترفاً.

والجامعة الملكية المغربية للقتال الحر والمختلط، مثلاً، تنص في تعريفها الرسمي لمهامها على تحصيل واجب الانخراط الجامعي، وعلى أن يتضمن هذا الواجب حصة مخصصة للتغطية الاجتماعية والتأمين الإجباري ضد المخاطر خلال المنافسات والتظاهرات. وفي جامعة الكيك بوكسينغ نفسها، ظهر في بلاغ منشور سنة 2024 حديث صريح عن تسوية التأمينات ودرجات الأحزمة والجوازات الرياضية قبل المشاركة في أي منافسة. أي أن العلاقة المالية بين الممارس والمنظومة ليست افتراضاً صحافياً؛ هي جزء معلن من آليات الممارسة. ويبقى السؤال: هل يعرف الممارس دائماً ماذا يدفع، ولماذا يدفع، ومن أين يأتي تحديد المبلغ؟

ثم هناك الأحزمة. في الرياضات القتالية، الدرجة ليست قطعة قماش حول الخصر فقط؛ إنها اعتراف بالمستوى. ولذلك يصبح الأمر حساساً عندما تدخل الشهادة في دائرة الرسوم والإجراءات. تاريخياً، عرف التايكواندو المغربي نفسه جدلاً حول شهادات الأحزمة السوداء، إلى درجة أن الجامعة نشرت سنة 2015 بلاغات تتحدث عن فوضى سابقة في هذا الملف، وعن شهادات حصل عليها أصحابها خارج الإطار الذي تعترف به الجامعة. كما سبق أن اختارت جامعة الكاراطي في 2020 توزيع شهادات الأحزمة الأساسية بالمجان في مبادرة أعلنت عنها صراحة. هذه الوقائع لا تثبت وجود «تجارة بالشهادات» في كل الجامعات، لكنها تكشف أن ملف الشهادات والدرجات ظل بالفعل منطقة حساسة تستحق التدقيق.

هنا يصبح كلام الداودي مدخلاً، وليس نهاية التحقيق. فحين يقول إن هناك بيعاً للشواهد أو إشكالات مرتبطة بالأحزمة، لا ينبغي للصحافة أن تردد الكلام كحكم قضائي، كما لا ينبغي لها أن تتهرب منه. المطلوب هو السؤال: كم شهادة تصدر سنوياً؟ كم يدفع الرياضي مقابلها؟ من يوقعها؟ كيف تسجل؟ ومن يراقب السلسلة المالية والإدارية المرتبطة بها؟

والأمر نفسه بالنسبة للبطولات. الداودي أشار إلى أن تنظيم بطولة أو نشاط في الرياضات القتالية يمر عبر شروط وإجراءات معينة. نحن، كصحافة، نذهب خطوة أبعد ونسأل: لماذا يبدو هذا المجال مثقلاً بالإجراءات والرسوم إلى هذا الحد؟ وهل هذه الشروط موحدة بين مختلف الرياضات، أم أن الرياضات القتالية أصبحت تعيش نموذجاً خاصاً من «الأداء مقابل المشاركة»؟ لا نحتاج إلى أن نقول إن كرة القدم أو التنس لا يؤديان أي رسوم؛ المقارنة الحقيقية هي في طبيعة الرسوم وتكرارها وحجمها بالنسبة إلى الأسرة والممارس.

وهنا تظهر المفارقة المغربية التي يعرفها كل أب تقريباً: الدولة تشجع الرياضة وتريدها مدرسة للمواطنة والصحة والانضباط، لكن الأسرة قد تجد نفسها أمام فاتورة متصاعدة كلما أراد ابنها أن ينتقل من التدريب العادي إلى المنافسة. فإذا أصبحت البطولة محطة تجارية أكثر منها محطة رياضية، وإذا أصبح الحزام مرحلة مالية قبل أن يكون مرحلة تقنية، فالسؤال لم يعد عن جودة الرياضة فقط، وإنما عن نموذجها الاقتصادي.

الأخطر أن هذه المنظومة لم تولد أمس مع الداودي. هناك جامعات وعصب وأطر راكمت وجودها لعقود، وبعضها أقدم من ذاكرة كثير من الممارسين الحاليين. لذلك لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى محاكمة شخص واحد. الداودي نفسه كان جزءاً من هذه المنظومة في مرحلة من المراحل، وكان مسؤولاً فيها، وهذا يجعل من حق الصحافة أن تسأله هو أيضاً: ماذا كنت تعرف؟ ماذا حاولت أن تغير؟ وماذا لم تستطع تغييره؟ فالصحافة لا تمنح حصانة لأحد، لا للمسؤول الحالي ولا للمسؤول السابق ولا للمعارض الجديد.

أما الوزارة ومديرية الرياضة، فالسؤال أمامهما أبسط مما يبدو: هل توجد أرقام موحدة وشفافة حول مداخيل الجامعات من الانخراطات والتأمينات والبطولات والتكوينات والشهادات؟ وهل تخضع هذه الموارد لتدقيق يمكن للرياضيين والنوادي والرأي العام الاطلاع على خلاصته؟ وزارة الرياضة نفسها تقول إنها تعمل على تعزيز حكامة الجامعات، وأن 52 جامعة من أصل 57 كانت في وضعية سليمة بخصوص الجموع العامة السنوية، كما أعلنت عن نشر الأنظمة الأساسية لـ48 جامعة بعد المصادقة عليها. فإذا كانت الحكامة هي العنوان، فلماذا لا تبدأ من المكان الذي يفهمه الجميع: المال؟

لأن القضية في النهاية ليست ضد الكيك بوكسينغ ولا التايكواندو ولا الكاراتي ولا الجودو ولا الـمصارعة. هذه الرياضات صنعت أبطالاً وربت أجيالاً، وكثير من مدربيها يعملون بجد ويصرفون من جيوبهم أكثر مما يحصلون عليه. لكن حماية هؤلاء تحديداً تقتضي تنظيف السوق من كل ما يمكن أن يجعل الرياضة تبدو كأنها مشروع لتحصيل الرسوم قبل أن تكون مشروعاً لصناعة الأبطال.

الداودي حفر البئر. ونحن كصحافة لا نقول إننا نعرف ما يوجد في قاعه؛ نقول إن من حق المغاربة أن يروا قاعه. كم يدخل؟ كم يخرج؟ من يدفع؟ من يقبض؟ من يؤمّن؟ من يمنح الشهادة؟ ومن يراقب الجميع؟

إذا كانت الإجابات نظيفة، فليخرجوا بها إلى الضوء. وإذا كانت الأرقام مطابقة للقانون، فليُقال ذلك. أما أن يبقى كل شيء في الظل ثم يُطلب من الأب أن يدفع ويسكت، ومن الرياضي أن يشارك ويدفع، ومن النادي أن يؤدي ويستمر، ومن الصحافة أن تصفق للبطولة… فهنا فعلاً يصبح السؤال مشروعاً: واش حنا كنربّيو أبطالاً، ولا كنربّيو سوقاً حول الأبطال؟