قاصرو سبتة إلى المغرب بدعم أوروبي.. بروكسل موّلت حراسة الحدود لعقدين، فمن يحاسب على أموال «وقف الهجرة»؟

0
124
صورة : ElFarodeCeuta

في كل مرة تنفجر فيها أزمة الهجرة على الحدود المغربية ـ الإسبانية، يعود السؤال نفسه من زاوية مختلفة: ماذا فعلت أوروبا طوال سنوات وهي تدفع للمغرب من أجل ضبط الحدود، ومكافحة الهجرة غير النظامية، وتأهيل الشباب، ودعم سياسات الهجرة؟ وهل كانت الأموال الأوروبية موجهة فعلا إلى معالجة الأسباب التي تدفع الشباب إلى ركوب البحر، أم أن الأولوية كانت دائما لحراسة الضفة الأوروبية ومنع الوصول إليها؟

الأرقام الرسمية الأوروبية تجعل السؤال مشروعا، بل ضروريا. فالتعاون الأوروبي المغربي في مجال الهجرة يعود إلى سنة 2004، ثم تعزز باتفاق الشراكة من أجل التنقل سنة 2013. ووفقا للمفوضية الأوروبية، بلغت مخصصات التعاون الأوروبي في مجال الهجرة مع المغرب نحو 360 مليون يورو منذ 2016 إلى حدود 2022، منها حوالي 238 مليون يورو عبر الصندوق الائتماني الأوروبي للطوارئ من أجل إفريقيا. وتشمل هذه الأموال تدبير الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، وحماية المهاجرين، والعودة وإعادة الإدماج، وخلق فرص اقتصادية ومسارات للهجرة القانونية.

وقبل ذلك، أعلنت بروكسل سنة 2018 أن برامج الهجرة الأوروبية في المغرب للفترة 2014-2021 بلغت نحو 107 ملايين يورو، بينما أُعلن في 2019 عن برنامج آخر بقيمة 101.7 مليون يورو لدعم تدبير الحدود ومكافحة الاتجار بالبشر، وتحديث الوسائل التقنية وتعزيز التعاون مع الأجهزة الأوروبية، مع تخصيص اهتمام معلن بتوعية الشباب والأسر بمخاطر الهجرة غير النظامية.

ثم جاء برنامج أكبر في 2022 بقيمة 152 مليون يورو على مدى أربع سنوات، لتعزيز تدبير الحدود ومكافحة شبكات التهريب، ودعم الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، والعودة الطوعية وإعادة الإدماج. وبالموازاة، كانت هناك برامج أوروبية أخرى تستهدف الشباب والنساء وسكان العالم القروي والإدماج المالي والتكوين وخلق فرص اقتصادية. وفي الفترة 2021-2023 وحدها، تقول المفوضية إن حوالي 193 مليون يورو خُصصت للمغرب ضمن الغلاف الإقليمي للهجرة، بما يشمل الحكامة والهجرة القانونية والعودة الطوعية وتدبير الحدود ومكافحة التهريب وحماية المهاجرين.

هنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية في القصة. لأن السؤال ليس فقط: كم دفعت أوروبا؟ بل: ما الذي اشترته بهذه الأموال؟ إذا كانت أوروبا تريد حدودا أكثر أمنا، فذلك مفهوم من منظورها. وإذا أرادت الحد من شبكات التهريب وإنقاذ الأرواح، فذلك أيضا هدف مشروع. لكن عندما تتحول شراكة الهجرة إلى منظومة طويلة الأمد تجعل المغرب يؤدي وظيفة الحاجز المتقدم للاتحاد الأوروبي، يصبح من حق الرأي العام المغربي أن يسأل عن المقابل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لهذه الوظيفة، وعن نتائج البرامج التي قيل إنها ستعالج جذور الظاهرة، لا أعراضها فقط.

فالوثائق الأوروبية نفسها تكشف أن المسألة لم تكن محصورة في سيارات الحراسة والرادارات والمراقبة الحدودية. البرنامج الأوروبي شمل حماية المهاجرين، والتكوين، والعودة وإعادة الإدماج، وخلق الفرص الاقتصادية، بل إن بعض المشاريع استهدفت الشباب مباشرة. وفي إحدى الوثائق الأوروبية الخاصة بالطريق الغربي للمتوسط، تتحدث بروكسل عن آلاف المستفيدين من التكوين والمواكبة في البحث عن العمل وريادة الأعمال، وعن برامج لفائدة القاصرين والمهاجرين والفئات الهشة.

لكن صورة الواقع اليوم تطرح مفارقة صعبة التجاهل: بعد أكثر من عقد من التعاون المالي والأمني، ما زال الشباب المغاربة يحاولون الوصول إلى أوروبا، وما زالت سبتة ومليلية والواجهة المتوسطية تتحول دوريا إلى مسار للهروب الجماعي. وفي الأزمة الحالية، تتحدث السلطات الإسبانية عن 2168 قاصرا جرى تحديد هوياتهم منذ 30 يوليوز. هذا الرقم لا يثبت وحده فشل البرامج الأوروبية أو المغربية، لكنه يكفي لطرح سؤال سياسي كبير: إذا كانت الأموال قد أنفقت أيضا على معالجة دوافع الهجرة، فلماذا بقيت الرغبة في الرحيل بهذه القوة؟

وهنا ينبغي الحذر من إجابة سهلة تقول إن «الأموال اختفت». لا توجد في المعطيات المتاحة أمامنا أدلة تسمح بهذا الاتهام. بل إن المفوضية تقول إنها تراقب مشاريعها عبر تقارير الشركاء المنفذين، وبعثات للتحقق وآليات لمراقبة النتائج. لكن وجود آليات للمراقبة الأوروبية لا يلغي سؤالا آخر أكثر أهمية: هل يستطيع المواطن المغربي أن يعرف، بصورة واضحة وقابلة للتتبع، أين ذهبت كل هذه الأموال، وما الذي تحقق فعليا على الأرض؟

وهذا هو الفرق بين سؤال مالي وسؤال سياسي. ليس المطلوب أن نبحث عن رقم إجمالي ونقسمه على عدد المهاجرين، ولا أن نفترض أن كل يورو أوروبي دخل المغرب كان مخصصا لإيقاف الشباب على الحدود. الأموال موزعة بين برامج مختلفة، وبعضها موجه إلى الإدارة أو حماية المهاجرين أو الحدود أو العودة أو الهجرة القانونية أو التنمية. لكن المطلوب هو كشف العلاقة بين التمويل والنتيجة: كم أنفق على الحدود؟ كم ذهب إلى التكوين؟ كم إلى خلق فرص العمل؟ كم إلى برامج الشباب؟ ومن نفذ؟ وما مؤشرات النجاح؟ وما الذي فشل؟ ومن يتحمل مسؤولية الفشل؟

المفارقة أن أوروبا نفسها بدأت تطرح أسئلة من هذا النوع. ففي تقرير للبرلمان الأوروبي صدر سنة 2026، دعت المؤسسة إلى تعزيز الشفافية والمساءلة بشأن الأموال الأوروبية الموجهة إلى دول ثالثة، وأشارت إلى صعوبة الحصول على بيانات تفصيلية وشاملة حول الإنفاق، وطالبت بمراقبة مستقلة لحقوق الإنسان في البرامج الممولة خارج الاتحاد. أي أن سؤال «أين تذهب الأموال؟» ليس سؤالا مغربيا فقط؛ إنه جزء من النقاش الأوروبي نفسه حول شفافية تمويل سياسات الهجرة.

والأهم أن أوروبا لا تخفي جوهر مصالحها. وثائقها الرسمية تتحدث صراحة عن حماية الحدود، ومنع الهجرة غير النظامية، ومكافحة شبكات التهريب، وإدارة العودة وإعادة القبول، إلى جانب معالجة جذور الهجرة وخلق فرص اقتصادية. المسألة إذن ليست مؤامرة أوروبية، ولا عملا خيريا أوروبيا. إنها صفقة مصالح: أوروبا تريد أن يصل إليها عدد أقل من المهاجرين، والمغرب يحصل على تمويل وتعاون وتجهيزات وبرامج، لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحا هو ما إذا كان هذا التعاون قد نجح في بناء أسباب تجعل الشاب المغربي يختار البقاء، أم أنه نجح أساسا في جعله أصعب عليه أن يغادر.

الأرقام الجديدة القادمة من سبتة تعيد وضع هذا السؤال على الطاولة بقوة أكبر. فإذا كان المطلوب من المغرب أن يحرس الحدود الأوروبية الجنوبية، فمن حق المغرب أيضا أن يطالب بأن تكون مكافحة الهجرة مصحوبة باستثمار جدي في الإنسان الذي يقف خلف الحدود: تعليم جيد، تكوين قابل للتحول إلى عمل، اقتصاد قادر على استيعاب الشباب، ومجالات حقيقية للحركة الاجتماعية. وإلا فإن أوروبا قد تنجح في تمويل الحاجز، بينما يبقى سبب الهجرة قائما خلفه.

وفي النهاية، القضية ليست أين صرفت أوروبا أموالها فقط، وإنما ماذا اشترت بها؟ فإذا اشترت مزيدا من المعدات والحواجز، فقد تكون قد حققت جزءا من هدفها. أما إذا كانت قد دفعت أيضا من أجل «معالجة جذور الهجرة» و«خلق بدائل للشباب»، فإن النتائج تستحق تدقيقا مستقلا وعلنيا. فالأموال الأوروبية ليست سرا، والبرامج ليست مجهولة، والأرقام منشورة. وما ينقص هو الانتقال من لغة الشراكة والتمويل إلى لغة أكثر صرامة: كم دُفع؟ أين ذهب؟ ماذا تحقق؟ ومن يتحمل مسؤولية ما لم يتحقق؟

لأن الشاب الذي يصل اليوم إلى سبتة لا يعرف شيئا عن بنود الميزانيات الأوروبية، ولا عن أسماء الصناديق والبرامج. هو يرى فقط أن أوروبا دفعت منذ سنوات لحراسة الحدود، بينما ظلت الأسباب التي تدفعه إلى محاولة عبورها قائمة. وهنا بالضبط تبدأ الصحافة الحقيقية: من الرقم، لكنها لا تتوقف عنده؛ بل تسأل عما وراء الرقم.